وورلد برس عربي logo

الطبيب الفلسطيني في قبضة التعذيب والخذلان الدولي

عائلة الطبيب حسام أبو صفية تتحدث عن تدهور حالته الصحية داخل السجون الإسرائيلية وسط تعذيب وإهمال طبي مستمر وتحمّل المجتمع الدولي مسؤولية إنقاذ حياته قبل فوات الأوان وورلد برس عربي يكشف التفاصيل المؤلمة.

الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية في زي السجن الأبيض، يظهر ضعيفاً ومقيد اليدين خلال جلسة استماع في المحكمة وسط تدهور صحته بسبب التعذيب في السجون الإسرائيلية.
الطبيب الفلسطيني حسام أبو صافية، الذي اختطفته إسرائيل في غزة أواخر عام 2024، يظهر عبر رابط فيديو في جلسة المحكمة العليا الإسرائيلية في القدس بتاريخ 10 يونيو (رويترز)

نجل الطبيب الفلسطيني الدكتور حسام أبو صفية قال بأن عائلته تشعر بالخذلان من منظمات حقوق الإنسان، وأنها تحمّل المجتمع الدولي مسؤولية تدهور حالته الصحية داخل السجون الإسرائيلية.

الدكتور أبو صفية طبيب أطفال وكان يشغل منصب المدير الطبي لمستشفى كمال عدوان في شمال غزة. اعتُقل على يد إسرائيل ويُحتجز دون توجيه أي تهمة إليه منذ ديسمبر 2024.

في الأسبوع الماضي، حذّرت منظمة Physicians for Human Rights Israel (PHRI) من أن حياته باتت في خطرٍ داهم، وطالبت بالإفراج عنه فوراً.

قال إلياس، نجل أبو صفية : "للأسف، مضى وقت النداءات لقد حانت لحظة الفرصة الأخيرة، النداء الأخير الموجَّه إلى كل شخصٍ قادر على التدخّل العاجل والجهر بالحديث عن وضع والدي.

"العالم لا يرانا بوضوح بوصفنا بشراً أو يرى أننا نستحق حقوقاً متساوية. الدعم للقضايا الإسرائيلية أوسع بكثير مما هو متاح للقضايا الفلسطينية.

"لقد تخلّوا عنّا، والفلسطينيون أمثال والدي يُتركون في زنازين السجون الإسرائيلية ليموتوا."

زار محامي الدكتور أبو صفية، ناصر عودة، موكّله في 2 يوليو في منشأة الاستجواب السرية Rakefet داخل سجن نتسان في شمال إسرائيل.

أفاد عودة بأنه كاد لا يتعرّف على أبو صفية بسبب إصاباتٍ جديدة طالت وجهه ورأسه، وأنه بدا في غاية الضعف، يعاني صعوبةً في التنفس والكلام، ويرزح في حالة من الاضطراب النفسي الحاد.

قال إلياس: "أصابني الصدمة وعدم التصديق حين سمعت هذا الخبر.

"خرجت من منزلي أحدّث نفسي، لا أعرف ماذا أفعل، وأنا أفكّر في والدي وهو يُعذَّب ويُضرب مراراً.

"تخيّل طبيباً يُعذَّب ويُهان ويُقتل خلف القضبان، معزولاً يصرخ طالباً النجدة هذا أمرٌ مُدمِّر حقاً.

"كيف لنا كعائلة أن نتحمّل مشهد والدي وهو يحتضر أمام أعيوننا بينما نقف عاجزين أمام هذا الظلم المطلق وهذا القهر؟"

"أحضروني إلى هنا لقتلي"

نقل المحامي عن أبو صفية قوله: "هذه آخر مرة ترينني فيها... أحضروني إلى هنا لقتلي. لا أرى نفسي ناجياً. هذه هي النهاية."

وكان أبو صفية قد مثل أمام المحكمة العليا في يونيو، حيث بدت إصاباتٌ واضحة على ذراعَيه ووجهه.

وفقاً لمنظمة PHRI، اقتحم أربعة أو خمسة من حراس السجن زنزانته قبيل جلسة الاستماع واعتدوا عليه بمطرقة وهراوات معدنية، ما أحدث إصاباتٍ في أنحاء متفرقة من جسده ورأسه.

مصدرٌ مقرّب من العائلة يرى أن الأعراض التي يعانيها أبو صفية جراء هذه الإصابات تشير إلى احتمال تشكّل جلطةٍ دموية تضغط على دماغه.

أضافت منظمة PHRI أنه منذ نقله إلى منشأة Rakefet عقب جلسة الاستماع، يتعرّض لضربٍ يومي أفضى إلى فقدانه الوعي في مناسباتٍ عدة.

ويُودَع في الحبس الانفرادي منذ الشهر الماضي، فيما يُحرم باستمرار من أي رعاية طبية.

لا يزال في ساق أبو صفية ستة شظايا من إطلاق نار بطائرة رباعية المحاور (كوادكوبتر) في عام 2024، استهدفت عائلته وهم نيام في مستشفى كمال عدوان وتلك الجرح لا تزال تسبّب له نزيفاً وتورّماً. وفضلاً عن ذلك، طوّر الدكتور أبو صفية منذ احتجازه تضخّماً في القلب نتيجة ارتفاع ضغط الدم.

استهدافٌ بالتعذيب

قال ديريك سامرفيلد، المحاضر الفخري في King's College London الذي أجرى أبحاثاً وخاض حملاتٍ حول الأثر النفسي لاحتجاز الأسرى الفلسطينيين وتعذيبهم في إسرائيل، إن ما يتعرّض له أبو صفية لا يثير استغرابه.

وقال: "التعذيب أمرٌ يومي في إسرائيل، وقد استُخدم سلاحاً ضد الفلسطينيين في غرف الاستجواب منذ عقود.

"أعتقد أن الوحشية التي تُمارَس بحق المعتقلين الفلسطينيين تصاعدت بشكلٍ لافت منذ عام 2023.

"الدولة تشعر بإفلاتٍ تام من العقاب، والأطباء ليسوا بمنأى عن ذلك."

تحتجز إسرائيل حالياً 14 طبيباً آخر من غزة دون توجيه أي تهمة إليهم.

واستناداً إلى شهاداتٍ جمعتها منظمة Healthcare Workers Watch المعنية برصد أوضاع المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، فقد جرى تخصيص الدكتور أبو صفية بالإذلال والتجويع والتعذيب الممنهج على يد جنود إسرائيليين.

ويرى سامرفيلد أن إسرائيل تُفضّل موت الدكتور أبو صفية على الإفراج عنه وإتاحة الفرصة له ليروي قصّته للعالم.

وأضاف: "الدكتور أبو صفية يجسّد صموداً بطولياً تسعى إسرائيل إلى سحقه.

"كلّما استطعنا توليد مزيدٍ من الضغط، ربما يكون ذلك أدعى إلى أن لا يسمحوا له بالموت."

في سياقٍ مشابه، عُثر على طبيبٍ آخر هو الدكتور عدنان البرش، رئيس قسم جراحة العظام في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، ميتاً في سجنٍ إسرائيلي في أبريل 2024. كان قد اعتُقل على يد القوات الإسرائيلية في مستشفى الأوداء شمال غزة في ديسمبر 2023، وتعرّض وفق شهادات معتقلين فلسطينيين أُفرج عنهم وكانوا على تماسٍّ معه لضرب وحشي وتعذيبٍ متكرر واغتصابٍ متعدد. ولم تُسلّم إسرائيل جثمانه حتى الآن.

قال إلياس : "طلب منّي والدي أن أرفع صوتي دفاعاً عن جميع العاملين في القطاع الصحي الفلسطيني الذين يعانون داخل السجون الإسرائيلية."

وقد طالبت منظماتٌ عدة من بينها الأمم المتحدة بالإفراج الفوري عن العاملين في الرعاية الصحية الفلسطينيين المحتجزين، فيما تقدّمت منظمة PHRI بطعونٍ إلى السلطات الإسرائيلية تؤكّد فيها هذا المطلب، وتحثّها على السماح بإجراء فحصٍ طبي مستقل للدكتور أبو صفية.

والمحكمة العليا الإسرائيلية تنتظر ردّ الدولة على عرائض منظمة PHRI في 7 يوليو.

كما طالب عضو الكنيست الإسرائيلي عوفر كاسيف بالإفراج الفوري عن الدكتور أبو صفية الأسبوع الماضي.

لاحظ إلياس: "وصل الإيذاء المتصاعد والمكثّف الذي يتعرّض له والدي إلى حدٍّ بات الحديث عنه يدور حتى داخل المجتمع الإسرائيلي."

"الكلمات لا تصف الألم"

إلياس، الذي يحمل مؤهّلاتٍ طبية، عمل إلى جانب والده في مستشفى كمال عدوان خلال فترة الإبادة. و قال بأن والده ظلّ متفانياً في خدمة مرضاه رغم القصف المتواصل، حتى حوصر المستشفى واضطرّ إلى المغادرة.

قال: "لا تكفيني الكلمات لأصف مدى اعتزازي بشجاعة والدي. حين كان السكان المحليون يُجوَّعون ويُقتلون، وقف صامداً ورفض أن يخون ثقتهم أو يتهرّب من مسؤولياته، فرآه الناس منارةً للأمل.

"ليس لديّ تجاه هذا الرجل العظيم سوى المحبة والتقدير والاحترام."

أما شقيقه إبراهيم البالغ من العمر 20 عاماً، فقد استشهد على يد إسرائيل في أكتوبر 2024، ويعتقد إلياس أن ذلك كان استهدافاً متعمّداً بوصفه شكلاً من أشكال الانتقام من والده.

رفض أبو صفية مغادرة مستشفاه حين أعلن الجيش الإسرائيلي شمال غزة منطقةً عسكرية، كما أدلى بتصريحاتٍ علنية حول المجاعة والإصابات التي خلّفتها إسرائيل في صفوف الأطفال.

قال إلياس إن عائلته لا تعرف إن كانت تبكي على رحيل أخيه أم على وضع والده.

"الكلمات لا تصف حجم الألم الذي نعيشه"، أضاف.

"الصمت تواطؤ"

تنظّم مجموعاتٌ حقوقية في المملكة المتحدة هذا الأسبوع احتجاجاتٍ لتسليط الضوء على قضية الدكتور أبو صفية. وستتظاهر تحالفٌ من المجموعات الطبية أمام Royal College of Paediatrics and Child Health في لندن يوم الجمعة وهي المؤسسة التي درّبت أطباء غزة مطالبةً بالمناصرة لصالح الدكتور أبو صفية.

وستُسلَّم إلى الكلية عريضةٌ تحثّها على المطالبة بالإفراج عنه وإدانة استهداف العاملين في القطاع الصحي في غزة واحتجازهم وقتلهم. وحتى الآن، لم تُصدر الكلية أي بيانٍ علني بشأن القضية.

قالت ريحانة البرز، الرئيسة المشاركة لمجموعة Child Health Advocates 4 Palestine: "وضع الدكتور أبو صفية لم يعد محتملاً لأي طبيبٍ يملك ضميراً.

"حين يُعاقَب طبيب أطفالٍ بسبب حمايته للأطفال، يجب على جميع أطباء الأطفال أن يرفعوا أصواتهم.

"كانت Royal College of Paediatrics and Child Health تُدرّب أطباء غزة، ومن واجبها أن تتكلّم."

وقالت أميرة نمراوي، المؤسِّسة المشاركة والرئيسة التنفيذية لمجموعة Health Workers 4 Palestine، لموقع Middle East Eye: "كل مؤسسةٍ تملك صلاحية المطالبة بالإفراج عنه تعرف الحقائق جيداً.

"الصمت في هذه المرحلة ليس حياداً، بل هو تواطؤٌ في كل ما قد يحدث له لاحقاً."

وقال إلياس بأنه يستمد قوّته من والده.

قال: "كان لا يزال يدافع عن شعبه، ولا يزال يحمل الرسالة الإنسانية لمهنته حتى لحظة اعتقاله، وهو شرفٌ وامتيازٌ أن أحمل رسالته إلى العالم.

"علّمنا أن التضحية لها ثمن، وهذا ثمنٌ دفعناه وما زلنا ندفعه.

"من يصمت الآن شريكٌ في الجريمة ومتواطئٌ مع إسرائيل، وأناشد كل من يملك تأثيراً أن يضغط على هؤلاء المجرمين بالجهر بالحديث عن والدي وعن جميع الأسرى الفلسطينيين."

أخبار ذات صلة

Loading...
طائرة روسية من طراز Bear-F تحلق بجانب مقاتلة بريطانية F-35 خلال اعتراض في بحر النرويج قرب حاملة الطائرات HMS Prince of Wales.

العقوبات البريطانية على مختبرات روسية وأفراد في قضايا الأسلحة الكيماوية ضدّ نافالني وسكريبال

فرضت بريطانيا عقوبات على مسؤولين روس متورطين في تطوير أسلحة كيميائية استخدمت ضد نافالني وضابط استخبارات سابق. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على الأمن العالمي الآن.
Loading...
سويلا برافرمان، وزيرة الداخلية البريطانية السابقة، تعبر عن موقفها المناقش لتعويضات الاستعمار البريطاني في نقاش سياسي حاد.

وزير بريطاني سابق يطالب المستعمرات السابقة بتعويضات

تثير وزيرة الداخلية البريطانية السابقة جدلاً بدعوتها المستعمرات السابقة لتعويض بريطانيا عن "الاستثمار" رغم تاريخ العبودية والنهب. اكتشف الحقائق كاملة وشارك الرأي.
Loading...
امرأة سودانية ترتدي الحجاب تجلس بحزن وسط نزوح مدنيين في دارفور، تعبيراً عن معاناة ضحايا الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

مدعو الجنائية الدولية أوقفوا مذكرة اعتقال الدعم السريع وسط فظائع السودان

تتواصل مأساة دارفور وسط صمت المحكمة الجنائية الدولية التي لم تصدر مذكرات اعتقال جديدة رغم الأدلة على جرائم الحرب والاعتداءات الجنسية. اكتشف التفاصيل وكن جزءاً من الدعوة للعدالة الآن.
Loading...
مقرر الأمم المتحدة يقدم تقريرًا حول الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وخطر الإبادة الجماعية.

الإبادة في غزة: كم تقريراً أممياً سيتجاهل الغرب؟

تؤكد التقارير الأممية المستقلة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة رغم صمت الغرب وتجاهله. اكتشف الحقائق الكاملة وكن جزءًا من التغيير بالاطلاع على التفاصيل الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية