تحولات نفطية كبرى تعيد رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط
تتسارع دول الخليج في بناء خطوط أنابيب جديدة لتجاوز مضيق هرمز وتأمين صادرات النفط العالمية. السعودية والإمارات تبرزان كقوتين محوريّتين بينما تواجه الكويت والبحرين تحديات جغرافية واقتصادية كبيرة وورلد برس عربي.

طرأ تحوّلٌ لافت على خرائط البنية التحتية لأسواق الطاقة في الشرق الأوسط: موجة من مشاريع خطوط الأنابيب تمتدّ من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر وخليج عُمان، تدفع إليها دول النفط العربية في سعيٍ متسارع للالتفاف حول مضيق هرمز، حيث تخوض إيران معركةً للسيطرة على تدفّقات الطاقة العالمية.
يرى الخبراء أن عشرات المليارات من الدولارات ستُضخّ في السنوات المقبلة لتجاوز هذه النقطة الحيوية التي تتصارع عليها الولايات المتحدة وإيران. وعلى الرغم من أن المنطقة تحمل في سجلّها تاريخاً من المشاريع الكبرى التي تتلاشى قبل اكتمالها، فإن المؤشّرات هذه المرّة تشير إلى أن الالتزامات بإعادة رسم مسارات النفط جادّة وحقيقية.
قال أرتيم أبراموف، نائب رئيس قسم التحليل في Rystad Energy : "حين نتحدّث إلى عملائنا في المنطقة، يقولون إنهم لا يريدون أن يمرّوا بهذا مجدّداً. هذه المشاريع ستمضي قُدُماً."
تعمل الإمارات حالياً على إنشاء خطّ أنابيب ثانٍ يصل إلى ميناء الفجيرة، بهدف مضاعفة طاقتها التصديرية بحلول عام 2027 متجاوزةً مضيق هرمز. في المقابل، وقّع العراق ثاني أكبر منتج في أوبك اتفاقيةً مع سوريا في يوليو لإعادة تأهيل خطّ أنابيب يربط حقوله النفطية الشمالية بالساحل السوري على البحر المتوسط.
أمّا خطّ الأنابيب السعودي الشرق-غرب، فقد بات نموذجاً يُحتذى به في المنطقة، إذ ينقل النفط الخام من الساحل الخليجي إلى البحر الأحمر. وتدرس الرياض خياراتٍ لرفع طاقته الاستيعابية، في خطوةٍ تُقلّص اعتمادها على مضيق هرمز.
غير أن إعادة رسم مسارات النفط هذه تُفرز بالفعل رابحين وخاسرين.
«الكويت والبحرين الأكثر خسارة»
رسّخت الحرب مكانة السعودية والإمارات بوصفهما القوّتين المحوريّتين والمنتجَين الأكثر موثوقيةً في المنطقة، في حين كشفت عن هشاشة الدول الأصغر كالكويت والبحرين.
قال غريغوري برو، المحلّل الأول في Eurasia Group المتخصّص في ملفَّي الطاقة وإيران : "الإمارات والسعودية ستجنيان أكبر المكاسب. الكويت والبحرين الأكثر خسارة."
وتتحكّم الجغرافيا في هذه المعادلة إلى حدٍّ بعيد. فالكويت، التي كانت تاريخياً مرتبطةً بولاية البصرة العثمانية، تقع عند الطرف الشمالي لهرمز وتعتمد على هذا الممرّ في ما يقارب كامل صادراتها النفطية. والبحرين بدورها مملكةٌ جزيريّة لا يربطها بالعالم الخارجي براً سوى جسرٌ مع المملكة العربية السعودية.
والجغرافيا هي التي ترسم اتجاه تدفّق النفط. العراق نموذجٌ صارخ على ذلك: نحو 70% من صادراته النفطية تاريخياً تتجه نحو آسيا، بفعل اعتماده على ميناء البصرة المفتوح على الخليج العربي وصولاً إلى مضيق هرمز.
يضمّ تكتّلٌ يشمل شركة Chevron الأمريكية، وشركة TI Capital ومقرّها لوس أنجلوس، والأخوَين الخيّاط رجال الأعمال السوريّين-القطريّين خطّةً لإعادة تأهيل خطّ أنابيب قديم كان يربط العراق بميناء بانياس السوري على البحر المتوسط. بيد أن اكتمال هذا المشروع سيوجّه النفط العراقي على الأرجح نحو الأسواق الأوروبية لا الآسيوية؛ إذ لا تستطيع ناقلات النفط العملاقة (VLCCs)، التي تجعل تكلفة الشحن إلى آسيا مجدية اقتصادياً، العبور عبر قناة السويس، فيما يبقى الطريق الطويل حول أفريقيا مُكلفاً.
قال برو: "العراق يريد اختراق السوق الآسيوية، لكن هذا الخطّ سيوجّه نفطه إلى أوروبا. قدرته على تحقيق عائدات ضخمة من ذلك السوق ستكون محدودة."
المنتجون الخليجيون الذين خرجوا أقوى من هذه المعادلة هم السعودية والإمارات، لأن موقعهما الجغرافي يتيح لهما تجاوز هرمز مع الإبقاء على وصولهما إلى الأسواق الآسيوية الكبرى.
«أموال جادّة ستُنفَق»
بلغ إنتاج الإمارات من النفط مستوىً قياسياً في يونيو، بمتوسّط 4.1 مليون برميل يومياً. وقد حافظت على تدفّق صادراتها عبر مضيق هرمز بحراً، وعبر خطّ أنابيب ينتهي عند ميناء الفجيرة الواقع خارج نطاق المضيق، بطاقة تصل إلى 1.8 مليون برميل يومياً. وتعتزم الإمارات مضاعفة هذه الطاقة بخطٍّ جديد بحلول 2027.
كذلك تدرس شركة بترول أبوظبي الوطنية (ADNOC) إنشاء خطّ أنابيب ثالث لنقل المنتجات النفطية المكرَّرة كوقود الطائرات والبنزين والديزل إلى الفجيرة، وفق ما أفاد نائب رئيس الشركة الشهر الماضي.
قال أبراموف : "المنطقة تمتلك سجلّاً حافلاً في إنجاز هذه المشاريع البنية التحتية الضخمة بسرعة. هي لا تحتاج دائماً إلى مبرّرٍ اقتصادي بحت."
وأفاد بن كاهيل، الزميل الأول في Atlantic Council بواشنطن، بأن هذه الموجة من مشاريع الالتفاف حول هرمز قد تبلغ مجتمعةً عشرات المليارات من الدولارات. وقال : "هذه الأنابيب مكلفة وتنطوي على تعقيدات جيوسياسية، لكن دول الخليج ستنفق أموالاً جادّة مقابل خيارات احتياطية. هذا اتجاهٌ راسخ، وستكون هناك مساهمات من صناديق الثروة السيادية ومستثمري البنية التحتية على الأرجح."
وصاغ غريغ بريدي، الخبير في الطاقة لدى Center for the National Interest، الأمر بعبارةٍ أكثر مباشرة : "ما كان يبدو رهاناً استثنارياً بخمسة أو عشرة مليارات دولارات، بات اليوم ضرورةً لا خياراً."
توسّع موانئ البحر الأحمر
خطّ الأنابيب الشرق-غرب السعودي، الذي شُيِّد في الثمانينيات وطُوِّر لاحقاً، يمتدّ من حقل أبقيق على الساحل الخليجي الشرقي للمملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وقد أتاح للرياض تصدير نحو أربعة ملايين برميل يومياً. وكانت صادرات المملكة قبيل الحرب تحوم فوق سبعة ملايين برميل يومياً بقليل.
والإشارة الجديرة بالانتباه هنا أن عائدات النفط السعودية سجّلت أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات خلال مارس، على الرغم من انخفاض حجم الصادرات، مدفوعةً بارتفاع الأسعار.
تشير تقديرات الدبلوماسيين والمحلّلين إلى أن الرياض تسعى فعلياً لتوسيع طاقة الخطّ. وأفادت وكالة Reuters هذا الشهر بأن المملكة تدرس رفع الطاقة بمقدار مليوني برميل يومياً إضافيَّين.
قال أبراموف : "تقديرنا أن السعودية ستحتاج إلى إنشاء خطٍّ موازٍ لتحقيق ذلك."
لكن الاختناق الحقيقي يقع عند ميناء ينبع، الذي يحتاج إلى ترقيةٍ لاستيعاب أكثر من ناقلتَي نفط عملاقتَين في آنٍ واحد، وفق ما أوضح أبراموف.
وقد يُفضي بناء شبكة أنابيب جديدة إلى تعزيز النفوذ الإقليمي للسعودية والإمارات. ففي يونيو، أعلنت الكويت أنها تبحث في إمكانية مدّ خطّ أنابيب يربطها بالمملكة العربية السعودية. وقال الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية الشيخ نواف الصباح في فعاليةٍ نظّمها Atlantic Council في يونيو: "نجري مناقشاتٍ مع إخواننا في السعودية والإمارات للنظر في كيفية توسيع منظومة الأنابيب لديهم لاستيعاب البراميل الكويتية."
بناء الأنابيب ليس أمراً بالغ التعقيد تقنياً، لكن المنطقة تفتقر إلى سجلٍّ ناجح في التعاون على مثل هذه المشاريع باستثناء خطّ Dolphin الذي ينقل الغاز القطري إلى الإمارات وعُمان.
وقال برو : "الكويت والبحرين ستحتاجان إلى اتفاقيات عبور وصفقات لتقاسم العائدات مع السعودية والإمارات. هذا سيزيد من نفوذ الأخيرتَين."
أمّا قطر، المصدِّرة للغاز الطبيعي المسال، فمن المرجّح أن تبقى رهينةً شبه تامّة لمضيق هرمز، وفق ما يرى المحلّلون.
«ميزان الحرب يميل للهجوم»
لكنّ خطوط الأنابيب الجديدة لن تُغني عن إطارٍ أمني شامل يتعامل مع الملفّ الإيراني. الحرب الروسية-الأوكرانية تقدّم درساً بليغاً هنا: دمّرت أوكرانيا قدرةً كبيرة من طاقة التكرير الروسية بضربات مسيَّرات وصواريخ. ومنشآت النفط الخليجية أقرب بكثير إلى إيران مقارنةً بما هو عليه الحال بين موسكو وأوكرانيا.
قال بريدي : "التحفّظ على كلّ هذه المسارات البديلة هو أنها لا تزال عرضةً للصواريخ والمسيَّرات الإيرانية. ميزان الحرب انحاز بوضوح نحو الهجوم بعيداً عن الدفاع، ما يجعل حماية هذه الأصول أمراً عسيراً. الفجيرة مثالٌ جليّ؛ قربها من إيران يجعلها في مرمى ضربةٍ دقيقة."
والسعودية، الأكثر نجاحاً في تجاوز هرمز، تُجسّد هذه الهشاشة بنفسها. فقد أعلن الحوثيون، المرتبطون بإيران، حصاراً على الشحن السعودي هذا الأسبوع، وعادت ما لا يقلّ عن ثماني ناقلات أدراجها في البحر الأحمر بدلاً من المجازفة بالعبور عبر مضيق باب المندب.
وكانت إدارة Trump قد استهانت بقدرة إيران على فرض سيطرتها على هرمز حين شنّت هجماتها على الجمهورية الإسلامية جنباً إلى جنب مع إسرائيل في فبراير. لكنّ بعض المحلّلين والدبلوماسيين يرون اليوم أن إيران ربّما تُسرف في استخدام أوراقها في المضيق. فعلى الرغم من توقيعها هدنةً مع الولايات المتحدة أتاحت لها إعفاءً حيوياً من العقوبات، شنّت إيران هجماتٍ على سفن سعودية وإماراتية وقطرية تعبر هرمز عبر المياه الإقليمية العُمانية في وقتٍ سابق من هذا الشهر. ومنذ ذلك الحين، تصاعد القتال مع شنّ إيران هجماتٍ على الكويت والبحرين والأردن.
وأفاد دبلوماسيٌّ غربي مطّلع على الملفّ اليمني بأن قرار الحوثيين إعلان الحصار على الموانئ السعودية جاء تحت ضغطٍ إيراني مكثّف، مضيفاً: "إيران ربّما أسرفت في استخدام أوراقها في مضيق هرمز. ستحتاج إلى التصعيد بأساليب جديدة لفرض نفسها."
ما قد لا يظهر في العنوان هو أن الإشارة الأضعف هنا ليست في الأنابيب ذاتها، بل في السؤال الذي يطرحه كلّ هذا الإنفاق: هل تُعيد دول الخليج رسم خرائط الطاقة لأنها تثق بأن الوضع سيستقرّ، أم لأنها باتت تُسلِّم بأنه لن يستقرّ؟ الفارق بين الإجابتَين يرسم سيناريوهات مختلفة تماماً لمستقبل المنطقة.
أخبار ذات صلة

تحوّل استراتيجي: منتجو النفط الخليجيون يسرّعون خطط تجاوز مضيق هرمز

المغرب بلا غاز.. فكيف باع العالم خطّ أنابيب بـ 25 مليار دولار؟

العراق وسوريا يوقّعان اتفاقاً لتأهيل خط أنابيب نحو المتوسط، تجاوزاً لمضيق هرمز
