رقصة جاذبية تكشف سر النجوم الثنائية الضخمة
اكتشف علماء فلك نجمين ضخمين تشكلا عبر لقاء جاذبي نادر وليس من نفس السحابة الغازية كما كان معتقداً. دراسة تكشف رقصة جاذبية فوضوية تغير فهمنا لتشكل النجوم الثنائية الضخمة على وورلد برس عربي.

قبل نحو ستّين عاماً، في عمق سحابة كونية تبعد عنّا 5,300 سنة ضوئية، التقى نجمان ضخمان في مرحلة طفولتهما بطريقة لم يتوقّعها أحد: لم يولدا معاً من نفس الغيمة الغازية كما تقول الكتب، بل جمعتهما مصادفة جاذبية صرفة، وها هما اليوم يرقصان حول بعضهما في ثنائي نجمي نادر. هذا ما كشفت عنه دراسة نُشرت في 8 سبتمبر 2026 في مجلة Nature Astronomy، مُقلقلةً أحد الافتراضات الراسخة في علم تشكّل النجوم.
ثمانية أعوام من المراقبة لفكّ لغز كوني
بدأت القصة عام 2019، حين وجّه فريق دولي من الفلكيين أدواتهم نحو المنظومة المعروفة بـ IRAS 07299−1651، وهي منظومة نجمية ثنائية تضمّ نجمَين بدئيَّين ضخمَين لا يزالان في طور التشكّل. على مدى ثمانية أعوام متواصلة، رصد الباحثون هذه المنظومة بأربعة من أبرز التلسكوبات الموجودة: مصفوفة ALMA الراديوية في تشيلي، ومصفوفة Very Large Array (VLA)، وتلسكوب James Webb Space Telescope (JWST) الفضائي، وتلسكوب Very Large Telescope (VLT) الأرضي.
وقال قائد الفريق البحثي Yichen Zhang من جامعة Shanghai Jiao Tong: "للمرة الأولى، تمكّنّا من مراقبة نجمَين ضخمَين يدوران حول بعضهما بينما كانا لا يزالان في طور الولادة." وأضاف زميله في الفريق Yao Wang من الجامعة ذاتها: "كان الأمر أشبه بحلّ لغزٍ ثلاثي الأبعاد؛ كلّ رصد جديد أضاف قطعة، وفي النهاية اتّحدت المدارات والأقراص والنفّاثات في صورة واحدة متماسكة."
ما الذي يجعل هذا الاكتشاف مقلقاً للنماذج التقليدية؟
النموذج السائد في علم الفلك يفترض أنّ النجوم الثنائية تتشكّل معاً من انهيار سحابة واحدة من الغاز والغبار الكوني. غير أنّ ما رصده الفريق في IRAS 07299−1651 يخالف هذا التصوّر جذرياً: الأقراص المحيطة بالنجمَين مائلةٌ بشكل حادّ بالنسبة لبعضها ولمداريهما، وهو ما لا يحدث حين يتشكّل الثنائي من نفس المادة الدوّارة. فضلاً عن ذلك، تتّسم مداراتهما بالانحراف الشديد عن الدائرية، إذ تقترب من شكل القطع المكافئ، لا المدارات شبه الدائرية المعهودة في الأنظمة التي تشكّلت معاً.
يشير الباحثون إلى أنّ اللقاء الجاذبي بين النجمَين وقع على الأرجح قبل نحو ستّين عاماً، وعلى الرغم من عنف هذا اللقاء، نجا قرص كلّ نجم منهما محتفظاً ببنيته. وعلّق عضو الفريق Jonathan C. Tan من University of Technology وUniversity of Virginia: "تُثبت هذه الدراسة أنّ حياة النجوم المبكّرة قد تكون فوضوية للغاية، إذ يمكن للقاء مصادفة أن يُفضي إلى هذه الرقصة الجاذبية والاقتران النجمي."
لماذا يهمّنا فهم النجوم الثنائية الضخمة؟
تحتلّ النجوم الثنائية الضخمة مكانةً محورية في فهم بنية الكون؛ فنحو 90% من النجوم الضخمة في مجرّة درب التبّانة تملك رفيقاً، مقارنةً بنصف نجوم بحجم الشمس تقريباً. وحين تنتهي حياة هذه النجوم الضخمة، تنفجر على هيئة مستعرات عظمى (سوبرنوفا) تُعيد تشكيل محيطها الكوني وتُغذّي الأجيال القادمة من النجوم بالعناصر الثقيلة.
وقد أسهمت التلسكوبات الأربعة في الكشف عن جوانب مختلفة من هذه المنظومة، كما أوضح Rubén Fedriani من Instituto de Astrofísica de Andalucía: "كشف كلّ تلسكوب عن قطعة مختلفة من اللغز. الجمع بين الرصد الراديوي والرصد تحت الأحمر يوفّر أدقّ تفاصيل ممكنة حول تشكّل هذه المنظومة النجمية الثنائية الضخمة."
يبقى السؤال الأعمق مفتوحاً: إن كانت المصادفة قادرةً على إنتاج ثنائيات نجمية ضخمة، فكم من النجوم التي نعدّها "شركاء" ولدت معاً هي في الحقيقة غرباء جمعتهم الجاذبية؟ المراقبة مستمرّة، والإجابة قد تُعيد رسم خرائط تشكّل النجوم من جديد.
أخبار ذات صلة

مختبرات زراعية تحت الأرض: العلماء الصينيون يحوّلون مناجم الفحم المهجورة

موجات رملية غريبة الشكل تغطي سهول المريخ

مركبة LINK تقترب من مرصد Swift التابع لناسا، لكن ليس بما يكفي لإنقاذه
