انتصار طاقة الرياح البحرية رغم التحديات السياسية
مشروع Revolution Wind للطاقة البحرية يكمل رغم أوامر التعليق السياسية ويثبت أهمية الرياح البحرية في دعم الشبكات الكهربائية خلال الأزمات. معارك قانونية مستمرة وتحديات سياسية تعرقل توسع طاقة الرياح في أميركا وورلد برس عربي.

رقمٌ واحد يختصر المفارقة: التوربين رقم 65 والأخير في مشروع Revolution Wind دخل الخدمة هذا الأسبوع، ليكتمل بذلك مشروعٌ بقيمة 6.2 مليار دولار رغم صدور أمرين متتاليين من إدارة ترامب لتعليق العمل فيه. لا يظهر هذا التفصيل بوضوح في العناوين التي احتفت بإنجاز المحطة، لكنه يحمل دلالةً أعمق من افتتاح محطة طاقة جديدة: إنه اختبارٌ عملي لمدى قدرة القرار السياسي على إيقاف مشروعٍ بلغ من التقدّم مرحلةً يصعب فيها التراجع.
من 39 غيغاواط إلى 6: كيف انهار المسار المتوقّع لطاقة الرياح البحرية؟
قبل عامٍ تقريباً، وبعد فوز ترامب في نوفمبر 2024، كانت مؤسسة BloombergNEF تتوقّع أن تبلغ طاقة الرياح البحرية الأميركية 39 غيغاواط بحلول عام 2035. هذا التوقّع تبخّر عملياً؛ فبنهاية 2025 خفّضت المؤسسة تقديراتها إلى 6 غيغاواط فقط وهو رقمٌ لا يفترض حتى استكمال مشاريع جديدة، بل يقوم على فرضية أن المشاريع الخمسة الجارية أصلاً ستكتمل كما هي. بعبارة أخرى، تحوّل القطاع من مسار توسّعٍ هيكلي إلى مسار "احتواء الخسائر".
هذا الانهيار في التوقّعات ليس نتاج ظروف سوقية، بل نتيجة سياسة إدارية مباشرة عطّلت عملياً أي تطويرٍ جديدٍ لطاقة الرياح البحرية في الولايات المتحدة، فيما كانت هذه الطاقة تُفترض أن تكون العمود الفقري لخطط إزالة الكربون في شمال شرق البلاد.
معركة قانونية متكررة: من Empire Wind إلى المشاريع الخمسة
قصة Revolution Wind نفسها توضّح آلية هذا التعطيل. في أغسطس 2025، أمرت وزارة الداخلية الأميركية بتوقيف العمل في المشروع، مستندةً إلى تهديدات أمنية قومية لم تُحدَّد تفاصيلها. بعد شهرٍ واحد فقط، ألغى قاضٍ اتحادي هذا القرار. السيناريو ذاته تكرّر قبل ذلك مع مشروع Empire Wind، الذي صدر بحقّه أمرٌ مماثل ثم تم التراجع عنه.
لكن المواجهة لم تنتهِ عند هذا الحد. في أواخر ديسمبر، وسّعت الإدارة الأميركية نطاق التعطيل لتشمل جميع المشاريع الخمسة الجارية دفعةً واحدة. طوّر المشروعات ومدّعو عموم عدة ولايات طعنوا في هذه القرارات قضائياً، وبدأت المحاكم منذ يناير إبطال الأوامر واحداً تلو الآخر. وبالتوازي مع هذه المواجهة القانونية، تحوّلت الإدارة إلى مسارٍ مختلف: تعويض المطوّرين الذين يوافقون على التنازل عن عقود الإيجار البحرية التي سبق أن اشتروها صفقاتٌ بلغت حتى الآن نحو 4 مليارات دولار من أموال دافعي الضرائب. هذا التحوّل من "المنع المباشر" إلى "الشراء بالتنازل" هو الإشارة الأضعف في هذا الملف؛ فهو يشير إلى أن المعركة القانونية بلغت نقطةً تجعل الإيقاف الإداري المباشر أقلّ جاذبية من التسوية المالية.
أحد المحلّلين وصف محاولات إعاقة هذه المشاريع بعد وصولها إلى مراحل متقدّمة من الإنشاء بعبارة لاذعة: إنها كمن "يطلق النار على جثة" إشارة إلى أن الجدوى الاقتصادية لتوقيف مشاريع اكتمل جزءٌ كبير من إنشائها أصبحت محدودة، بصرف النظر عن الموقف السياسي منها.
ما تكشفه العاصفة الشتوية والموجة الحارّة
بينما تدور هذه المعارك في المحاكم، كانت الشبكة الكهربائية في نيو إنغلاند تحصل على دليلٍ عملي على قيمة هذه المشاريع. فقد زوّد مشروع Vineyard Wind 1 المنطقة بالكهرباء خلال عاصفة الشتاء "فيرن" قبل وصوله حتى إلى التشغيل الكامل، وسجّل مشروع South Fork Wind أداءً جيداً لصالح نيويورك في العاصفة نفسها ما يعزّز الصورة العامة عن أداء طاقة الرياح البحرية الجيد في فصل الشتاء.
وفي يوليو، حين ضربت موجة حرّ نيو إنغلاند، وفّر مشروعا Vineyard Wind 1 و Revolution Wind كهرباء نظيفة خالية من الكربون، ما خفّف من اعتماد شركات المرافق على محطات الطاقة الاحتياطية التي تعمل بالنفط محطاتٌ توصف بأنها مكلفة وملوّثة. هذا النمط المزدوج أداء جيد في الشتاء وفي موجات الحرّ الصيفية يمنح مشاريع الرياح البحرية حجّةً عملية يصعب تفنيدها إحصائياً، بصرف النظر عن الموقف السياسي منها.
أين تقف بقية المشاريع الأميركية؟
خارج نيو إنغلاند، تتوزّع بقية المشاريع الأميركية على مراحل مختلفة. مشروعا South Fork Wind قرب نيويورك، و Vineyard Wind 1 قبالة جزيرة مارثاز فينيارد، مكتملان بالفعل. أما Coastal Virginia Offshore Wind، بقدرة 2.6 غيغاواط، فقد بدأ تسليم الكهرباء إلى الشبكة في مارس، ومن المتوقّع أن يستكمل إنشاءه في العام المقبل. في المقابل، لا يُتوقّع أن يصبح مشروعا Empire Wind و Sunrise Wind تشغيليّين بالكامل قبل عام 2027.
هذا التفاوت يعني أن قطاع الرياح البحرية الأميركي لن يتحرّك ككتلةٍ واحدة؛ فبينما يكتمل Revolution Wind وCoastal Virginia قريباً نسبياً، سيبقى مشروعا نيويورك معلّقين لسنتين إضافيتين على الأقل فارقٌ زمني قد يعمّق الفجوة بين احتياجات الشبكة المتزايدة وسرعة إضافة القدرة الجديدة.
"معلمٌ مهم" في زمن الاحتياج المتزايد
منذ مارس، يزوّد Revolution Wind ولايتي رود آيلاند وكونيتيكت بطاقة خالية من الكربون، وإن كان بقدرة جزئية إلى حين اكتمال بقية التوربينات. الآن، وبعد تشغيل التوربين الأخير، تتوقّع شركة Ørsted الدنماركية المطوّرة للمشروع أن يبلغ طاقته الكاملة البالغة 704 ميغاواط لاحقاً هذا العام.
هيلاري برايت، المديرة التنفيذية لمجموعة Turn Forward المناصرة لطاقة الرياح البحرية، وصفت هذا الإنجاز في بيانٍ صدر يوم الخميس بأنه "معلمٌ مهم لرود آيلاند وكونيتيكت ومنطقة نيو إنغلاند الأوسع". وأضافت: "مع استمرار نمو الطلب على الكهرباء، تحتاج المنطقة إلى مزيدٍ من التوليد الذي يمكن أن يعزّز الاستقرار، ويُنوّع مصادر الطاقة، ويوفّر مزيداً من اليقين للمستهلكين". هذه العبارة تلخّص الحجّة الأساسية التي يستخدمها مناصرو القطاع: المسألة ليست تفضيلاً سياسياً بقدر ما هي معادلة أمن طاقة تتصل مباشرةً باستقرار الشبكة وكلفة الاستهلاك.
ثلاثة مسارات محتملة للقطاع
بالنظر إلى ما تراكم من بياناتٍ حتى الآن، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمستقبل قطاع الرياح البحرية الأميركي على المدى المتوسط. الأرجح أن تستمر المشاريع الخمسة الجارية بما فيها Empire Wind وSunrise Wind حتى 2027 في استكمال إنشائها عبر المسار القضائي نفسه الذي حمى Revolution Wind، مع بقاء أي مشروعٍ جديد خارج دائرة الترخيص طوال فترة الإدارة الحالية. المحتمل أن تتوسّع صفقات تعويض المطوّرين عن التنازل عن عقود الإيجار البحرية لتشمل مشاريع أخرى لم تبدأ إنشاءها بعد، ما يرفع فاتورة أموال دافعي الضرائب فوق سقف الـ4 مليارات دولار الحالي دون أن يضيف غيغاواط واحداً جديداً للشبكة. الأقلّ احتمالاً أن يؤدي الأداء الميداني المتكرّر لمشاريع مثل Revolution Wind وVineyard Wind 1 خلال العواصف الشتوية وموجات الحرّ إلى تحوّلٍ سياسي فعلي في الموقف من القطاع قبل نهاية الولاية الحالية سيناريو تدعمه البيانات التشغيلية أكثر مما تدعمه الخريطة السياسية الراهنة.
أخبار ذات صلة

قواعد المناخ للمحطّات الكهربائية: ماذا بعد قرار ترامب؟

العام الأول لـ ReFuelEU: الالتزام الإلزامي يثبت فعاليته

تحذيرٌ من الانهيار: كيف يدفع التغيّر المناخي والجريمة الأمازون نحو نقطة اللاعودة
