غرابان يتخذان قرارات سريعة بذكاء يفوق التوقعات
غرابان يقرران بسرعة مذهلة في أقل من ربع ثانية ويتخذان قرارات معقدة دون الحاجة لقشرة مخية حديثة كالتي لدى البشر. الدراسة تكشف كيف تطورت أدمغتهما لمعالجة المعلومات بسرعة عالية بسبب تحديات الطيران والحياة المعقدة. وورلد برس عربي

-في أقل من ربع ثانية، حسم غرابان قرارهما بشأن اتجاه نقاط متحركة على شاشة، بينما كانت أنشطة أدمغتهما تُظهر عملية تشبه ما رُصد لدى الرئيسيات والبشر. النتيجة تضيف دليلاً إلى فكرة أن القرارات المعقّدة لا تحتاج بالضرورة إلى القشرة المخية الحديثة (Neocortex) الخاصة بالثدييات. غير أن الدراسة شملت طائرين فقط، ولم تقارنهما مباشرة بالرئيسيات.
نُشرت الدراسة في مجلة «Science» يوم الخميس 22 أكتوبر، وهي مدرجة ضمن المجلد 394 لعام 2026، ويمكن الاطلاع عليها عبر صفحتها في المجلة. وتحدّث أحد معدّيها، الباحث أندرياس نيدر، إلى موقع Live Science.
كيف اختُبر قرار الغراب؟
درّب الباحثون غرابين من نوع الغراب الجيفي (Corvus corone) على مهمة بصرية على شاشة تعمل باللمس. تظهر على خلفية سوداء نقاط بيضاء، يتحرك بعضها يميناً أو يساراً، ويتحرك الباقي عشوائياً. وعلى الطائر أن ينقر الهدف المطابق للاتجاه الغالب بين النقاط، فيكافأ عند الإجابة الصحيحة بدودة طحين.
ولضبط مستوى الصعوبة، غيّر الباحثون نسبة النقاط التي تتحرك معاً في الاتجاه نفسه. عندما كانت الحركة واضحة والنقاط كثيرة، اقتربت دقة الغرابين من 100%. وعند خفض النسبة إلى 3% فقط، ظلّ أداء الطائرين فوق مستوى الصدفة، إذ أجابا بشكل صحيح في 50% من المحاولات. وتجدر الإشارة إلى أن المعطيات المتاحة لا تحدد عدد الخيارات التي كانت أمام الطائرين، وهو ما يحدد معنى «مستوى الصدفة» هنا. وحافظ الغرابان على دقة عالية عبر جولات التجربة المختلفة.
ما مدى سرعتهما مقارنةً بالبشر؟
بلغ متوسط زمن الاستجابة 235 ميلي ثانية، أي أقل من ربع ثانية. وتشير دراسات بشرية سابقة، ومنها دراسة عن سرعة قرارات المستهلكين، إلى قرارات في مهام مشابهة سُجّلت في أقل من ست ثوانٍ. كما تفيد أبحاث سابقة، منها هذه الورقة المقارنة، بأن البشر والقرود يستغرقون نحو ضعف هذا الزمن تقريباً في مهام حركة بصرية مماثلة يحدّد فيها المشارك وتيرته بنفسه.
لكن هذه المقارنة تقوم على أبحاث سابقة، فالدراسة الجديدة لم تضع الغربان والبشر أو القرود أمام المهمة نفسها بالشروط نفسها. وهذا قيد جوهري عند قراءة عبارة «الغراب أسرع».
ماذا كشف النشاط العصبي؟
سجّل الباحثون نشاط 248 خلية عصبية في منطقة تُعرف بـ«النيدوبالليوم الذيلي الجانبي» (Nidopallium caudolaterale، واختصاراً NCL). وتُعدّ هذه المنطقة مكافئة وظيفياً للقشرة الجبهية لدى البشر والرئيسيات، وهي تؤدي وظائف متقدمة رغم أن الطيور تفتقر إلى القشرة المخية ذات الطبقات الموجودة عند الثدييات.
وفي الرئيسيات، يسبق القرارَ تراكمٌ للمعلومات الحسية في الخلايا العصبية، يرافقه ارتفاع في النشاط حتى بلوغ عتبة معينة. وقال الباحثون إن نشاط أدمغة الغربان يوحي بعملية قرار مماثلة.
وأتاح هذا النشاط التنبؤ بالاختيار النهائي للغراب في وقت مبكر جداً، وقال نيدر، أستاذ علم وظائف الأعضاء الحيوانية ومدير معهد علم الأعصاب (Institute of Neurobiology) في جامعة توبنغن (University of Tübingen) الألمانية، إن ذلك ممكن «في وقت مبكر يصل إلى 70 ميلي ثانية بعد» ظهور النقاط. وسبق هذا التنبؤ نقرة الغراب بنحو 170 ميلي ثانية.
تطور مستقل أم حاجة إلى الطيران؟
الطيور والثدييات تطورت في مسارين منفصلين منذ أكثر من 310 ملايين سنة، كما توضح مراجعة للتباعد التطوري بينهما ومن هنا تأتي دلالة النتيجة في رأي نيدر، الذي قال: «هذا يشير إلى أن التطور ربما طوّر بشكل مستقل حلولاً متشابهة للمشكلة الحسابية نفسها». وأضاف: «الدلالة الأوسع هي أن الدماغ لا يحتاج إلى قشرة مخية حديثة للثدييات كي ينفّذ عمليات حسابية متطورة».
أما سبب هذه السرعة، فيربطه نيدر بنمط حياة الطيور: «الطيران يفرض متطلبات هائلة على المعالجة البصرية والتنسيق الحسي الحركي بين الإحساس والحركة». ويتابع: «على الطيور أن تتنقل في بيئات ثلاثية الأبعاد، وتتجنب العوائق، وتتفاعل بسرعة مع الأجسام المتحركة. كما أن العثور على الغذاء وصيد الفرائس قد يتطلبان قرارات سريعة ودقيقة. وربما فضّلت هذه الضغوط المعالجة السريعة للمعلومات». ويصف الباحثون هذا بأنه تفسير محتمل، لا نتيجة مثبتة.
وتُعرف الغربان أصلاً بقدرتها على استخدام الأدوات والاحتفاظ بالضغائن وإقامة ما يشبه الجنازات. وترى الدراسة أن ذكاءها قد يرتبط ببنية دماغية مختلفة جذرياً عن بنية دماغ الثدييات. وقال نيدر: «بدلاً من افتراض أن دماغ الثدييات هو النموذج الأصلي للسلوك الذكي، يمكننا دراسة أنواع مختلفة لاكتشاف المبادئ الحسابية المشتركة بين الحيوانات، وتلك التي تعكس تكيفات مع بيئاتها الخاصة».
ما الذي ينتظر البحث؟
العيّنة صغيرة، فهي غرابان فقط، ولا توجد مقارنة مباشرة مع الرئيسيات. لذلك يبقى سؤالان مفتوحين: هل تصمد النتيجة عند تكرارها على أعداد أكبر من الطيور؟ ولماذا تبدو الغربان أسرع في هذا النوع من القرارات؟ وقال الباحثون إن أعمالاً لاحقة قد تؤكد هذه النتائج وتبحث في سبب هذه السرعة.
أخبار ذات صلة

قرصين في واحد، كيفية تراكم الأقراص، ومحرك الثقب الأسود، والنفاثات

الانفجارات النجمية العملاقة: دورها المعقّد في إعادة تأيين الكون الأول

ناسا تكشف تحديثات خطة أرتيميس في 23 أكتوبر
