كشف أسرار الاضطراب التنفسي النادر بحركة الأهداب
فيديو مذهل يُظهر حركة الأهداب في مجاري تنفس طفل يعاني من اضطراب نادر باستخدام تقنية تصوير متطورة تدمج بين العلم والفن لتسليط الضوء على تحديات تشخيص الأمراض التنفسية النادرة في أداة بصرية فريدة من نوعها وورلد برس عربي

طفلٌ يعاني من اضطراب تنفّسي نادر، وهدبٌ مجهري يتحرّك بشكل خاطئ داخل مجاريه الهوائية هذه الصورة المتحرّكة، التي لا تتجاوز ثوانٍ معدودة، كانت كافيةً لتمنح مهندساً بصرياً صينياً المركز الأول في أرموق مسابقات التصوير المجهري في العالم.
فاز Ning Xu، المهندس البصري في جامعة Tsinghua بالعاصمة الصينية بكين، بالمركز الأول في مسابقة Nikon Small World in Motion لعام 2026، وذلك بفيديو فائق الدقة يُظهر الحركة الشاذّة للأهداب الهوائية لدى طفل مصاب بمتلازمة نادرة تُعرف بـخلل الحركة الهدبية الأوّلي (Primary ciliary dyskinesia - PCD). جاء هذا الفوز من بين 346 مشاركة مرئية قادمة من 40 دولة حول العالم.
ما الذي يجعل هذا المرض صعب الدراسة؟
خلل الحركة الهدبية الأوّلي اضطرابٌ وراثي يصيب الأهداب تلك الزوائد الدقيقة الشبيهة بالشعيرات التي تُبطّن الجهاز التنفسي وأعضاءً أخرى من الجسم. في الأحوال الطبيعية، تعمل هذه الأهداب كمكنسة بيولوجية دقيقة: تتحرّك بإيقاع منتظم لطرد الجراثيم والمخاط والمهيّجات خارج الرئتين. أمّا في حالة هذا المرض، فالأهداب إمّا معطوبة في حركتها وإمّا غائبة كلياً، ما يُفضي إلى تراكم المخاط وتكرار الالتهابات التنفسية.
والمشكلة من الناحية التشخيصية والبحثية أنّ التصوير الثابت مهما بلغت دقّته لا يكفي لفهم هذا الاضطراب. يقول Ning Xu بوضوح: "لفهم هذا المرض، تحتاج إلى مراقبة نحو 10 ثوانٍ من الحركة، لا مجرّد صورة ثابتة". هذه الجملة تلخّص تحدّياً منهجياً حقيقياً: الأهداب تتحرّك بسرعة، والتقنيات المجهرية التقليدية عالية الدقة تستلزم عادةً إضاءةً مكثّفة أو أصباغاً كيميائية قد تُلحق الضرر بالخلايا الحيّة أو تُعيق حركتها الطبيعية.
تقنية تُصوّر الحياة دون أن تُؤذيها
للتغلّب على هذه المعضلة، لجأ Xu إلى تقنية تُسمّى المجهرية الانعراجية فائقة الدقة (diffractive super-resolution microscopy)، التي تعتمد على توظيف موجات ضوئية متعدّدة ومرآة مجهرية رقمية (digital micromirror). تُتيح هذه التقنية التقاط صور بدقة عالية جداً مع تقليص التعرّض الضوئي إلى الحدّ الأدنى، وهو ما يجعلها ملائمةً لتصوير الأهداب الحيّة وهي في حالة حركتها الفعلية دون التأثير على سلوكها.
النتيجة كانت فيديو علمياً نادراً: مشهدٌ حيٌّ لأهداب مجرى هوائي في جسم طفل مريض، تكشف بوضوح عن الخلل في إيقاع حركتها مقارنةً بما هو طبيعي. وهو ما يجعل من هذا التسجيل أداةً بحثية بقدر ما هو عملٌ بصري مدهش.
يصف Xu ما يراه في هذه المقاطع بعبارة تجمع بين الطب والفلسفة: "حين يشاهد الناس الأهداب وهي تنبض، يدركون فوراً أنّ شيئاً جميلاً ومهمّاً يجري داخلنا. أعتقد أنّ هذه المسابقة تحوّل علم المجهر إلى لغةٍ مشتركة".
المسابقة وسياقها العلمي
مسابقة Nikon Small World in Motion ليست وليدة اليوم؛ فهي تفرّعت عام 2011 عن مسابقة Nikon Small World للتصوير الفوتوغرافي المجهري التي تأسّست عام 1974، لتختصّ تحديداً بالتصوير المرئي المتحرّك للعالم المجهري. هدفها المعلن هو الكشف عن جمال العالم المجهري وتعقيده من خلال الفيديو، وهو ما يجعلها تقاطعاً نادراً بين العلم والفنّ البصري.
في نسخة 2026، جاء في المركز الثاني الباحث الفيتنامي Nguyen Nam Nhat بفيديو يُظهر ديدان أسطوانية مجهرية (roundworm) صغيرة الحجم إلى جانب كائنات وحيدة الخلية. أمّا المركز الثالث فكان من نصيب Benedikt Pleyer من بافاريا في ألمانيا، بمقطع مصوَّر لليرقات قنديل البحر داخل قطرات مائية. وحلّ في المركز الرابع Andrew Moore من معهد Howard Hughes الطبي في الولايات المتحدة، بفيديو يوثّق انقسام الخلايا بصورة متزامنة. وأغلق قائمة المراتب الخمس الأولى Patrick Hickey من شركة Hypha Research Ltd. في إدنبرة باسكتلندا، بمقطع يرصد ديناميكيات الميتوكوندريا والبلاستيدات الخضراء داخل خلايا نبات يُعرف بـ Turtle Vine.
ما يجمع هذه الأعمال الخمسة هو أنّها لا تُوثّق الحياة ساكنةً، بل تُمسك بها في لحظة حركتها وهو بالضبط ما يجعل التصوير المجهري المتحرّك أداةً لا غنى عنها في أبحاث الأمراض النادرة وعلم الخلية والوبائيات الجزيئية. السؤال الذي تطرحه نتائج هذا العام هو: كيف يمكن توظيف هذه التقنيات الناشئة في المراكز البحثية في منطقتنا، حيث لا تزال أمراض كخلل الحركة الهدبية الأوّلي تُشخَّص متأخّراً أو تمرّ دون تشخيص على الإطلاق؟
أخبار ذات صلة

بدلة الفضاء الأوروبية الجديدة تحتاج تطويراً أكثر، رائد فضاء فرنسي: «نحن في البدايات»

الخلايا التي تُرسل دماغنا إلى النوم

نجمٌ نادرٌ يُولَد من جديد... ويتغيّر مجدّداً
