وورلد برس عربي logo

تحولات حزب الله العسكرية في مواجهة التحديات الجديدة

توصلت الحكومتان الإسرائيلية واللبنانية إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، لكن حزب الله رفضه، مما يعكس تغييرات جذرية في استراتيجيته العسكرية. كيف أثر هذا التحول على أدائه في الصراع؟ اكتشف المزيد في تحليل شامل على وورلد برس عربي.

تظهر الصورة مشهدًا من الدمار في جنوب لبنان بعد القصف، مع وجود أنقاض المباني والمركبات المتضررة، مما يعكس آثار النزاع المستمر.
أعضاء الجمعية الإسلامية يتفقدون المباني المدمرة جراء الغارات الجوية الإسرائيلية بالقرب من مستشفى جبل عامل في مدينة صور الجنوبية بتاريخ 2 يونيو 2026 (مروان نعماني/وكالة زوما للأنباء)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

أعلنت الحكومتان الإسرائيلية واللبنانية الأسبوع الماضي، في واشنطن وبوساطة أمريكية، التوصّل إلى اتفاقٍ لتجديد "وقف إطلاق النار" والسعي نحو تسويةٍ "شاملة".

غير أنّ بنود هذا الاتفاق تشترط على حزب الله وحده وقف عملياته، في حين يواصل الجانب الإسرائيلي قصفه وتوغّله العسكري في جنوب لبنان. وقد رفض الحزب هذه المفاوضات بسرعةٍ لافتة، واصفاً إيّاها بأنّها "سخيفةٌ ومهينةٌ وإهانة صريحة".

على مدى أكثر من عشرة أسابيع، خاض حزب الله مواجهةً مع الهجوم الإسرائيلي المتجدّد على الجنوب وفق أسلوب استنزافٍ مُحكم، مستعيناً بالطائرات المسيّرة و وحداتٍ صغيرة متخصّصة تُنهك القوات الإسرائيلية مع الحفاظ على تماسك بنيته الداخلية.

بعد نحو 70 يوماً من دخول حزب الله ما بات يُعرف بـ"حرب رمضان"، أي الجولة الأخيرة من القتال التي اندلعت في مارس 2026، يمكن القول بحذرٍ وإن بوضوح: إنّ حزب الله اليوم يختلف اختلافاً جوهرياً عن الحزب الذي خاض حرب 2024، في تنظيمه العسكري على أقلّ تقدير، وجاهزيته الميدانية، ومرونته التشغيلية.

يستند هذا الحكم إلى مسار المعارك وأداء الحركة في الحرب الراهنة، وإلى مقارنةٍ مع حرب الإسناد عام 2023 وحرب الـ66 يوماً عام 2024، فضلاً عن مشاهداتٍ ميدانية مباشرة وحواراتٍ مع فاعلين سياسيين وقادةٍ ومقاتلين داخل الحزب.

هذا التحوّل لا يقتصر على العتاد والأسلحة والتكتيكات القتالية، بل يُشير إلى مراجعةٍ أعمق في آليات القيادة وعقيدة القتال وأسلوب نشر القوات، وحتى في التعريفات ذاتها للنصر والهزيمة.

ما يجري اليوم في جنوب لبنان يشبه مساراً تدريجياً من إعادة البناء والتكيّف التنظيمي في أعقاب تجربةٍ مُضنية امتدّت 30 شهراً، من 8 أكتوبر 2023 إلى 2 مارس 2026.

بيد أنّه في الوقت الذي يوقّع فيه المسؤولون اللبنانيون على صفقةٍ تنزع سلاح المقاومة دون أن تطلب شيئاً من المحتلّ، قد يتوقّف مصير الحزب على السياسة الداخلية وهشاشة لبنان أكثر ممّا يتوقّف على الميدان.

قوّةٌ أُعيد بناؤها

ربّما يكمن أهمّ التحوّلات في منظومة القيادة والسيطرة.

خلال حرب الـ66 يوماً، كان أحد أبرز نقاط ضعف حزب الله هشاشةَ سلسلة الاتصالات وصعوبة التنسيق بين مراكز القيادة والوحدات الميدانية، ممّا أفضى في مراحل بعينها إلى اضطرابٍ في صنع القرار، وتأخّرٍ في الاستجابة، واستنزافٍ في القدرة القتالية.

أمّا في الحرب الأخيرة، فقد سارت العمليات على جبهاتٍ متعدّدة في آنٍ واحد، وحافظت الوحدات على أدائها دون انقطاعٍ مطوّل، وظلّ التواصل بين الميدان والقيادة قائماً. وهذا يدلّ على أنّ الحزب أعاد هيكلة آليات اتصالاته وقيادته بصورةٍ ناجحة إلى حدٍّ بعيد.

حتى تحت الضغط الشديد وحدّة الضربات، كضربات 8 أبريل 2026، لم ينهار التنظيم العسكري، وأفلحت سلسلة القيادة في الحفاظ على تماسكها.

ومن أبرز مؤشّرات هذا التحوّل: الضبط الفعّال لإطلاق النار، والتناوب المنظّم للقوات، وإيصال الأسلحة إلى مواقع الخطوط الأمامية، بل وجمع وتوثيق ونشر مستمرّ للمشاهد الميدانية من الوحدات في أثناء المعارك. وعلى خلاف المرحلة السابقة التي كانت فيها تحرّكات القوات تتعرّض أحياناً للاضطراب تحت وطأة الحرب، تبدو هذه العمليات اليوم تسير وفق جداول زمنية مُحدّدة مسبقاً وأنماطٍ معيارية.

في النموذج الجديد، لا يُعدّ الهدف الأساسي إغراق الميدان بالأفراد، بل الحفاظ على مستوىً معيّن من الفاعلية القتالية ومنع استنزاف القوات العملياتية.

ويبدو أنّ أحد العوامل الجوهرية وراء هذا التحوّل هو سياسة القيادة الجديدة للحزب نحو مزيدٍ من المركزية في القيادة العسكرية: تقليص طبقات صنع القرار، وتمكين قادةٍ أصغر سنّاً وأكثر دافعيةً، ومتابعتهم عن كثب ومحاسبتهم على مهامّهم.

علاوةً على ذلك، ثمّة مؤشّراتٌ عدّة على أنّ حزب الله، بعد أن استخلص دروس حرب الإسناد وحرب الـ66 يوماً، أعاد هيكلة تنظيمه العسكري هيكلةً جذرية. فقد كان كلّ قائدٍ يتمتّع بقدرٍ من الصلاحية والتقدير الذاتي، وهو ترتيبٌ له مزاياه، لكنّه كان يُبطئ القرارات حين تكون السرعة أشدّ ما تكون ضرورة. وقد باتت الحركة الآن تُركّز الصلاحية تحت قيادةٍ موحّدة قادرة على تسريع القرارات الحاسمة وحماية تماسك القيادة.

في الوقت ذاته، وفي ما يبدو تناقضاً ظاهرياً، خفّف حزب الله من اعتماد الوحدات الميدانية على المركز وأعطى القادة في المستويات الوسطى صلاحياتٍ عملياتية أوسع، تُمكّنهم من اتخاذ القرارات وفق معطيات الميدان. وهذا ليس مجرّد تعديلٍ تكتيكي، بل يعكس فهماً جديداً لطبيعة الحرب المعاصرة.

الجودة على حساب الكمّية

في حربٍ استنزافية طويلة في مواجهة عدوٍّ يهيمن على الأجواء ويستهدف القوات والبنية التحتية باستمرار، يكون التنظيم الأنجح هو الأقدر على الحفاظ على فاعليته القتالية واستمرار إطلاق النار حتى لو تعرّضت القيادة المركزية للاضطراب.

يبدو حزب الله اليوم في طريقه نحو نموذجٍ تتقدّم فيه المرونة والصمود واستمرارية العمليات على المركزية المطلقة نموذجٌ تتقدّم فيه المهمّة على الهيكل. وقد أتاح هذا لبعض الوحدات الميدانية مواصلة عملها والحفاظ على إطلاق نارها تحت ضغطٍ شديد، دون انتظار أوامر مباشرة، بل ضمن أُطرٍ محدّدة مسبقاً.

ومن أبرز الدروس التي استخلصها حزب الله من الحرب السابقة إعادةُ النظر في كيفية استخدام الأفراد والأسلحة. يبدو أنّ المقاومة خلصت إلى أنّ النموذج القائم على تراكم القوات والحضور الميداني الواسع وتكثيف النيران في مواجهة إسرائيل ليس عديم الجدوى وحسب، بل قد يكون مُكلفاً بشكلٍ مُدمّر في الأرواح.

وعليه، بات الحزب يُقدّم الجودة قواتٌ محدودة لكن متخصّصة مجهّزة بأسلحةٍ دقيقة وفعّالة على الكمّية. في هذا المنطق، الإعداد يفوق التعداد.

الجودة والمهارة والمثابرة والفاعلية العملياتية باتت تتفوّق على القوّة العددية المجرّدة وإغراق الميدان بالوحدات.

ولهذا بالذات يقع العبء الرئيسي للحرب الراهنة على وحدات الطائرات المسيّرة وقوات الصواريخ ووحدات مكافحة الدروع و وحدات الطائرات المسيّرة ذات المنظور الشخصي الأوّل (FPV) الناشئة.

وعلى خلاف المرحلة السابقة، لم يعد حزب الله يُفضّل النشر الواسع للأفراد في مناطق القتال، بل يُؤثر إبقاء معظم قواته لا سيّما المشاة والوحدات غير المتخصّصة في الاحتياط، سواءً للحدّ من خسائره أو لضرب العمق المعادي بصورةٍ أشدّ فاعلية.

حرب الاستنزاف

غير أنّ التحوّل الأبعد أثراً قد يكمن في عقيدة القتال ذاتها.

في حرب 2024، كان المبدأ المحوري هو الدفاع عن الأرض وصدّ أيّ تقدّمٍ للعدو بأيّ ثمن، حتى على حساب خسائر فادحة. أمّا اليوم، فتُشير المؤشّرات إلى أنّ حزب الله انتقل نحو منطقٍ مغاير: فرض تكاليف متواصلة على العدو بكلّ الوسائل المتاحة.

هذا النهج القائم على الاستنزاف التدريجي وتراكم الخسائر في صفوف العدو يعكس إعادة تعريفٍ للنصر والهزيمة في الميدان. منع العدو من تثبيت موقعه بات أهمّ من منع احتلاله المؤقّت للأرض.

من هذا المنظور، لم يعد فقدان جزءٍ من الأرض يعني بالضرورة الهزيمة والإذلال. ما يهمّ أكثر هو أن يظلّ العدو عاجزاً عن تثبيت وجوده وعرضةً للاستنزاف المستمرّ.

وبهذا المنطق، حتى السقوط الكامل للمنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني لن يُشكّل بالضرورة هزيمةً استراتيجية نهائية.

مثل هذا السيناريو سيكون مؤلماً ومُكلفاً لحزب الله نفسياً وسياسياً لا شكّ. لكنّه، شأنه شأن ما جرى في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، قد يُعزّز في الوقت ذاته الشرعية الاجتماعية لمقاومة الاحتلال، ويُخفّف الضغط الداخلي على الحركة، ويُهيّئ شروط حربٍ استنزافية طويلة ومُكلفة ضدّ إسرائيل مبنيّة على نموذج الطائرات المسيّرة ذات المنظور الشخصي الأوّل.

في مثل هذه العقيدة، ستؤدّي هذه الطائرات الدور الذي أدّته العمليات الاستشهادية في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته.

إلى جانب هذه التحوّلات الهيكلية، أحدثت الحرب انتعاشاً ملموساً في معنويات القوات الميدانية وقاعدة المقاومة الاجتماعية.

بين حرب الـ66 يوماً والنزاع الراهن، واجه مقاتلو حزب الله وقاعدته الداعمة في لبنان جملةً من الضغوط النفسية والأضرار السمعية: الشعور بالإخفاق في حرب الإسناد، والخسائر الفادحة في حرب الـ66 يوماً، ومقتل مئاتٍ من عناصر الحزب خلال الهدنة التي امتدّت 15 شهراً، والغضب وخيبة الأمل التي أعقبت اغتيال المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي.

بيد أنّ هذه العوامل ذاتها تحوّلت على ما يبدو إلى مصادر دافعيةٍ لقاعدة الحزب وكوادره، وضغطٍ من القاعدة على القيادة للعودة إلى المواجهة مع إسرائيل.

وفي الوقت ذاته، أسهمت النتائج المرئية لإعادة بناء التنظيم العسكري على الميدان ولا سيّما من خلال مشاهد الطائرات المسيّرة التي نشرها الحزب في استعادة الثقة بالنفس ورفع الروح المعنوية وتعزيز صمود القاعدة الاجتماعية والهيكل التنظيمي معاً.

رغم كلّ هذه المكتسبات، لا يكمن التهديد الرئيسي الذي يواجهه حزب الله اليوم بالضرورة في الميدان، بل في الهشاشة الداخلية للبنان.

أزمة النازحين وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب مساعي بعض الفاعلين الداخليين بما فيهم الحكومة اللبنانية الراهنة لتأجيج التوتّرات السياسية والطائفية، قد تُقوّض أداء حزب الله الميداني وقدرته على مواصلة حرب استنزافٍ ناجحة.

وهكذا، فبينما تبدو مؤشّرات تكيّف حزب الله وإعادة بنائه الميداني واضحةً للعيان، يظلّ استدامة هذا الوضع رهينةً في نهاية المطاف بديناميكيات البيئة الداخلية اللبنانية بيئةٌ قد تثبت في المحصّلة أنّها أكثر حسماً من جبهة القتال ذاتها.

أخبار ذات صلة

Loading...
خريطة توضح موقع كشمير في باكستان، مع إبراز العاصمة إسلام أباد، وتظهر الحدود مع الهند وأفغانستان.

اشتباكات في كشمير تحت الإدارة الباكستانية تودي بحياة 7 أشخاص قبل احتجاجات مخطط لها

تشتعل كشمير مجددًا بمواجهات دامية، حيث أسفرت عن مقتل 7 أشخاص قبل تظاهرة احتجاجية تطالب بحقوق سياسية. هل ستنجح الأصوات المطالبة بالتغيير؟ تابعوا التفاصيل المثيرة في هذا المقال.
سياسة
Loading...
دونالد ترامب يعبر عن قلقه بشأن التصعيد بين إيران وإسرائيل، داعياً إلى وقف إطلاق النار في ظل التوترات المتزايدة.

ترامب يطالب إيران وإسرائيل بـ"وقف إطلاق النار فوراً"

تتسارع الأحداث في الشرق الأوسط، حيث دعا الرئيس الأمريكي ترامب إيران وإسرائيل إلى وقف إطلاق النار الفوري، في ظل تصعيد حاد يهدد الهدنة الهشة. هل ستنجح جهود السلام أم ستتفاقم الأزمة؟ تابعوا التفاصيل الجديدة في هذا المقال.
سياسة
Loading...
رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان يتحدث للصحفيين بعد فوزه في الانتخابات التشريعية، محاطاً بكاميرات الإعلام.

نيكول باشينيان يعلن فوزه في الانتخابات البرلمانية الأرمينية

فاز رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بانتخابات تشريعية تاريخية، محققًا نسبة 49.81% من الأصوات. هل سيتجه نحو أوروبا ويبتعد عن موسكو؟ تابعوا التفاصيل المثيرة حول مستقبل أرمينيا السياسي!
سياسة
Loading...
زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى كوريا الشمالية، حيث يلتقي الزعيم كيم جونغ أون، تعكس تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين.

شي جينبينغ يصل كوريا الشمالية لمحادثاتٍ استراتيجية مع كيم جونغ أون

في زيارة نادرة، وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى بيونغ يانغ لتعزيز النفوذ الصيني على كوريا الشمالية. هل ستعيد هذه الزيارة تشكيل العلاقات في ظل التوترات مع الولايات المتحدة؟ تابعوا التفاصيل المثيرة!
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية