تنظيم الذكاء الاصطناعي يشتعل في الولايات الأمريكية
تسارع الولايات الأمريكية في تنظيم الذكاء الاصطناعي رغم تحذيرات ترامب، حيث تتجه نحو قوانين تحمي الأطفال وتضمن المساءلة للمطورين. تعرف على كيف تتفاعل الولايات مع تحديات الذكاء الاصطناعي بعيداً عن القيود الفيدرالية.


في غضون ستة أشهر من تحذير الرئيس Donald Trump للولايات من تنظيم الذكاء الاصطناعي، باتت هذه الولايات تفعل ذلك بصورة متصاعدة.
فبينما يراوح الكونغرس في مكانه دون أن يُفرز تشريعاً فيدرالياً لتنظيم الذكاء الاصطناعي، تمضي الولايات قُدُماً في سنّ قوانين تتناول كيفية تفاعل روبوتات المحادثة (Chatbots) مع الأطفال، وآليات توظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل، والتزامات المطوّرين في الحدّ من مخاطر الكوارث التي قد تُسبّبها هذه الأنظمة.
وكانت المجالس التشريعية للولايات قد تراجعت في مرحلة سابقة عن محاولات تنظيمية أوسع نطاقاً، بعد أن أسقطها الحكّام بحقّ النقض (الفيتو) أو عرقلوها بحجّة أنّها تُثقل كاهل قطاع الذكاء الاصطناعي، ومن بينها مساعٍ لمحاسبة المطوّرين على التحيّز المضمَّن في أنظمتهم. غير أنّ هذه المجالس عادت اليوم بتشريعات أكثر تحديداً، تستهدف في الغالب مناطق الحياة اليومية التي يتفاعل فيها الأمريكيون مع الذكاء الاصطناعي دون أن يدركوا ذلك في أحيان كثيرة.
السلطة الرئاسية في مواجهة صلاحيات الولايات
أثار قرار Trump لجم صلاحيات الولايات في تنظيم الذكاء الاصطناعي موجة انتقادات من الحزبَين الجمهوري والديمقراطي على حدٍّ سواء، فضلاً عن منظمات الحريات المدنية وحماية المستهلك، التي رأت في حظر التشريعات المحلية هديةً مجّانية لعمالقة هذا القطاع الذين يعملون في غياب شبه تامّ للرقابة.
وقد جعل Trump من الذكاء الاصطناعي أولويةً قصوى على الصعيدَين الأمني القومي والاقتصادي، مُحتجّاً بأنّ السماح للولايات بتشتيت المشهد التنظيمي أمام صناعة تضخّ تريليونات الدولارات وتقود عجلة الاقتصاد ينطوي على مخاطرة جسيمة في سباق التفوّق التكنولوجي مع الصين.
وأصدر Trump مرسوماً تنفيذياً يُوجّه فيه المدّعي العام بتشكيل فريق عمل لمواجهة قوانين الولايات التي تتجاوز حدّ "الأعباء الدنيا"، كما كلّف وزارة التجارة بإعداد قائمة باللوائح الإشكالية، وهدّد بتقليص التمويل المخصّص لبرامج نشر شبكة الإنترنت عريض النطاق وغيرها من برامج المنح في الولايات التي تسنّ قوانين للذكاء الاصطناعي.
و أوضح البيت الأبيض أنّ المرسوم لن يطال القوانين الرامية إلى منع الاحتيال وحماية المستهلكين والأطفال.
وفي غضون ذلك، أصدرت إدارة Trump "إطاراً للسياسة الوطنية" حثّت فيه الكونغرس على تغليب التشريع الفيدرالي على قوانين الولايات التي تخرج عن توجّهاتها التنظيمية، وعلى سنّ تشريعات لحماية الأطفال وحقوق الملكية الفكرية وحرية التعبير. وفي الأيام الأخيرة، قوبل مقترح ثنائي الحزبية في مجلس النواب بانتقادات حادّة من ديمقراطيين وجمهوريين بارزين.
ولم يُبدِ البيت الأبيض حتى الآن أيّ مؤشّر على أنّه ترجم تهديداته إلى واقع، سواء بمقاضاة ولاية على قانون خاص بالذكاء الاصطناعي أو بحجب تمويل عنها. وفي بيان رسمي، أكّد أنّ إدارة Trump "حريصة على التعاون مع الشركاء" لإرساء إطارها السياسي.
الولايات تمضي في مسارها بعيداً عن قيود Trump
لم يبدُ أنّ المرسوم التنفيذي أثنى الولايات عن المضيّ في تنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي. فقد ارتفع عدد مشاريع القوانين المُقدَّمة هذا العام مقارنةً بالعام الماضي، بما فيها مشاريع مقدَّمة من جمهوريين، وفق ما أفادت Justine Gluck، مديرة السياسات في منتدى Future of Privacy Forum، وهو منظمة غير ربحية تدافع عن خصوصية البيانات في قطاع التكنولوجيا وتضمّ في صفوفها ممثّلين من الصناعة والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني.
ففي Illinois، يجلس على مكتب الحاكم الديمقراطي JB Pritzker مشروع قانون يُوسّع على عناصر من قوانين سنّتها كلٌّ من California وNew York العام الماضي، وتُلزم مطوّري نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدّمة الكبرى بوضع بروتوكولات لمنع أنظمتهم من التسبّب في كوارث كالهجمات البيولوجية أو انقطاع الكهرباء أو الاختراقات الإلكترونية الواسعة النطاق.
وأضافت Illinois اشتراطاً يُلزم مطوّري الذكاء الاصطناعي بتعيين مدقّق مستقل للتحقّق من مدى التزامهم بسياساتهم الخاصة، وهو ما يراه المحلّلون خطوةً نحو تعزيز المساءلة (Accountability) لدى المطوّرين تجاه منتجاتهم.
وقد رفضت راعية مشروع القانون، عضوة مجلس الشيوخ الديمقراطية Mary Edly-Allen، تهديدات Trump بنبرة لا تخلو من حزم: "لا أعلم إن كنتم تعرفون Illinois، لكنّنا ولاية مستقلّة جداً".
وقد حظي مشروع القانون بدعم شبه إجماعي، في إشارة إلى استعداد أعضاء من حزب Trump للتعاون مع الديمقراطيين لسدّ الفراغ التنظيمي الذي خلّفه الغياب الفيدرالي. ومن المتوقّع أن تمتدّ هذه التشريعات إلى ولايات أخرى.
تنظيم روبوتات المحادثة، لا سيّما في ما يخصّ الأطفال
يتصاعد عدد الولايات التي تفرض قيوداً على كيفية تفاعل روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مع المستخدمين، وخاصةً الأطفال. وقد سنّت هذا العام ولاياتٌ تتوزّع بين الحزبَين قوانين من هذا القبيل، من بينها Colorado وConnecticut وIdaho وIowa وNebraska وOregon.
وتسعى هذه الولايات في معظمها إلى إلزام الشركات بالإفصاح للمستخدمين عن كونهم يتفاعلون مع نظام ذكاء اصطناعي لا مع إنسان، مع تقييد تفاعل روبوتات المحادثة مع القاصرين، وإتاحة أدوات رقابية للوالدَين، وضمان سرية البيانات المُشاركة مع هذه الروبوتات.
وفي الأسابيع الأخيرة، أقرّت Connecticut أحكاماً تنظيمية لروبوتات المحادثة المرافِقة (Companion Chatbots) التي تُقيم علاقة مستمرّة مع المستخدم، تقضي بحظر تفاعلها مع من هم دون 18 عاماً، ما لم تكن مبرمجة لمنع تشجيع السلوكيات المدمِّرة للذات، مع توفير أدوات لأولياء الأمور لإدارة استخدام أبنائهم.
الشفافية في الذكاء الاصطناعي واتّخاذ القرارات
أصدرت Colorado في مايو قانوناً يُلزم الشركات التي تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي في مجالات حسّاسة كالتوظيف والتعليم والإسكان والخدمات المصرفية بإخطار الأفراد حين تُستخدم هذه الأنظمة للتأثير في قرار يخصّهم.
وجاء هذا القانون استجابةً لما يرصده الباحثون من تحيّز بنيوي في أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تُحلّل بيانات المستهلكين وتُصدر قرارات مصيرية تتعلّق بالتوظيف والقروض العقارية والرعاية الصحية. غير أنّه جاء أخفّ وطأةً من قانون 2024 الذي كان يستهدف التصدّي لنزعة التمييز في هذه الأنظمة، إثر ضغوط مارسها الحاكم الديمقراطي Jared Polis.
وفي Connecticut، ألزم المشرّعون أصحاب العمل الذين يستخدمون أنظمة ذكاء اصطناعي في قرارات التوظيف بإبلاغ الموظّفين أو المتقدّمين للوظائف بأنّهم يتعاملون مع نظام آلي.
كما اشترطت كلٌّ من Connecticut وWashington وUtah على مطوّري الذكاء الاصطناعي تضمين بيانات وصفية (Metadata) في المحتوى الرقمي تُمكّن المستخدمين من تحديد ما إذا كانت الصور أو مقاطع الفيديو قد أُنشئت أو عُدِّلت بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وثمّة مزيد من القوانين قيد الدراسة. ففي California، يتقدّم المشرّعون بمشروع قانون يحمل اسم "No Robo Bosses Act of 2026" يحظر على أصحاب العمل الاعتماد الكلّي على الذكاء الاصطناعي في قرارات الفصل أو التأديب، إلى جانب توسيع نطاق تنظيم روبوتات المحادثة، بما يشمل حظر توظيف مخرجاتها الموجّهة للأطفال في أغراض إعلانية.
بعض الولايات ذات الأغلبية الجمهورية تتريّث
في Florida، رفض مجلس النواب الولائي تمرير ما أسماه الحاكم الجمهوري Ron DeSantis "وثيقة حقوق الذكاء الاصطناعي"، وهي مشروع قانون يتضمّن أحكاماً تمنح الوالدَين سيطرةً على وصول أبنائهم إلى روبوتات المحادثة المرافِقة، ويُلزم الشركات بالإفصاح للمستخدمين عن تعاملهم مع أنظمة آلية.
وأعلن رئيس مجلس النواب في Florida، Daniel Perez، أنّ Trump أوضح أنّ تنظيم الذكاء الاصطناعي من اختصاص الحكومة الفيدرالية، وهو ما ردّ عليه DeSantis بالقول إنّ الحكومة الفيدرالية لا تتحرّك أصلاً.
وفي Utah، توقّف مشروع قانون مستوحى من تشريعات New York وCalifornia بعد أن أرسل البيت الأبيض إلى المشرّعين هناك مذكّرة من جملة واحدة أعلن فيها معارضته "القاطعة" للمشروع.
أخبار ذات صلة

غارة إسرائيلية على بيروت تسفر عن استشهاد ثلاثة أشخاص

إشعار قانوني لمعبد يهودي بلندن يستضيف معرضاً عقارياً إسرائيلياً

ترامب و ماكرون يلتقيان على العشاء في قصر فرساي عقب قمة مجموعة السبع
