رحلة جذور الهوية في مطعم هايتي بالمكسيك
في تيخوانا، مطعم هايتي يديره Vivianne Petit Frere يحتفل بالثقافة والجذور الجديدة. قصة نجاح ملهمة تعكس حق الجنسية بالولادة وتأثيره على الهوية. تعرّف على Lakou Lakay وكيف تفتح الأبواب لقصص جديدة.






في تيخوانا، المدينة المكسيكية التي تفصلها عن الأراضي الأمريكية بضعة أمتار وجدارٌ شاهق، يقع مطعم هايتي صغير مُضاء بألوانٍ زاهية. تُديره Vivianne Petit Frere، التي أسمته Lakou Lakay وهو اسمٌ بالكريول الهايتي يعني «البيت» في إشارةٍ إلى الجذور التي باتت تضرب عميقاً في هذا البلد الذي لم تقصده أصلاً. فقبل عامين، وُلدت هنا حفيدتها، لتصبح تلقائياً مواطنةً مكسيكية بحكم القانون.
المكسيك، شأنها شأن الولايات المتحدة، تمنح الجنسية لكل مولودٍ على أراضيها بصرف النظر عن جنسية والديه.
غير أن الرئيس الأمريكي Donald Trump يُصرّ على أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعتمد هذا النهج، وذلك في سياق سعيه إلى إلغاء حق الجنسية بالولادة لأبناء المهاجرين غير النظاميين أو أصحاب الإقامة المؤقتة. وتتجهّز المحكمة العليا الأمريكية للبتّ قريباً في مدى دستورية مرسوم الجنسية بالولادة الذي وقّعه Trump في 20 يناير 2025، أي في اليوم الأول من ولايته الثانية، ضمن حملةٍ واسعة لتشديد قوانين الهجرة. وقد لقي المرسوم تشكيكاً من قضاةٍ محافظين وليبراليين على حدٍّ سواء.
في أبريل الماضي، كتب Trump على منصته Truth Social: «نحن الدولة الوحيدة في العالم الغبيّة بما يكفي للسماح بجنسية الولادة!»
لكن الواقع يقول غير ذلك؛ إذ تضمن نحو ثلاثة وثلاثين دولة في العالم معظمها في القارة الأمريكية الجنسية التلقائية لكل مولودٍ على أراضيها، من بينها كندا، الهندوراس، والبرازيل، والأرجنتين، وفنزويلا، والمكسيك بالطبع.
قصة المطعم والجذور الجديدة
فرّت Petit Frere من هايتي عام 2019، وشقّت طريقها عبر البرازيل، ثم اجتازت غابات بنما سيراً على الأقدام نحو ما كانت تظنّه «الحلم الأمريكي»، بنيّة العبور إلى الولايات المتحدة والالتحاق بأقاربها في فلوريدا. لكنها سرعان ما اكتشفت أن ذلك الحلم كان وهماً، فيما فتحت المكسيك أمامها أبوابها.
اسم المطعم يحمل في الثقافة الهايتية دلالةً خاصة؛ فـ Lakou Lakay يُشير إلى فضاءٍ مشتركٍ يمنح شعوراً بالانتماء. على جدرانه لافتاتٌ مؤطَّرة بالإسبانية والإنجليزية والكريول، تُعلن أنه أكثر من مجرد مطعم يقدّم أطباقاً هايتية تقليدية كالسمك مع الموز والأرز والفاصوليا.
تقول إحدى اللافتات: «كل طبقٍ يحكي قصة، وكل تفصيلٍ يربط الثقافات. نسعى إلى تبادلٍ ثقافي أصيل بين شعبين تجمعهما جذورٌ تاريخية مشتركة، بينما تتفتّح الهوية الهايتية بفخرٍ على الأرض المكسيكية».
في أقل من خمس سنوات، أسّست Petit Frere مشروعاً تجارياً ناجحاً في تيخوانا، وأتقنت اللغة الإسبانية، وباتت تدرس الخدمة الاجتماعية. والأهم أنها استقبلت أول فردٍ في عائلتها يحمل الجنسية المكسيكية: حفيدتها الصغيرة Alexca.
الجنسية بالولادة: تاريخٌ ضارب في القِدَم
في الولايات المتحدة، كُرِّس حق الجنسية بالولادة بعد الحرب الأهلية من خلال التعديل الرابع عشر للدستور، وكان الهدف منه جزئياً ضمان حصول العبيد المحرَّرين على حقوق المواطنة. ثم جاء توسيعٌ لهذا الحق في أواخر القرن التاسع عشر حين قضت المحكمة العليا بأن كل مولودٍ على الأراضي الأمريكية بصرف النظر عن وضع والديه القانوني يكتسب الجنسية تلقائياً.
ويرى كثيرٌ من المؤرّخين القانونيين أن هذا المبدأ يعود إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، حين شجّع الحكّام الأوروبيون الهجرةَ إلى المستعمرات الأمريكية الناشئة. وكان المستوطنون حينها حريصين على أن يحتفظ أبناؤهم المولودون في الخارج بجنسياتهم الأوروبية.
يقول César Cuauhtémoc García Hernández، أستاذ القانون في Ohio State University: «حتى مع تبدّل الحدود الاستعمارية، كنتَ مواطناً طالما وُلدتَ ضمن أراضي الملك. لكن الرابط القانوني بين الوطن الأوروبي والمستوطنين ظلّ متيناً من خلال وعد الجنسية بالولادة».
الجمهورية الدومينيكية: نموذجٌ تحذيري
في عام 2007، أصدر المجلس الانتخابي الدومينيكي قراراً رسمياً بحرمان أبناء غير النظاميين من الجنسية. وبعد ست سنوات، طبّقت إحدى المحاكم هذا القرار بأثرٍ رجعي يمتد إلى عام 1929.
النتيجة كانت كارثية؛ إذ لا يزال ما يصل إلى 130,000 شخص بلا جنسية حتى اليوم، وفق ما يُفيد مركز دراسات الهجرة في نيويورك، على الرغم من إقرار قانونٍ عام 2014 لتصحيح الوضع في أعقاب موجة إدانات دولية واسعة. وبات القانون يُلقي بظلاله على الجيل التالي، الذي يظل عرضةً للترحيل.
حفيدةٌ مكسيكية وأفقٌ أوسع
وُلدت Petit Frere في جزيرة Saint Martin الكاريبية الفرنسية، التي لا تمنح الجنسية بالولادة تلقائياً. وحين كانت في السادسة من عمرها، رُحِّلت هي و والدتها الهايتية إلى هايتي.
بعد سنواتٍ من رحلتها إلى تيخوانا، فوجئت حين وصلت ابنتها المراهقة لتلتحق بها، لتكتشف أنها حاملٌ في شهرها الخامس تقريباً. كانت Petit Frere قد مرّت بتجربة الأمومة المبكرة بنفسها، وكانت تتمنى مساراً مختلفاً لابنتها. لكن Alexca، الطفلة المرحة التي تضحك وتركض في كل مكان، سرقت قلب جدّتها.
تقول Petit Frere إنها ممتنّة لأن حفيدتها وُلدت في المكسيك لا في هايتي، حيث تُهجّر عصاباتٌ مسلّحة أكثر من واحدٍ من كل عشرة أشخاص. وتُضيف أن جواز السفر المكسيكي سيُيسّر السفر لـ Alexca، إذ تفرض معظم دول العالم تأشيرةً على حاملي جوازات السفر الهايتية.
«بوصفها مواطنةً مكسيكية، ستحظى بفرصٍ أكبر»، تقول Petit Frere.
وينطبق الأمر ذاته على ثلاث بنات أخت لها وُلدن في البرازيل واكتسبن جنسيّتها تلقائياً.
وتوضح Petit Frere أنها هي وابنتها كانتا تحملان إقامةً دائمة في المكسيك قبل ولادة Alexca، لكن كثيراً من الآباء في المجتمع الهايتي بتيخوانا لم يكونوا كذلك. والمكسيك تُتيح لوالدَي الطفل الحاصل على الجنسية بالولادة الحصولَ على إقامةٍ دائمة.
«ثمة كثيرٌ من الأطفال في تيخوانا أعمارهم ست أو سبع أو ثماني سنوات الآن، وهم مكسيكيون، وكان آباؤهم الهايتيون بلا وضعٍ قانوني، لكنهم باتوا يحملون إقامةً دائمة لأن أبناءهم وُلدوا هنا»، تقول.
وتُشير إلى أنها بدأت إجراءات الحصول على الجنسية المكسيكية، ما سيُسهّل توسيع نشاطها التجاري. كما تعمل ناشطةً مجتمعية مع Haitian Bridge Alliance للدفاع عن حقوق المهاجرين الهايتيين، وتطمح إلى الحصول على درجةٍ علمية في الهجرة الدولية، ربما من إحدى الجامعات الأمريكية.
وتختم بثقة: «أبناء المهاجرين يُثبتون أنهم الأكثر تميّزاً في العالم. ومساعي تقييد الجنسية بالولادة قد لا تكون إلا ضرباً من الغيرة».
أخبار ذات صلة

الملياردير مالك سوق كامدن يمول برامج الجيش الإسرائيلي

إردوغان يشيد بحياد الأكراد العراقيين في الصراع الإيراني

علي بابا تقاضي وزارة الدفاع الأمريكية لإلغاء تصنيفها "شركة عسكرية صينية"
