تدمر تنهض من رماد الحرب وترحب بالسياح مجدداً
تدمر مدينة التاريخ والحضارة التي شهدت دمار داعش وحروب متعاقبة تركت آثارها على السكان والتراث. رغم التحديات بدأت رحلة إعادة الإعمار والسياحة تعود لتمنح المدينة أمل الحياة من جديد وورلد برس عربي يروي القصة كاملة.

في اليوم الثلاثين من سيطرة تنظيم داعش (IS) على تدمر عام 2015، بدأ السكان يدركون حجم الوحشية التي حلّت بمدينتهم. لم تكن سوريا قد خرجت بعد من سنواتٍ طويلة من الحرب الأهلية حين وقعت المدينة في قبضة التنظيم، ثم تتالت عليها موجات متعاقبة من السيطرة بين التنظيم وحكومة الأسد الديكتاتورية والتدخّل العسكري الروسي تركت كلٌّ منها ندوبها الخاصة من عنفٍ وتهجيرٍ ودمار، في مشهدٍ كان يُعيل أهله لقرون.
بعد أيامٍ قليلة من دخول التنظيم المدينة، نُفّذ إعدامٌ علني لعشرين رجلاً في المدرّج الروماني تحت الراية السوداء، فتحوّل أحد أعرق المعالم الأثرية في سوريا إلى خشبةٍ للرعب. جُثث الشهداء عُلّقت في شوارع المدينة الحديثة، مربوطةً من الرسغين، وتُركت سبعة أيام تحت شمس الصحراء.
حين استقرّت سلطة التنظيم، تحوّلت الأنظار نحو الموروث الأثري.
تدمر: أيقونة الموروث الإنساني
تدمر، واحدة من أبرز مواقع التراث العالمي لمنظمة UNESCO في سوريا، تحمل في طياتها ذاكرة التنوّع الديني والحضاري الذي عرفته المنطقة. شبكة معابدها ومزاراتها وقطعها الأثرية تعود إلى ما قبل الإسلام، وهو ما جعلها هدفاً رئيسياً لأيديولوجية التنظيم الإقصائية. دمّر المسلّحون أبرز معالمها في مشاهد موثّقة أُريد لها أن تكون رسائل دعائية، فيما نهبوا قطعاً أثرية أخرى وأدخلوها في شبكات تهريب الآثار لتمويل عملياتهم.
قوسُ النصر الشهير فُجِّر فلم يبقَ منه سوى عمودَين. معبد بل فقد قدسه الرئيسي وبات لا يُعرف إلا من سوره الخارجي الذي صمد. التماثيل مُسخت ملامحها بالإزميل. "أحرقوا حتى المومياوات التي يبلغ عمرها ألفَي عام لأنها ليست مسلمة"، يقول خالد، المرشد السياحي الذي عاش أيام الاحتلال، بنبرةٍ فيها مرارةٌ لا تخطئها.
خلف الأطلال تقبع واحةٌ عريقة كانت مصدر الحياة الذي أتاح لتدمر أن تزدهر محطةً تجاريةً على طريق الحرير. أحمد، ابن تدمر الذي بدأ العمل مع السياح وهو في التاسعة من عمره، يتذكّر طريقاً تُظلّله النخيل وتجلس العائلات على أعتاب بيوتها تدعو المارّة لشرب الشاي. اليوم، الطريق مكشوفٌ لوهج الشمس، يحدّه الحطام المُزاح والأرض المحروقة.
المدينة الحديثة لم تنجُ هي الأخرى. هُدمت البيوت والمباني بشكل ممنهج خلال الحملات العسكرية المتعاقبة، ثم نُهبت. "حين عدنا، كان البيت مزروعاً بالألغام وكلّ شيء سُرق حتى أنابيب النحاس"، تقول عائلة الصالح .
واقع إعادة الإعمار
ندوب الحرب باتت جزءاً من حكاية تدمر؛ تاريخها الحديث يجلس جنباً إلى جنب مع ماضيها العريق، ويستقطب نوعاً مختلفاً من الزوّار. تقول UNESCO إنها طوّرت خارطة طريق للتعافي تشمل أعمال الصون وبنية الاستقبال السياحي وفرص العيش، إلى جانب تدابير الحماية الطارئة. غير أن كثيراً من السكان والمسؤولين يصفون هوّةً متّسعة بين الخطط والواقع.
الأُطر الدولية للتعافي موجودة، لكن الدعم الملموس يبقى محدوداً، وتُترك إعادة الإعمار في أيدي من عادوا ليبنوا بأيديهم.
"تدمر هي البطلة، هي أيقونة سوريا"، يقول رامي نواية، مؤسّس Syrian Guides: "الآن اكتسبت بُعداً آخر؛ تستقطب المغامرين المهتمّين بالموروث الحضاري وبالصراع معاً."
الأولوية لدى كثيرٍ ممن يعملون على إحياء السياحة ليست ترميم الموقع الأثري، بل استعادة البنية التحتية التي تُتيح للناس تجربته: إعادة فتح الفنادق والمطاعم وبيوت الضيافة، وتحسين الطرق، وتوفير الخدمات التي تُمكّن الناس من العودة الدائمة.
السياحة، قبل الحرب، كانت تُشكّل نحو نصف اقتصاد المدينة وتُعيل آلاف الأسر. وبعد سقوط الديكتاتور بشار الأسد في ديسمبر 2024، بدأت أعداد الزوّار تتعافى، لكن موجة الاضطرابات الإقليمية التي أعقبت الحربَين الأمريكية والإسرائيلية على إيران أربكت حركة الطيران وأبطأت الزخم من جديد.
"حين يأتي السياح، يحتاجون مطاعم، والمطاعم تحتاج موظّفين. المحلات والسائقون والفنادق، كلّهم يعتمدون على السياحة"، يقول زاهر الصالح، نائب مدير تدمر.
قبل عام 2011، كان الطريق المحاذي للأطلال مُصطفّاً بالفنادق التي تعمل بطاقتها الكاملة في موسم الذروة. اليوم، لم يبقَ منها سوى هياكل فارغة، نوافذها مقتلعة و واجهاتها مُنقّرة بآثار القصف، لا يدلّ عليها إلا لافتات باهتة.
على أحد جانبَي الطريق، تبدو بوادر النهضة.
استقبلت Silk Road Lodge أولى ضيوفها في الأسبوع الأول من يونيو، لتكون من أوائل المنشآت السياحية الجديدة منذ سقوط حكومة الديكتاتور الأسد. صاحبها رضوان عبد اللطيف عاد إلى سوريا بعد أن حصل على حق اللجوء في اليابان بمساعدة سياح التقى بهم في تدمر. "إذا لم نُصلح سوريا نحن، لن يُصلحها أحدٌ غيرنا. أنصح الجميع بالمجيء وإصلاح البلد وتدمر يداً بيد، حتى يرى السياح ويعودوا"، يقول عبد اللطيف، مشدّداً على ضرورة دعمٍ حكومي لا يشترط أن يكون مالياً، بل يكفي أن يتجلّى في تبسيط الإجراءات وتسهيل الحصول على التراخيص.
المنطق ذاته يُحرّك عمل Caravan Foundation، التي تساعد السكان على إعادة بناء مصادر رزقهم بشكل مستدام. تعاونيّتها النسائية "نور البادية" درّبت 70 امرأة من المنطقة على إنتاج الحرف اليدوية والمنسوجات التقليدية مبادرةٌ توفّر دخلاً لنساء فقدن بيوتهن وذويهن في الحرب، وباتت بعضهن المعيل الوحيد لأسرهن. لكن نجاح هذه المبادرة مرهونٌ بمجيء السياح إلى خيمتهن في Bedouin Corner، المخيم التقليدي والمطعم المجاور للأطلال.
السياحة بين الاستثمار في الألم والشريان الاقتصادي
السياحة هي المحرّك الاقتصادي الذي قد يُعيد المدينة إلى الحياة. لخلدون، كغيره من أبناء المنطقة، بدأ العمل مع السياح في صباه يُرافقهم في جولات على الجمال. لا يقرأ العربية ولا يكتبها، لكنه يتحدّث عدة لغات تعلّمها من محادثاته مع الزوّار.
خارج سوريا، أشعل انفتاح البلاد نقاشاً حول ما يُعرف بـ"سياحة الألم" (Dark Tourism) وأخلاقيات زيارة المناطق التي عرفت الصراع. أما في تدمر، فالمجتمعات التي تُحاول إعادة بناء نفسها بعد أكثر من عقد من الحرب، فإن استقطاب الزوّار يبقى أهمّ من التساؤل عن دوافعهم.
"نعم، التقينا بأشخاص لا يهتمّون إلا بمناطق الصراع"، يقول رامي نواية من Syrian Guides، لكنه يرى في كل اهتمامٍ بالبلاد نقطةَ انطلاق. "كثيرٌ من السياح دخلوا سوريا بنيّة زيارة مناطق الحرب، لكنهم انتهوا بمشاركة وجبات مع السكان وزيارة الورش والاطلاع على وجوه أخرى للبلاد."
الدمار لا يمكن تجاهله أو تلميعه، لكن لا ينبغي له أن يصير الحكاية كلّها.
صانعو المحتوى على YouTube والمؤثّرون في مجال السفر باتوا من أقوى أدوات الترويج للبلاد في غياب دعم وسائل الإعلام التقليدية التي تتحاشى تسليط الضوء على وجهةٍ تُصنَّف ضمن المخاطر العالية. المبدع السياحي Nick Maddock، الذي قضى ستة أشهر يجوب معظم محافظات سوريا، يرى أن صانعي المحتوى المستقلّين يملكون دوراً لا يُضاهَى لأن جمهورهم يثق بهم أكثر من الحملات الرسمية. "هذه الثقة تقطع شوطاً بعيداً في تفكيك المفاهيم المغلوطة بطريقةٍ لا يستطيعها كثيرٌ من أبناء المنطقة أنفسهم"، يقول.
إرث الألغام
ثمة ما لم يُولَ الاهتمام الكافي: الموروث الحيّ لتدمر مجتمعات البدو الذين يجوبون الصحراء المحيطة منذ أجيال. بالنسبة إليهم، لا تبدأ إعادة الإعمار من الأطلال، بل من تطهير الأرض التي تزرعها الألغام والذخائر غير المنفجرة (UXO).
التحدّي الذي يواجهه البدو يعكس واقع إعادة الإعمار في كثيرٍ من المناطق السورية خارج المدن الكبرى كحلب ودمشق. مع محدودية قدرة الدولة وتركّز التمويل الدولي على المناطق ذات الكثافة السكانية العائدة، يعتمد التعافي في الأرياف على الموارد الذاتية: المدّخرات، وتحويلات الأقارب في الخارج، والعمل اليدوي، وأحياناً السلامة الشخصية.
في تدمر، جعلت خطوط المواجهة المتحرّكة عمليات إزالة الألغام بالغة التعقيد. "تغيّرت السيطرة على المدينة مرّات عدة بين أطرافٍ مختلفة، لكلٍّ منها أساليبه العسكرية وطرقه في زرع الألغام والمتفجّرات"، يقول مؤيد النوفلي، نائب مدير البرنامج في منظمة Halo، إحدى كبرى منظمات إزالة الألغام الدولية العاملة في سوريا. "ينتج عن ذلك تلوّثٌ متراكم الطبقات يشمل الألغام التقليدية والعبوات الناسفة المرتجلة (IEDs) والذخائر غير المنفجرة والذخائر المهجورة."
"كل خطرٍ يطرح تحدّيات تقنية مختلفة ويستلزم منهجيات إزالة مغايرة"، يوضح النوفلي. "قبل أي استعادة حقيقية، سواء للسياحة أو التنمية الأوسع، لا بدّ أولاً من رصد هذه المخاطر وإزالتها." وتأمل المنظمة في تأمين تمويلٍ خلال الأشهر القادمة لتوسيع عملياتها في تدمر.
حتى يكتمل ذلك، لا يملك كثيرٌ من السكان سوى التعايش مع الخطر. يقول المسؤولون المحليون إن نحو 200 شخص استشهدوا أو أُصيبوا جرّاء الألغام والذخائر غير المنفجرة في منطقة تدمر. "حين عاد الناس، كانت البيوت مليئةً بالألغام لأنها استُخدمت مخازن للأسلحة. بعضها كان يشبه الحجارة"، يقول زاهر.
الموقع الأثري والطرق الرئيسية أُعلن عنها آمنة، لكن الأراضي الزراعية والصحراء الممتدة وراءها حكايةٌ أخرى. البدو يحتاجون إلى التنقّل بحرية عبر مساحاتٍ شاسعة كثيرٌ منها ملوّثٌ بالألغام، وإلى جانب الضحايا البشريين بعضهم من الأطفال الذين كانوا يلعبون سقط عددٌ كبير من الجمال بتأثيرٍ مدمّر على أسلوب حياة هذه المجتمعات.
تدمر تصمد
رغم كل شيء، تدمر تصمد.
كل مساء جمعة عند الغروب، تتوافد الدراجات النارية محمّلةً بأربعة أشخاص وأرجيلة إلى جانب الأطلال العريقة. تفرش العائلات بطاطينها على الأرض مستخدمةً الأعمدة الأثرية حاجزاً من الريح. تجلس مجموعات الشباب تدخّن السجائر على درجات المدرّج الذي شهد الإعدامات.
تدمر نجت من داعش. نجت من سنوات الحرب. أما إن كانت ستُعيل أبناءها مجدّداً، فذلك رهينٌ بالتمويل الدولي وعودة السياح الذين يحوّلون الموروث إلى رزق.
أخبار ذات صلة

تحقيق برلماني بريطاني في اتهامات المتحف البريطاني بـ"محو" فلسطين

مئة وخمسون شخصاً من خمسين دولة يحصلون على الجنسية الأمريكية في ماونت فيرنون
