وورلد برس عربي logo

محمد باقر قاليباف بين الدبلوماسية والتحديات السياسية

محمد باقر قاليباف بين صراعات التيار المتشدّد ودبلوماسية مع واشنطن يسعى لإنقاذ إيران من المواجهة عبر تحالف استراتيجي مع المرشد مجتبى خامنئي ودور محوري في السياسة والأمن. اكتشف التفاصيل في وورلد برس عربي.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني والمفاوض الرئيسي، يرتدي زيًا عسكريًا أمام أعلام الجمهورية الإسلامية في جلسة رسمية.
رئيس مجلس النواب الإيراني محمد باقر قاليباف، مرتديًا زي الحرس الثوري، يترأس جلسة في طهران بتاريخ 1 فبراير 2026 (وكالة أنباء مجلس الشورى الإسلامي/أ ف ب/صورة خاصة)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

يقف محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني والمفاوض الرئيسي في المحادثات مع الولايات المتحدة، أمام ما يُرجَّح أنه أعسر اختبارٍ سياسي في مسيرته الطويلة.

فهذا المحافظ العتيق، القائد السابق في الحرس الثوري الإسلامي، يسعى اليوم إلى إخراج الجمهورية الإسلامية من مواجهتها مع واشنطن عبر الدبلوماسية، في حين يتصدّى لهجماتٍ شرسة يشنّها عليه التيار المتشدّد الذي يتّهمه بالتفريط في أوراق الضغط الاستراتيجية الإيرانية.

وصف مصدرٌ سياسي رفيع تحدّث بشرط عدم الكشف عن هويّته قاليبافَ بأنه «براغماتيٌّ محافظ» يُؤثر إصلاح العلاقات مع الغرب مع الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الصين. وقال المصدر: «غرائزه في السياسة الخارجية تُشبه غرائز الرئيس المعتدل السابق حسن روحاني، غير أنه، خلافاً لروحاني، حريصٌ على ألّا يُنفّر القاعدة المحافظة للجمهورية الإسلامية».

وأشار المصدر ذاته إلى أن المرشد الأعلى الحالي مجتبى خامنئي يتقاسم إلى حدٍّ ما هذه الرؤية الاستراتيجية، وهو ما أسهم في ترسيخ التحالف بين الرجلين. وأضاف: «لو لم تكن تجمعهما رؤيةٌ واحدة وعقليّةٌ متقاربة، لما صمد هذا التحالف طويلاً»، مشيراً إلى أن العلاقة بين قاليباف ومجتبى خامنئي تعمّقت تدريجياً منذ مطلع الألفية الثالثة. وقال: «أصبحا تدريجياً فريقاً سياسياً واحداً»، مستدلاً على ذلك بظهوراتٍ علنية نادرة جمعت الاثنين في صورٍ التُقطت لهما جالسَين جنباً إلى جنب خلال خطب المرشد الأعلى السابق علي خامنئي.

وبحسب المصدر، أتاح هذا التحالف لقاليباف الصمودَ في وجه الضغوط المتصاعدة من التيار المتشدّد منذ انطلاق المفاوضات مع الولايات المتحدة. وكشف أنه «في أعقاب الجولة الأولى من المحادثات التي جرت في إسلام آباد، لجأ المتشدّدون إلى مجتبى متّهمين قاليباف بتجاوز الخطوط الحمراء الإيرانية»، غير أن المسعى باء بالفشل، إذ واصل مجتبى دعمه لقاليباف وعيّنه لاحقاً ممثّلاً خاصاً للجمهورية الإسلامية لدى الصين، وهو تعيينٌ يكشف عن حجم الثقة التي يحظى بها قاليباف من المرشد الجديد.

ركيزةٌ في المنظومة الأمنية الإيرانية

بيد أن المسار العسكري والسياسي لقاليباف لم يكن يُنبئ بأنه سيجد نفسه يوماً في مواجهة غضب المحافظين بسبب سعيه إلى حلٍّ دبلوماسي للحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل في نهاية فبراير الماضي.

فهذا المحارب المخضرم في حرب الخليج الأولى انضمّ إلى الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) حين كان في مطلع عشرينياته، وخاض المعارك في الخطوط الأمامية حيث فقد أخاه. وقد دفع سجلّه الميداني بمساره نحو الصعود السريع في السلّم العسكري، حتى تقلّد في التسعينيات عدّة مناصب قيادية رفيعة في الحرس الثوري قبل أن يُعيَّن قائداً لسلاح الجوّ فيه.

ومن أبرز محطّات مسيرته العسكرية، احتجاجات الطلاب في يوليو 1999، حين فضّت قوّات الأمن بالقوّة مظاهراتٍ اندلعت على خلفية إغلاق صحيفة «سلام» الإصلاحية. وكان قاليباف بوصفه قائداً لسلاح الجوّ في الحرس الثوري من بين 24 قائداً رفيعاً وقّعوا رسالةً حادّة اللهجة حذّرت الرئيس محمد خاتمي آنذاك من التساهل مع استمرار الاضطرابات. وكشف قاليباف لاحقاً أنه هو والقائد الراحل لفيلق القدس قاسم سليماني صاغا تلك الرسالة وجمعا التواقيع عليها.

وبعد عامٍ واحد، وهو في التاسعة والثلاثين من عمره فحسب، عُيِّن رئيساً لقوّات إنفاذ القانون الإيرانية (ناجا)، ليصبح أحد أصغر المسؤولين الأمنيين الكبار في تاريخ البلاد. ثم تولّى لاحقاً رئاسة مقرّ مكافحة التهريب في عهد الرئيس خاتمي.

وخلال توليّه منصب رئيس الشرطة، دفع قاليباف بمشاريع تحديثٍ طموحة، من بينها تجهيز القوّة بمركباتٍ مستوردة، وهو ما وصفه لاحقاً بأنه من أبرز إنجازاته.

بعد ذلك، انتقل قاليباف من العمل العسكري إلى المنافسة الانتخابية، فخاض ثلاث حملاتٍ رئاسية؛ مُني بالهزيمة في 2005 و2013، ثم انسحب عام 2017 لصالح إبراهيم رئيسي لتوحيد الأصوات المحافظة. وبحسب مصدرٍ سياسي تحدّث بشرط عدم الكشف عن هويّته، كان قاليباف يعتزم الترشّح في الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها عام 2009، لكن المرشد الأعلى علي خامنئي طلب منه عدم الدخول في السباق. وأفاد المصدر بأن قاليباف وضع بدلاً من ذلك بنيته الانتخابية تحت تصرّف المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي في مواجهته مع المرشح القائم محمود أحمدي نجاد، الذي كان يعارضه محافظون آخرون.

وقد شكّلت علاقة قاليباف الوثيقة بسليماني منعطفاً في مساره السياسي أيضاً. فوفق مصدرٍ محافظ مطّلع على طبيعة تلك العلاقة، دعم سليماني سرّاً ترشّح قاليباف الرئاسي عام 2013، وهو تدخّلٌ نادر من قائد فيلق القدس الراحل الذي اشتُهر بابتعاده عن الشأن السياسي الداخلي. وأشار المصدر إلى أن الرجلين كانا على درجةٍ من القرب بحيث سكنا في المبنى السكني ذاته في طهران لفترةٍ من الزمن.

وعلى امتداد مسيرته السياسية، أعاد قاليباف تشكيل صورته العامة مراراً. ففي حملته الرئاسية الأولى، أبرز مؤهلاته الأكاديمية وخبرته طيّاراً. أما في الحملات اللاحقة، فقد تبنّى لقب «المدير الجهادي»، و هو مصطلحٌ في الخطاب السياسي الإيراني يُشير إلى المسؤول الميداني ذي الطابع الثوري الذي يُركّز على الكفاءة والإنجاز. ومع ذلك، ظلّت خلفيّته العسكرية محوراً ثابتاً في هويّته العامة؛ ففي مناظرات 2013 الرئاسية، لخّص منافسه المعتدل حسن روحاني الفارق بينهما في عبارةٍ لافتة: «أنا لستُ عقيداً، أنا محامٍ»، ليُقدّم نفسه دبلوماسياً لا رجلَ أمن.

وبعد هزيمته الرئاسية الأولى عام 2005، انتُخب قاليباف عمدةً لطهران، وظلّ في المنصب 12 عاماً، ليصبح أطول عمداء العاصمة خدمةً في تاريخها.

دعمٌ من الإصلاحيين

على الرغم من سجلّه المحافظ الراسخ، بات قاليباف اليوم أحد الأهداف الرئيسية للتيار المتشدّد في إيران. فوفق مصادر سياسية رفيعة، كان يصطدم باستمرار مع الرئيس المحافظ الراحل إبراهيم رئيسي في ملفّاتٍ سياسية كبرى، فيما لم تتوقّف وسائل الإعلام المحسوبة على رئيسي عن مهاجمته. وبرز جبهة «بايداري» (الصمود) بوصفها من أشرس خصومه.

ومع اقتراب إيران والولايات المتحدة من إبرام مذكّرة تفاهم (MoU) بهدف إنهاء الحرب، انسكب الرفض المتشدّد إلى الشوارع، إذ خرج محتجّون في طهران ومشهد منددين بالاتفاق المقترح ومتّهمين قاليباف و وزير الخارجية عباس عراقجي بالخيانة. وفي ميدان ابن سينا بطهران، هتف المحتجّون: «عراقجي يا بي حيا، اتركِ البلد وشأنه»، و«قاليباف، عراقجي، ماذا عن دم قائدي؟»، فيما طالب آخرون باستقالة الرجلين.

وقرأ محمود نبويان، نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، علناً ما ادّعى أنه نصّ مذكّرة التفاهم المقترحة، وانتقد عدداً من بنودها. في المقابل، حذّرت صحيفة «جوان» المقرّبة من الحرس الثوري من أن الخلافات السياسية تتسرّب إلى الشارع، بينما اتّهم حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان» المحافظة، قاليبافَ وعراقجي بالتفريط في أحد أبرز الأوراق الاستراتيجية الإيرانية بقبولهما عدم إغلاق مضيق هرمز.

وقال أمير حسين صبتي، عضو البرلمان المقرّب من جبهة بايداري، أن آراء مجتبى خامنئي أُهملت خلال مفاوضات إسلام آباد، ورفض ما وصفه بـ«الوحدة الزائفة». وبعد استئناف الأعمال العدائية في يوليو، الذي أعلن انهيار مذكّرة التفاهم الموقّعة في 17 يونيو، صعّد صبتي لهجته مطالباً قاليباف والرئيس مسعود بزشكيان إما بالوفاء بوعودهما بإنهاء الحرب ورفع العقوبات عبر التفاوض، أو الاعتراف صراحةً بفشل استراتيجيتهما.

في المقابل، جاء دعمٌ من حيث لم يكن متوقّعاً: أعلن الإصلاحيون، الذين طالما كانوا في صفوف منتقدي قاليباف، تأييدهم العلني لجهوده التفاوضية. ونقل موقع «انتخاب» الإصلاحي البارز عن أستاذٍ جامعي قوله: «يا سيد قاليباف، امضِ قُدُماً. المجتمع بأسره يقف خلفك. لا تُبالِ بأقلّية».

وقال ناشطٌ إصلاحي تحدّث بشرط عدم الكشف عن هويّته إن قرار دعم قاليباف نبع من قناعةٍ بأن إيران تحتاج إلى تجاوز منطق المواجهة والتوصّل إلى اتفاقٍ مع الولايات المتحدة، مضيفاً: «البلد بحاجةٍ إلى صفقة تُتيح له البقاء والعودة إلى مسار التنمية الاقتصادية».

تكشف الحملة ضدّ قاليباف عن تحوّلٍ سياسي لافت. فالرجل الذي كان يُعدّ في يومٍ ما من أبرز قادة المنظومة الأمنية للجمهورية الإسلامية، يجد نفسه اليوم في طليعة من يسعون إلى حلٍّ دبلوماسي لأحد أشدّ المواجهات الإيرانية خطورةً، في مواجهةٍ مع أعتى المقاومة من داخل معسكره المحافظ نفسه. ويكشف هذا التحوّل عن مفارقةٍ عميقة في موقعه الراهن: الشخص الذي وقف يوماً في صفّ المنظومة الأمنية في مواجهة الإصلاحيين، يتلقّى اليوم دعمهم بسبب مساعيه الدبلوماسية مع واشنطن.

أخبار ذات صلة

Loading...
طفل يقف على شاطئ بندر عباس مع دراجته، يراقب السفن البعيدة في بحر هرمز وسط أجواء الركود الاقتصادي والحصار الأمريكي.

ميناء إيراني يعاني من تشديد العقوبات الأمريكية

في بندر عباس، الحصار الأمريكي قلب حياة السكان رأساً على عقب، فانهار النشاط التجاري وتقلصت فرص العمل وسط مخاوف من أمن البحر. اكتشف كيف يؤثر هذا الواقع على الاقتصاد المحلي وسبل الصمود في مواجهة الأزمة. اقرأ المزيد الآن!
الحرب على إيران
Loading...
وزراء مالية مجموعة العشرين يجتمعون في Asheville لمناقشة النمو الاقتصادي والعقوبات على إيران وسط توترات تجارية عالمية.

تحركات Bessent الدبلوماسية: G20 تجتمع لتوحيد الموقف من إيران وسط توترات التعريفات

في ظل أجواء مشحونة، يجتمع وزراء مالية مجموعة العشرين في Asheville لمناقشة النمو الاقتصادي والعقوبات على إيران وسط تحديات ديون ضخمة وتوترات مع الصين. اكتشف تفاصيل الصراع وتأثيره على الاقتصاد العالمي.
الحرب على إيران
Loading...
محمد باقر قاليباف يتحدث في مؤتمر صحفي خلال مراسم الأربعين في كربلاء، مؤكدًا تعزيز العلاقات الإيرانية العراقية رغم الضغوط الأمريكية والعقوبات الاقتصادية.

إيران تتوعّد بمواجهة تدخّل الأعداء الأجانب مع تهديدات ترامب بعقوباتٍ جديدة

تصريحات رئيس البرلمان الإيراني في كربلاء تؤكد أن محاولات تفتيت العلاقة مع العراق تزيد الترابط، وسط تصاعد العقوبات الأمريكية وتأثيرها على أسواق الطاقة. اكتشف كيف يواجه الطرفان التحديات معًا. اقرأ المزيد الآن.
Loading...
وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت يتحدث في مؤتمر صحفي حول فرض أشد العقوبات الاقتصادية على إيران وسط تصاعد التوترات في مضيق هرمز.

الولايات المتحدة تتوعّد إيران بعقوباتٍ جديدة والأسعار تقفز

تصاعد العقوبات الأمريكية على إيران يهدد الاقتصاد العالمي وسط توتر في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط. اكتشف كيف تؤثر هذه التوترات على السوق العالمي واطلع على السيناريوهات المقبلة الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية