الشباب النجمي يهيمن على إشعاع الكون المبكر
اكتشف كيف غيرت دراسة جديدة فهمنا لدور المستعرات العظمى في عصر إعادة التأين حيث تبين أن النجوم الفتية كانت السبب الرئيسي في تحرير الضوء المؤين بينما المستعرات تزيد الغبار والغاز المحايد الذي يحجب الإشعاع في المجرات الوليدة وورلد برس عربي

ربما لعبت المستعرات العظمى (السوبرنوفا) دوراً معاكساً لما ظنّه الفلكيون في تحرير الضوء من المجرّات الوليدة. فهي قد تفتح في البداية ممرّات تتسرّب منها الأشعة المؤيِّنة، لكنها تعود لاحقاً فتُكثّر الغبار والغاز المحايد اللذين يحجبانها. هذا ما تخلص إليه دراسة جديدة في مجلة «نيتشر أسترونومي» (Nature Astronomy)، وهي تضع محل شكٍّ افتراضاً تقوم عليه محاكاة كونية كثيرة، وتُشير إلى أن النجوم الفتيّة هي التي دفعت الإشعاع إلى الخارج قبل أن ينفجر عدد كبير من المستعرات.
ما «عصر إعادة التأين» ولماذا يهمّ؟
لتاريخ الكون أكثر من 13 مليار سنة. وبعد مرحلة إعادة الاتحاد (Recombination) دخل الكون العصور المظلمة، التي انتهت في عصر إعادة التأين (Epoch of Reionization، ويُختصر EoR). تُقدَّر نهاية تلك العصور بين نحو 150 ألف سنة ونحو مليار سنة بعد الانفجار العظيم. وخلال عصر إعادة التأين، أُعيد تأيين ذرات الهيدروجين المحايدة في الكون المبكر، فصار الضوء ينتقل بحرية عبر الفضاء. وتجد خلفية علمية عن إعادة الاتحاد الكوني في هذا الرابط.
يصف الدكتور كودي كار (Cody Carr)، المؤلف الرئيس للدراسة، هذه المرحلة بقوله: «نسمّي إعادة التأين آخر تحوّل طوري كبير في الكون». ويضيف: «في النهاية، حين أيّن الإشعاعُ معظمَ الهيدروجين الذي يملأ الفضاء بين المجرّات، كانت تلك نهاية إعادة التأين، ومن ثمّ نرى الكون كما هو اليوم».
يعود التفسير المعتاد لهذه العملية إلى الأشعة فوق البنفسجية الصادرة عن النجوم والمجرّات والكوازارات (النوى المجرية النشطة). ويُرجَّح أن المستعرات العظمى المبكرة أسهمت أيضاً، لكنّ حجم إسهامها ظلّ غامضاً. فهي أحداث شديدة الطاقة، غير أن ضوءها بصري في معظمه، وليس مؤيِّناً. وكان الكون المبكر يضمّ مجرّات تختلف عن المجرّات التي نعرفها اليوم، وفي طاقة تلك المجرّات المبكرة يكمن سبب أن الكون لم يعد معتماً.
ما الذي كان مطروحاً قبل الدراسة؟
يتناول البحث الأشعة المؤيِّنة المعروفة بمتصل لايمان (Lyman continuum، ويُختصر LyC)، وهي الفوتونات ذات الطول الموجي الأقل من 912 أنغستروم. وتشير الدراسة إلى أن وفرة المجرّات الساطعة بالأشعة فوق البنفسجية والمدمجة في تكوين النجوم تدلّ على أن النجوم الضخمة قادرة على إعادة التأين وحدها. وبحسب المؤلفين: «تشير وفرة المجرّات المدمجة المتوهّجة بالأشعة فوق البنفسجية وذات التكوّن النجمي في الكون المبكر إلى أن فوتونات عالية الطاقة (متصل لايمان؛ الطول الموجي أقل من 912 أنغستروم) صادرة عن نجوم ضخمة وحدها كان يمكن أن تعيد تأيين الوسط بين المجرّات».
لكنّ المؤلفين يستدركون: «غير أن كفاءة تسرّب فوتونات متصل لايمان من هذه المنظومات، والأدوار النسبية للإشعاع والرياح النجمية والمستعرات العظمى في ضبط ذلك التسرّب، لا تزال غير مؤكدة».
المجرّات تتألف من نجوم وغاز. وتفترض إحدى النظريات أن المستعرات العظمى ورياحها تشقّ قنوات منخفضة الكثافة عبر غاز المجرّة، فتنفذ الفوتونات المؤيِّنة إلى الوسط بين المجرّات (IGM) بدل أن يمتصّها الهيدروجين المحايد داخلها. واختبر الباحثون هذه الآلية المقترحة، آلية القنوات الغازية، في مقابل رصدات تلسكوب «هابل» (Hubble).
كيف اختُبرت الفرضية؟
الدراسة قائمة على الرصد. وتمثّل عيّنتها ست مجرّات محلية متشابهة، تكوّن النجوم فيها نشط، وتغطي أعماراً مختلفة من الاندفاع النجمي. وتصلح المجرّات المحلية المشابهة لمجرّات عصر إعادة التأين بديلاً عنها، لأن المجرّات المبكرة نفسها بعيدة عن الرصد التفصيلي. واعتمد الفريق أطيافاً متوسطة الدقة وقياسات لكسر تسرّب متصل لايمان.
يصف المؤلفون منهجهم بقولهم: «هنا، وباستخدام أطياف متوسطة الدقة لست مجرّات محلية متشابهة مكوِّنة للنجوم تغطي مدىً من أعمار الاندفاع النجمي، نتتبّع مباشرةً انطلاق رياح مجرّية متعددة الأطوار عبر خطوط طيفية منفردة، إلى جانب قياسات لكسر تسرّب متصل لايمان». والرياح متعددة الأطوار تحوي غازاً بدرجات حرارة وحالات تأيّن مختلفة في وقت واحد.
يشغل الدكتور كار حاليًا منصب باحث ما بعد الدكتوراه في قسم الفلك بجامعة ميشيغان، حيث يحمل زمالة بحثية مرتبطة بمشروع «التلسكوب الضخم جدًا» (Extremely Large Telescope) في الجامعة. غير أنه قاد الدراسة ونفّذها حين كان باحثاً بعد الدكتوراه في جامعة تشجيانغ (Zhejiang University) في الصين.
تسلسل جديد: الشباب أولاً ثم المستعرات
تفضي النتائج إلى تسلسل زمني مختلف. في البداية، تفتح الرياح الناتجة عن الإشعاع والرياح النجمية، وربما بمساعدة قلة من المستعرات المبكرة، مسارات للهروب. ثم يزداد عدد المستعرات، فتتحمّل الرياح كتلة محايدة إضافية وغباراً، فيتراجع التسرّب. وفي النهاية تكتم أعمدة الغاز والغبار الأكثف تسرّب متصل لايمان كلياً.
يصوغ المؤلفون المرحلة الأولى هكذا: «تدعم هذه النتائج مجتمعةً سيناريو تطرد فيه رياحٌ تملأ الحجم، تدفعها الأشعة والرياح النجمية وربما تساعدها قلّة من المستعرات العظمى المبكرة الصادرة عن أضخم النجوم، أولى المواد من الوسط بين النجمي (ISM) في الاندفاعات النجمية المدمجة». ويضيفون: «تفتح التغذية الراجعة المبكرة والتكتّل ممرّاتٍ منخفضة الكثافة قليلة الغبار والغاز المحايد، فتهيّئ ظروفاً مثالية لتسرّب متصل لايمان».
ثم يصفون المرحلة الثانية: «كلما وقعت مستعرات أكثر، دفعت كتلةً محايدة إضافية إلى التدفق الخارجي. وهذه المستعرات على الأرجح تدمّر السحب الكثيفة وتشقّ قنوات أدنى، لكن تحميل الكتلة المصاحب وتكوّن الغبار وازدياد ملء الرياح للحجم جانبياً تخفّض كسور تسرّب لايمان في المتوسط».
ويلخّص ستيفان ماكاندليس (Stephan McCandliss)، المؤلف المشارك الأقدم ومدير مركز العلوم الفيزيائية الفلكية (Center for Astrophysical Sciences) في جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins University)، الأثر بقوله: «يبدو أن طاقة المستعرات العظمى حرّكت المحيط وزادت، بدلاً من أن تُنقص، مساحة الغاز المحايد والغبار التي تكبح تسرّب الإشعاع المؤيِّن». أما كار فيقول: «في الأساس، الطريقة التي كانت تسرّب بها هذه المجرّات الإشعاع المؤيِّن ليست ما كنا نظنه».
ماذا يعني ذلك للمحاكاة الكونية؟
لا تقتصر دلالة الدراسة على سؤال فلكي ضيّق. فالنتائج تدعم فكرة أن النجوم الفتيّة دفعت الإشعاع المؤيِّن إلى الخارج قبل أن ينفجر كثير من المستعرات، وتُضعف في المقابل القول بأن المستعرات كانت مساهماً مهماً في عصر إعادة التأين.
وهنا يصطدم ذلك بالمحاكاة. يقول رينيو سن (Renyue Cen)، المؤلف المشارك الأقدم والأستاذ ومدير مركز علم الكونيات والفيزياء الفلكية الحسابية (Center for Cosmology and Computational Astrophysics) في جامعة تشجيانغ: «تؤدي المستعرات العظمى دوراً محورياً في المحاكاة الهيدروديناميكية الكونية التي تفسّر كيف يتسرّب الإشعاع المؤيِّن من المجرّات». ثم يضيف: «تبرز نتائجنا الحاجة إلى دراسة كيف تشكّل الأشعة والرياح الصادرة عن النجوم الفتيّة الغازَ المحيط بها قبل انفجار أولى المستعرات».
ويلاحظ المصدر أن المحاكاة تُظهر أن المستعرات أدّت دوراً مهماً في إعادة التأين، وأن الرصد مقدَّم على المحاكاة عند التعارض. وتلك قاعدة منهجية مألوفة: النموذج يفسّر، لكن الرصد هو الحَكَم.
ومع ذلك، تبقى الصورة الكاملة بعيدة. يقول كار: «لا نعرف بدقة أي الأجرام تسبّبت في إعادة التأين، ولا كيف تطوّرت العملية». ويتابع: «نعلم أنها حدثت، لكن ليست لدينا إجابات كاملة عن هذه الأسئلة». وتجد تفاصيل الدراسة المعنونة «تسرّب متصل لايمان أثناء بدء الرياح المجرّية في الاندفاعات النجمية المدمجة» في صفحتها على موقع «نيتشر». ويبقى السؤال المفتوح للمحاكاة المقبلة: ماذا كانت النجوم الفتيّة تفعل بغاز مجرّاتها خلال الفترة التي سبقت أولى المستعرات؟
أخبار ذات صلة

قرصين في واحد، كيفية تراكم الأقراص، ومحرك الثقب الأسود، والنفاثات

الغربان تتخذ قرارات برقية أسرع من البشر بمرتين، تشير دراسة جديدة

ناسا تكشف تحديثات خطة أرتيميس في 23 أكتوبر
