خطر الهباء الجوي من دورات المياه على صحتك
كل مرة تسحب السيفون تطلق جزيئات دقيقة تحمل بكتيريا وفيروسات تصل لمنطقة تنفسك قد تسبب عدوى خاصة في المستشفيات. إغلاق الغطاء والتنظيف المنتظم يقللان الخطر لكن الهباء لا يختفي تماماً. اكتشف كيف تحمي نفسك مع وورلد برس عربي.

في كلّ مرة تضغط فيها على زرّ السيفون، تُطلق في الهواء سحابةً غير مرئية من الجسيمات الدقيقة قد تصل إلى منطقة تنفّسك قبل أن تُدرك ما جرى. هذا ليس تهويلاً، بل خلاصة مراجعة علمية منهجية نُشرت عام 2026 في مجلة Science of the Total Environment، حلّل فيها باحثون من Flinders University الأسترالية 22 دراسةً حول الهباء الجوي الناتج عن دورات المياه، وخرجوا بنتائج تستحقّ أن يعرفها كلّ من يهتمّ بالصحة العامة والسيطرة على العدوى.
ماذا يحدث في الثوانٍ العشرين التي تلي السحب؟
تُولّد عملية السحب اضطراباً مائياً عنيفاً داخل وعاء المرحاض، ينتج عنه عمودٌ من الهباء الجوي يرتفع نحو الأعلى ويستمرّ قرابة 20 ثانية. وما يحمله هذا العمود ليس مجرّد بخار ماء، بل قد يشمل بكتيريا وفيروسات وجسيمات بيولوجية دقيقة قادرة على البقاء في الهواء. وقد رصدت بعض الدراسات المُدرجة في المراجعة هذه الجسيمات على ارتفاع يوازي منطقة تنفّس الشخص البالغ الواقف بجوار المرحاض.
تقول Lira Adiyani، الباحثة الرئيسية في الدراسة من Flinders University: "تُولّد عملية السحب اضطراباً يمكنه تحرير الهباء الجوي في الهواء المحيط"، مضيفةً أنّ "بعض الدراسات رصدت هذا الهباء على ارتفاع منطقة تنفّس الشخص البالغ، ما يُشير إلى مسارٍ محتمل للتعرّض عبر الاستنشاق".
وفيما يخصّ مصدر هذه الجسيمات الميكروبية، توضح Adiyani أنّها "قد تنشأ من تلوّث وعاء المرحاض أثناء الاستخدام، أو من مياه السحب ذاتها". وهذا يعني أنّ المرحاض النظيف ظاهرياً ليس بالضرورة خالياً من الأحياء الدقيقة القابلة للانتشار.
ما الذي يزيد من الخطر؟ وما الذي يُخفّفه؟
لا تتساوى جميع دورات المياه في درجة المخاطرة؛ فحجم مياه السحب وتصميم المرحاض وكثافة الأحياء الدقيقة فيه كلّها عوامل تؤثّر في كمّية الهباء المُنبعث. وتُفصّل Adiyani هذه العلاقة بقولها: "كلّما زاد عدد الميكروبات في المرحاض، زادت كمّية الهباء الجوي البيولوجي المُحتمل انطلاقها. لذا فإنّ حجوم السحب الأكبر تُنتج بوجهٍ عام مزيداً من الهباء". وقد لجأت بعض الدراسات المُحلَّلة إلى تلقيح مياه المرحاض بميكروبات أو جسيمات فلورية لقياس انتشار الهباء بدقّة أكبر.
أمّا على صعيد التخفيف، فتُشير المراجعة إلى أنّ إغلاق غطاء المرحاض قبل السحب يُعيد توجيه جزء من الهباء، لكنّه لا يمنع انبعاثه كلياً. وتُوصي Adiyani بذلك صراحةً: "بناءً على الأدلّة المتاحة، أوصي بإغلاق غطاء المرحاض قبل السحب، حيثما كان الغطاء متاحاً، كإجراءٍ احترازي للحدّ من التعرّض المحتمل عبر الاستنشاق مع الإقرار بأنّ ذلك لا يمنع الهباء من الانبعاث كلياً". كذلك تُشير المراجعة إلى أنّ مستويات الهباء تكون في الغالب أعلى بالقرب من مقعد المرحاض، وأنّ التنظيف المنتظم يُقلّل من نموّ الأحياء الدقيقة ومن انتشار الهباء البيولوجي. أمّا تأثير التهوية فقد جاء غير حاسم في الأدلّة المتاحة، وإن ظلّت التهوية الجيدة موصىً بها.
المستشفيات: حيث تتضاعف المخاطر
إذا كانت هذه المخاوف مهمّةً في المنازل العادية، فهي تكتسب ثقلاً مضاعفاً في البيئات الصحية. المرضى في المستشفيات ولا سيّما أصحاب المناعة الضعيفة أو الذين يخضعون لعمليات جراحية أكثر عرضةً للإصابة بالعدوى جرّاء الجسيمات الميكروبية المحمولة جواً. وتُنبّه Harriet Whiley، عالمة الأحياء الدقيقة البيئية والمشاركة في التأليف من Flinders University، إلى أنّ "مزيداً من البحث ضروريٌّ لتطوير تدخّلات هندسية وتصميمية تُقلّل من الهباء الجوي الناتج عن دورات المياه، لا سيّما في البيئات عالية الخطورة كالمستشفيات".
وتجدر الإشارة إلى أنّ المراجعة رغم شموليّتها لـ22 دراسة خلصت إلى أنّ الأدلّة لا تزال متشعّبة ومتفاوتة بشكل كبير، نظراً لاختلاف المنهجيات المستخدمة بين الدراسات. وهذا يعني أنّنا أمام صورة علمية في طور التشكّل، لا أمام إجماعٍ راسخ يُحدّد بدقّة نسب الخطر في سياقات بعينها.
من منظور الصحة العامة، تطرح هذه المراجعة تساؤلات جدّية حول معايير تصميم دورات المياه في المرافق الصحية العامة، وحول بروتوكولات النظافة في المستشفيات التي تُولي عادةً اهتماماً أكبر للأسطح من الهواء. مع تنامي الاهتمام العالمي بالعدوى المنقولة جواً في أعقاب جائحة COVID-19، قد تجد هذه النتائج طريقها إلى مراجعة المبادئ التوجيهية الخاصة بالصرف الصحي في البيئات الحرجة وهو ما يبقى رهيناً بالبحث الذي تُطالب به Whiley.
أخبار ذات صلة

تجربة علمية حول تجارب الخروج من الجسد: شاهد اثنان ظواهر حيّرت الباحثين

شهب البرشاويات تلتقي بمسارات النجوم الساحرة فوق صحراء مصر الغربية

كوكب الزهرة أشدّ حرارةً من عطارد رغم قربه الأقلّ من الشمس
