تحقيق دولي يكشف دعم الإمارات لجرائم دارفور
منظمات حقوق الإنسان تطالب المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في دور الإمارات ودول مجاورة بتسهيل جرائم دارفور عبر دعم قوات الدعم السريع بالأسلحة والمرتزقة. كشف تفاصيل شبكة إمداد معقدة تستمر في تأجيج الصراع. وورلد برس عربي

تقدّمت مجموعةٌ من منظمات حقوق الإنسان بطلبٍ إلى المحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيق في دور مسؤولين رفيعي المستوى من الإمارات العربية المتحدة ودول مجاورة للسودان، يُشتبه في تورّطهم بتسهيل جرائم الفظائع في دارفور والتواطؤ فيها.
قدّم هذا البلاغ يوم الاثنين مركز Raoul Wallenberg لحقوق الإنسان (RWCHR) إلى جانب تحالفٍ واسع يضمّ منظمات قانونية وتحقيقية ومجتمعاً مدنياً متعدّد الأطراف. ويُسلّط البلاغ الضوء على الدعم الخارجي المقدَّم لكلٍّ من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، مُتهمًا جهات أجنبية مكّنت الطرفَين من ارتكاب الفظائع عبر تزويدهما بالأسلحة والمرتزقة والمعدّات والدعم اللوجستي والتمويل.
ودعا البلاغ المدّعين العامّين إلى التحقيق في المسؤولية الجنائية للجهات الأجنبية استناداً إلى المادتَين 25(3)(ج) و25(3)(د) من نظام روما الأساسي، وهما المادّتان اللتان تُجرّمان أفعال المساعدة والتحريض والإسهام المتعمَّد في الجرائم التي يرتكبها أفرادٌ يعملون لتحقيق غرضٍ مشترك.
يُسمّي البلاغ الإمارات وداعمين إقليميّين آخرين لقوات الدعم السريع، من بينهم مسؤولون ووسطاء من ليبيا وإثيوبيا وتشاد والصومال وكينيا وأوغندا، وإن كان التحالف لم يُفصح عن هويّات هؤلاء المسؤولين المُدرَجين في الوثيقة. كما يُشير البلاغ على نطاقٍ أوسع إلى دور إيران وتركيا ومصر في ما يُزعم من جرائم ارتكبها الجيش السوداني.
وعلى الرغم من حظر الأسلحة الأممي المفروض منذ سنواتٍ على دارفور، يُوثّق البلاغ استمرار تدفّق الأسلحة والطائرات المسيَّرة والمرتزقة إلى المنطقة واستهداف المدنيين، فيما يدخل الصراع عامه الرابع.
فظائع «دون محاسبة»
يتّخذ البلاغ شكل مراسلةٍ بموجب المادة 15 من نظام روما، وهي آليةٌ تُتيح للمنظمات تقديم معلومات إلى المدّعي العام بهدف استثارة تحقيقٍ رسمي. وتملك المحكمة الجنائية الدولية أصلاً صلاحية القضاء في دارفور بموجب إحالةٍ صادرة عن مجلس الأمن الدولي عام 2005، تُخوّلها ملاحقة أفرادٍ من أيّ جنسية على جرائم ارتُكبت هناك.
وكما سبق أفيد ، يرى علماء القانون أنّ هذا الأساس يمكن نظرياً أن يمتدّ ليشمل مواطنين إماراتيّين يُتّهمون بمساعدة قوات الدعم السريع، وإن كان جمع الأدلة وانتزاع التعاون من دولةٍ لم تُصادق على النظام الأساسي للمحكمة يُشكّلان عقبةً كبيرة.
وقال إيروين كوتلر، مؤسّس مركز Wallenberg ورئيسه الدولي ووزير العدل والمدّعي العام الكندي السابق، إنّ المساءلة يجب أن تتجاوز ساحة المعركة. وأضاف: «لن تنتهي معاناة الشعب السوداني طالما يواصل مرتكبو جرائم الفظائع وشبكات الإفلات من العقاب التي تُمكّنهم وتُديم وجودهم التصرّفَ دون أيّ تبعات».
يعكس البلاغ الذي قاده مركز RWCHR توسّعاً في مساعي محاسبة الجهات الأجنبية الداعمة قانونياً عبر المحكمة الجنائية الدولية. وكان Middle East Eye قد أفاد في وقتٍ سابق من هذا الشهر بأنّ مجموعةً منفصلة من الناجين السودانيّين قدّمت بدورها مراسلةً بموجب المادة 15 تستهدف كبار المسؤولين الإماراتيّين ورجال الأعمال، من بينهم منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس الدولة.
ويستند البلاغ الجديد لمركز Wallenberg إلى أدلةٍ من مصادر سرّية ونتائج تحقيقاتٍ ميدانية. ويتضمّن ملحقاً يرسم خرائط لخطوط إمداد قوات الدعم السريع المنطلقة من مطارات أبوظبي والعين ورأس الخيمة، عبر محطّات عبورٍ في تشاد وليبيا وإثيوبيا، في إطار عمليات نقل أسلحةٍ مشتبهٍ بها امتدّت من أبريل 2023 حتى اليوم.
أدلّة متراكمة على دور الإمارات
نفت الإمارات مراراً أيّ تورّط في تزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة أو غيرها من أشكال الدعم. غير أنّ دعم الدولة الخليجية للقوة شبه العسكرية بات موثَّقاً على نطاقٍ واسع.
منذ منتصف عام 2023، خلصت تحقيقاتٌ عدّة إلى أنّ الأسلحة والمعدّات وصلت إلى قوات الدعم السريع عبر جسرٍ جوّي يمرّ بأمجراس في تشاد، مع تكرار الإشارة إلى الإمارات بوصفها المورِّد المشتبهاً به. وكشف في يناير 2024 أنّ الإمارات كانت تُزوّد قوات الدعم السريع بالأسلحة عبر شبكةٍ معقّدة من خطوط الإمداد والتحالفات الممتدّة عبر ليبيا وتشاد وأوغندا ومناطق انفصالية في الصومال. وتوصّل تحقيقٌ أجرته صحيفة New York Times عام 2024 أيضاً إلى أنّ الإمارات ضخّت أسلحةً لقوات الدعم السريع تحت غطاء المساعدات الإنسانية.
وفي أبريل، كشف أنّ قوات الدعم السريع كانت تتلقّى دعماً سرّياً من قاعدةٍ عسكرية إثيوبية في أسوسا بمنطقة بني شنقول-قماز، فيما رُصدت مركباتٌ مماثلة في ميناء بربرة بأرض الصومال حيث تحتفظ الإمارات بحضورٍ عسكري. وأفادت Human Rights Watch الشهر الماضي بأنّ مرتزقةً كولومبيّين جرى توظيفهم عبر شركةٍ مقرّها الإمارات، وعبروا قواعد عسكرية إماراتية قبل توجّههم إلى السودان.
وكان نائب المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية قد أكّد في وقتٍ سابق من هذا العام أنّ مكتبه يُجري تحقيقاً في الفظائع المرتكبة في دارفور منذ أبريل 2023، إلّا أنّ المكتب لم يمتدّ بعد إلى التحقيق في التواطؤ الأجنبي.
وتأمل المنظمات غير الحكومية التي قدّمت البلاغ يوم الاثنين أن يكون مكتب المدّعي العام منفتحاً على التحقيق في الأفراد والمسؤولين الذين يُذكون الفظائع ويُديمونها من الخارج.
وفي أحدث تقرير قدّمه مكتب المدّعي العام إلى مجلس الأمن الدولي حول دارفور في يناير، وصف المكتب الحصار المميت الذي فرضته قوات الدعم السريع على الفاشر لأكثر من 500 يوم بأنّه «من صنع الإنسان كلياً»، في إشارةٍ إلى الدور الأجنبي في الصراع. وجاء في التقرير: «استمرّ هذا الصراع بفعل جهاتٍ إقليمية ودولية لا يزيد دعمها المادّي والمالي إلّا في تفاقم هذه الكارثة في دارفور، وفي إطالة أمد جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية دون أيّ مسوّغ».
وعلى الرغم من التحقيقات الجارية منذ عام 2023، لم يُصدر مكتب المدّعي العام حتى الآن أيّ مذكّرات توقيف بحقّ سودانيّين على صلةٍ بالنزاع الراهن. وأوضح متحدّثٌ باسم المكتب أنّ الأولوية تنصبّ حالياً على التحقيق في جرائم العنف الجنسي والجرائم المرتكبة ضدّ الأطفال والمؤثّرة فيهم. وكان تقريرٌ أمميٌّ صدر الأسبوع الماضي قد خلص إلى أنّ قوات الدعم السريع تتحمّل المسؤولية عن غالبية جرائم العنف الجنسي التي ارتكبتها أطراف النزاع في السودان خلال السنوات الثلاث الماضية.