وورلد برس عربي logo

أثر الحصار على الذاكرة والوجود في المنفى

تتحدث هذه المقالة عن تأثير التجارب القاسية على الأفراد، من تخزين الطعام في زمن المجاعة إلى القلق من الكهرباء في المنفى. تعكس المشاعر المتبقية من غزّة كيف تشكل الحروب هوياتنا وتؤثر على حياتنا اليومية.

مشهد يعكس حياة الناس في غزة، حيث يظهر رجل وامرأة يتحدثان وسط مجموعة من الأشخاص، مع وجود عناصر أمنية في الخلفية.
يتجمع الفلسطينيون عند معبر رفح مع reopening المعبر للمرة الأولى منذ بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، في خان يونس، في 19 مارس 2026 (بشار طالب/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

التجارب القاسية التي يمرّ بها الأفراد والجماعات تترك أثراً في اللاوعي قد يمتدّ عبر الأجيال.

قال أحد الناجين من الإبادة الجماعية في غزة: أخبرتني امرأةٌ هولندية أنّ والدتها العجوز لا تزال تخزّن كميّاتٍ كبيرة من الطعام، لأنّها عاشت المجاعة إبّان الحرب العالمية الثانية في شتاء عام 1944.

وأضاف قائلًا :جسدي غادر غزّة منذ تسعة أشهر، وهو وقتٌ كافٍ من الناحية النظرية لتوُلد مشاعر جديدة. غير أنّني أحياناً أراقب مشاعري فأجد أنّ أثر العيش في خضمّ إبادةٍ جماعية لمدّة عامين وقبلها سنواتٌ طويلة من الحصار والاحتلال لا يزال حيّاً في داخلي.

منذ أيّامي الأولى في المنفى الآمن، شعرتُ بقلقٍ خفيّ من حقيقة أنّ الكهرباء متاحةٌ على مدار الساعة، وأنّني أستطيع في أيّ لحظة توصيل شاحن. وإن كنتُ في قطارٍ أو في سفر، فلا إشكال: بإمكاني شحن هاتفي متى شئتُ وأينما أردتُ.

في مسكني الجديد، أملك الآن ثلاثة شواحن. أمّا في غزّة، فكان عدّة أشخاص يتشاركون شاحناً واحداً، إذ منعت إسرائيل دخول معظم البضائع بما فيها الهواتف وملحقاتها. كان أحدنا يحتفظ بشاحنه باعتباره سلعةً ثمينة تستوجب الحماية والحرص.

حين جاء وقت مغادرتي غزّة، شعرتُ أنّ أخذ الشاحن معي ضربٌ من الأنانية، لأنّني أستطيع الحصول على واحدٍ في الخارج بسهولة بينما يحتاجه أهل غزّة بإلحاح.

فأعطيتُ شاحني لأخي.

ورغم أنّ الكهرباء باتت متاحةً دائماً، إلّا أنّ ثمّة دافعاً قهريّاً يسكنني يدفعني إلى شحن هاتفي بالكامل حين تنخفض نسبته قليلاً. أشعر بارتياحٍ أكبر حين تكون البطّارية عند 100 بالمئة.

أرضُ الوفرة

شحن الهاتف في غزّة معركةٌ يومية مُضنية. قطعت إسرائيل الكهرباء بشكل كامل منذ أكثر من سنتين ونصف. المصدر الوحيد المتاح هو الألواح الشمسية القليلة، فيُرسل الناس هواتفهم إلى نقاط الشحن في الصباح ويستردّونها بعد ساعاتٍ عدّة.

إن نفدت البطّارية، وجب الانتظار حتى اليوم التالي لإعادة الشحن؛ وإن اختبأت الشمس خلف الغيوم في الشتاء، فقد يمتدّ الانتظار يوماً أو يومين إضافيّين حتى تعود.

في أوروبا، دخلتُ مع صديقٍ إسباني إلى متجرٍ لشراء ماكينة حلاقة. كانت أمامنا خياراتٌ عدّة. أشرتُ إلى النموذج الذي يعمل بالبطّارية، فاقترح صديقي أنّ الذي يعمل بالكهرباء مباشرةً أجود نوعيّةً.

في غزّة، من أبرز معايير الجودة التي نبحث عنها في أيّ جهازٍ كهربائي أن تكون له بطّاريةٌ موثوقة تتيح استخدامه لفتراتٍ أطول دون الحاجة إلى التوصيل بالتيّار.

احتجتُ للحظةٍ لأقنع نفسي بأنّ الكهرباء هنا متاحةٌ دائماً قبل أن أقبل اقتراح صديقي.

فرضت إسرائيل لأشهرٍ طويلة التجويع على أهل غزّة. كنّا نكافح يومياً لتأمين رغيف خبزٍ واحد أو علبة بسكويت.

وفي المرّات النادرة التي تدخل فيها كمّياتٌ أفضل نسبيّاً من البضائع، كان من يملك المال يُسارع إلى شراء كمّياتٍ إضافية للتخزين، لأنّ هذا الرخاء مؤقّتٌ وتخزين الطعام ضرورةٌ للأمن الغذائي.

بعد وصولي إلى أرض الوفرة، بقي شيءٌ من ذلك الأثر حيّاً في البداية الأثر ذاته الذي حدّثتني عنه المرأة الهولندية بشأن تجربة والدتها مع المجاعة في الحرب العالمية الثانية. وجدتُ نفسي أشتري طعاماً إضافيّاً دون أن أدري.

بعد أسابيع عدّة، بدأتُ أتعافى من هذا الأثر وصرتُ أشتري ما يكفي ليومين أو ثلاثة فحسب. غير أنّ حساسيّتي تجاه إهدار الطعام بقيت، وهو شعورٌ أراه إيجابيّاً و أودّ الحفاظ عليه.

قرأتُ ذات مرّة أنّ مئات الآلاف من أطنان الخبز تُرمى في القمامة. هذا يعكس غياباً عميقاً للمسؤولية الأخلاقية. ما يُهدر في مكانٍ ما هو مسألة بقاءٍ لناسٍ في مكانٍ آخر.

مرّةً، أبقيتُ طبقاً من الأرزّ في الثلّاجة لأيّامٍ عدّة لأنّني شعرتُ بضيقٍ أخلاقي من رميه، لا سيّما مع استحضار ذكرى الحاجة الماسّة للطعام عند أهل غزّة.

في نهاية المطاف، زارني صديقٌ سوري وأراحني من ذلك الضيق، إذ أخبرني أنّه سيأخذ الطبق لإطعام الحيوانات والطيور.

سماواتٌ للحياة وأخرى للموت

سماء غزّة محظورةٌ على الطائرات المدنية، لكنّها مفتوحةٌ على مدار الساعة للطائرات الحربية الإسرائيلية.

معظم الأجيال الجديدة في غزّة لم تر طائرةً مدنيّةً واحدة في حياتها.

مئات الآلاف من الشُّهداء والمصابين في غزّة ارتقوا وأصيبوا في معظمهم جرّاء قنابل أُلقيت من الجوّ.

في الليالي الأولى بعد نجاتي من الإبادة، نمتُ بهدوءٍ للمرّة الأولى منذ عامين: السماء خاليةٌ من طنين الطائرات المسيّرة و F-16 و Apache التي كانت تُنغّص راحتنا.

لكنّ السماء في البلد الآمن ليست هادئةً تماماً. تجوب الطائرات الفضاء فور إقلاعها أو قُبيل هبوطها في المطار القريب منّي بضعة كيلومترات. لا أستطيع مقاومة رفع نظري نحو السماء حين أسمع طائرةً، بينما يمشي من حولي الناس غير مبالين.

أشعر بقلقٍ لا إرادي. أحياناً أُغلق النافذة لأحمي أذنيّ من الضجيج. أُجري حواراً داخليّاً مع نفسي: لو أنّ أمامي خياراتٌ عدّة لمكان الإقامة، لاخترتُ مكاناً بعيداً عن مسارات الطيران.

أنا كبيرٌ بما يكفي لأعلم أنّ ليس كلّ الطائرات تُلقي القنابل وتزرع الموت، وأنّ بعضها يحمل الحياة والحركة. لكنّ الفرار من ثقل ماضٍ ربط فيه صوت الطائرة بالموت دائماً ليس بالأمر الهيّن.

أخيراً، حصلتُ على الأوراق الكافية للسفر للقاء ابني ذي الاثني عشر عاماً، الذي يعيش منذ أكثر من عامين في بلدٍ آخر مع جدّته، بعيداً عن والديه وشقيقيه الجريحين.

فرضت ظروف الإبادة فراقاً قسريّاً على عائلتنا كما فرضته على آلاف العائلات الفلسطينية في غزّة.

حجزتُ رحلةً جوّية. ومع ذلك، القلقُ حاضر.

بعضُ من عاشوا حياتهم كلّها في بلدانٍ آمنة ومستقرّة يسألونني: «متى ستسافر؟» فأجيبهم بشيءٍ من الانزعاج والتردّد.

من أين يأتي هذا القلق؟ ولماذا أتردّد قبل الإجابة عن سؤالٍ يُطرح بهذه العفوية؟

السفر في البلدان المستقرّة يكاد يكون أمراً مضموناً؛ كلّ شيءٍ يسير وفق الخطّة في العادة. يشعر الناس هنا بالراحة حين يخطّطون لليوم والساعة المحدّدين للسفر قبل أشهر، ويرتّبون المواعيد والاجتماعات بناءً على ذلك.

فمثلاً، إن وصلت رحلتهم الساعة السادسة مساءً، يستطيعون تحديد موعدٍ في وجهتهم الساعة السابعة. لديهم حرّية السفر دون عوائق، ومن ثمّ يشعرون بأنّهم يتحكّمون في وقتهم ونشاطاتهم، مع مفاجآتٍ قليلة.

فكيف هو الحال مع تجربة السفر من غزّة؟

عالمٌ من الضبابية

في السنتين ونصف الأخيرتين، منذ بدء الإبادة، أصبح السفر شبه مستحيل إلّا في ظروفٍ استثنائية كمغادرتي. لكن حتى قبل الإبادة، كان السفر أمراً معقّداً.

استمرّت محاولاتي للسفر خمس سنواتٍ دون جدوى، بين عامَي 2013 و2018، حين كان معبر رفح النافذة الوحيدة التي تربط غزّة بالعالم مغلقاً ولا يفتح إلّا نحو ثلاثة أيّامٍ كلّ شهرين.

في تلك الأيّام، لم يكن يغادر سوى بضع مئاتٍ من الأشخاص، بينما كان عشرات الآلاف ينتظرون في قوائم الانتظار. حاولتُ بكلّ الطرق السفر مرّاتٍ عديدة، لكنّ تلك المحاولات لم تُكلَّل بالنجاح إلّا في نهاية عام 2018.

وحتى حين تجد اسمك أخيراً في قائمة المسافرين، لا يمنحك ذلك أيّ إحساسٍ باليقين. كنّا مضطرّين لتحمّل أيّامٍ طويلة من القلق والترقّب في انتظار يوم السفر. وبطبيعة الحال، لا يمكن قطع أيّ التزاماتٍ أو تحديد مواعيد ثابتة، ما دمتَ لا تملك السيطرة على وقتك وقراراتك.

لهذا السبب، خسر آلاف الطلّاب دراستهم، وفوّت الأكاديميون فرص المشاركة في المؤتمرات، وفقد المقيمون في بلدانٍ مختلفة إقاماتهم، و ارتقى مئاتٌ من المرضى جرّاء القيود المفروضة على السفر.

وحتى إن تمكّن شخصٌ من تجاوز كلّ هذه التعقيدات والوصول إلى معبر رفح، فقد يُردّ من قِبل ضابطٍ مصري دون أيّ سببٍ يُذكر.

بسبب هذه الظروف المركّبة، ينتمي السفر من غزّة إلى عالمٍ من الضبابية والشكّ والقلق. المسافر ليس حرّاً حقّاً؛ حرّيته مشروطةٌ بقرارٍ خارجيٍّ لا يمكن التنبّؤ به.

كيف يمكن لشخصٍ نشأ في بيئةٍ مليئة بهذه التعقيدات أن يصدّق أخيراً أنّ السفر ممكن، وأنّ بإمكانه أن يقرّر متى يشاء ثمّ ينفّذ قراره دون عوائق؟

ثمّة مثلٌ عربي يقول: «من خاف شيئاً رآه في كلّ مكان».

لا أقصد من مشاركة هذه المشاعر استدرار التعاطف. تجربتي الشخصية تبقى متواضعةً أمام ألم من لا يزالون محاصرين في واقع الموت واليأس داخل غزّة، دون أيّ نافذةٍ للأمل بقربٍ نهاية المأساة.

أنا محظوظٌ شخصيّاً لأنّني نجوتُ ولأنّني أراقب مشاعري وأحلّلها وأعبّر عنها، ممّا يساعدني على تجاوزها والتعافي. لكن ماذا عن أولئك الذين يعيشون تجارب أشدّ قسوةً تشكّل سلوكهم وتنحت عميقاً في لاوعيهم دون أن يدركوا ذلك؟

ماذا عن مئات الآلاف من الأطفال في غزّة الذين جُرّدوا من كلّ حقوقهم الإنسانية ويعيشون في ظروفٍ لا تُوصف من الرعب والفقد والحزن والجوع وانعدام البيت والاستقرار؟

وحشية الاحتلال ليست فقط في العناوين التي تتناقلها وسائل الإعلام، بل في الملايين من التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد.

كلٌّ من هذه التفاصيل سببٌ إضافي للغضب من الاحتلال، وللوقوف موقفاً أخلاقيّاً يرفض الانتهاكات التي تُرتكب بحقّ البشر التحكّم في حياتهم، ومصادرة حرّيتهم وكرامتهم، وحرمانهم من الأمان.

أخبار ذات صلة

Loading...
طبيب يرتدي نظارات وقميصًا أبيض، يقف في ممر مستشفى، يعكس جهود مكافحة تفشي فيروس الإيبولا في الكونغو.

حالات الإيبولا في شرق الكونغو تتجاوز 782 والوفيات تبلغ 181

تتصاعد أزمة الإيبولا في الكونغو، حيث ارتفع عدد الحالات المؤكّدة إلى 782، مع 181 وفاة. فيروس بونديبوغيو النادر يواصل انتشاره في إقليم إيتوري، مما يُعقّد جهود السيطرة. تابعوا تفاصيل هذه الكارثة الصحية وكيف تؤثر على السكان.
Loading...
طفل يلعب بين أنقاض المباني المدمرة في غزة، حيث تكشف الصورة عن آثار الحرب والدمار الكبير الذي خلفته.

آلاف الفلسطينيين تحت الأنقاض في غزة قد لا يُعرّفون أبداً، تحذّر الصليب الأحمر

تحت أنقاض غزة، يتوارى مصير آلاف الشهداء الذين قد لا تُعرف هويتهم أبداً، مما يثير قلق المنظمات الدولية. تابعوا القصة المأساوية التي تكشف عن تحديات الانتشال وأثر الزمن على الهوية.
Loading...
صورة لطالبة اللجوء الهايتية Daphy Michel، التي توفيت في ظروف مأساوية بعد الإفراج عنها من الاحتجاز، محاطة بالنباتات.

وفاة امرأة من الإنهاك و البرد في بيتسبرغ بعد إطلاق سراحها من احتجاز الهجرة: جريمة قتل

في قصة إنسانية مؤلمة، تُصنَّف وفاة طالبة اللجوء الهايتية Daphy Michel كقتل عمد، مما يثير تساؤلات حول مسؤولية دائرة الهجرة. اكتشف المزيد عن هذه القضية وما ينتظر عائلتها من خطوات قانونية.
Loading...
منطقة عشوائية في جوهانسبرغ تظهر آثار العنف، مع أشجار جافة ومساكن متداعية، تعكس أزمة الأمن والجريمة المنظمة في الأحياء الفقيرة.

جرائم القتل الجماعي في أفقر مناطق جنوب أفريقيا: فشل أمني وجريمة منظمة

في جوهانسبرغ، تتجلى مأساة جديدة مع حادث إطلاق نار أودى بحياة 12 شخصاً، مما يكشف عن أزمة أمنية عميقة. تعرّف على تفاصيل هذه الجريمة المنظمة وتأثيرها على المجتمع. تابع القراءة لتكتشف المزيد عن هذه الظاهرة المقلقة.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية