نشاط زلزالي جديد يكشف أسرار صدوع وادي مارينر على المريخ
كشف جديد يؤكد أن صدوع وادي مارينر على المريخ ما زالت نشطة بعد رصد هزّة قوية بدأت من صدع عميق تحت الوادي. دراسة تكشف حركة تكتونية مستمرة في أعمق مناطق الكوكب وتفتح آفاق لفهم النشاط الزلزالي في الأجرام الأخرى وورلد برس عربي.

تفيد دراسة جديدة بأن الصدوع المطمورة تحت وادي مارينر (Valles Marineris) على المريخ ما زالت نشطة، وأن هزّة مريخية رُصدت عام 2021 بدأت على صدع تحت هذا الوادي. ولم يأتِ الدليل من مركبة تعمل اليوم على سطح الكوكب، بل من إعادة تحليل بيانات سجّلها مسبار InSight التابع لوكالة ناسا، وقد انتهت مهمته.
كيف تتبّع الباحثون هزّة واحدة إلى مصدرها؟
رصد InSight، الذي وصل إلى المريخ عام 2018، الهزّة المسمّاة S0976a في 25 أغسطس 2021. بلغت قوتها 4.2 درجة، وكانت وقتها الأقوى التي يسجّلها InSight أو أي مسبار هبط على المريخ. ثم جاءت في مايو 2022 هزّة بقوة 4.7 درجة تجاوزتها، فصارت S0976a ثاني أقوى هزّة مسجّلة.
حدّد الباحثون أن الهزّة نشأت في النصف الغربي من وادي مارينر، أي في الجهة المقابلة لموقع المسبار من الكوكب. وتتبّعوها إلى صدع يقع تحت الوادي، ورجّحوا أن سببها حركة تكتونية على صدع مخفي في القشرة. وقدّروا أن الحركة وقعت على عمق يتراوح بين 20 و40 كيلومتراً (من 12 إلى 25 ميلاً) تحت الوادي.
وصنّف الفريق الهزّة على أنها من نوع الانزلاق الأفقي (slip-strike)، وهو نمط تتحرك فيه القشرة أفقياً. ووصف الباحثون ذلك بأنه حالة «تتحرك فيها كتل من القشرة أفقياً بعضها بمحاذاة بعض على طول صدع شديد الانحدار وعميق الجذور».
ولم يكتفِ الفريق بتفسير واحد. فقد حاكى الباحثون سيناريوهين بديلين، هما اصطدام كويكب وانهيار أرضي داخل الوادي، ولم يفسّر أيٌّ منهما الأنماط الزلزالية التي سُجّلت. ويقول Jung-Hun Song، المؤلف الأول للدراسة: «ما يجعل النتيجة مقنعة هو أن عدة أنواع مختلفة تماماً من الأدلة تشير إلى الاتجاه نفسه».
نُشرت الدراسة في 15 أكتوبر في مجلة Nature Communications بعنوان «Active crustal straining and fault reactivation at Valles Marineris». وتذكر المجلة في توثيقها عام 2026 والمجلد 17 والعدد 1، ورقم المعرّف الرقمي 10.1038/s41467-026-78193-6 (يمكن الاطلاع عليها عبر الرابط الرسمي للدراسة). والمؤلفون المدرجون هم Song وKim وKolawole وDavis وParry وMaguire.
لماذا يُعدّ نشاط الصدوع هناك مفاجأة؟
يتألف وادي مارينر من شبكة أخاديد ومنحدرات يصل طولها إلى 4,000 كيلومتر (2,500 ميل). وهو أطول من غراند كانيون في أريزونا بنحو 10 مرات، وأعرض منه حتى 20 مرة، وأعمق بخمسة أضعاف. وقد يستغرق التسلق من قاعه إلى الحافة شهرين تقريباً. وسُمّي الوادي نسبةً إلى المسبار Mariner 9 الذي أسهم في اكتشافه عام 1971. ويقع قربه إقليم ثارسيس (Tharsis) الذي يضم براكين المريخ العملاقة، ومنها أوليمبوس مونس (Olympus Mons) الذي يبلغ ارتفاعه ثلاثة أضعاف ارتفاع إيفرست على الأقل.
وتكمن المفاجأة في أن المريخ كوكب هادئ نسبياً. فبحسب وكالة الفضاء الأوروبية، لم يتغير سطحه كثيراً منذ قرابة 3 مليارات سنة. وهو أصغر من الأرض، ولذلك برد لبّه وغلافه الوشاحي أسرع وصارا أقل حيوية. وليس للمريخ صفائح تكتونية، فقشرته الخارجية سليمة في معظمها وتغطي داخله المنصهر الآخذ في البرودة. والصدوع المريخية بالتالي شقوق في القشرة، وليست حدوداً بين صفائح. وقد كان المريخ نشطاً جيولوجياً في الماضي، وربما بدرجة تفوق الأرض، لكن الباحثين لم يؤكدوا قبل هذه الدراسة أن صدوع وادي مارينر ما زالت نشطة.
ويقول Song، وهو باحث في قسم علوم الأرض والهندسة بكلية إمبريال كوليدج لندن: «وادي مارينر من أروع التكوينات الجيولوجية في المجموعة الشمسية، لكننا لم نكن نعرف بيقين حتى الآن أن صدوعه ما زالت نشطة». ويضيف: «ما نراه أن هذا ليس مجرد مشهد أحفوري (ميت)، فالصدوع العميقة تحت الوادي ما زال بإمكانها أن تنزلق وتولّد هزّات مريخية، بعد زمن طويل من توقف العمليات الجيولوجية التي شكّلتها».
ويرى Song أن النتيجة تتجاوز المريخ، إذ يقول: «دراستنا تفتح إمكانات مثيرة لاكتشاف نشاط زلزالي مستمر على أجرام كوكبية أخرى قد نعدّها لولا ذلك خاملة جيولوجياً».
ولا تعني الدراسة أن الوادي يشهد هزّات متكررة. فمعظم الهزّات المريخية التي سُجّلت كانت ارتجافات طفيفة ناتجة عن اصطدام نيازك قرب المسبار. وخلاصة الفريق أن الهزّة S0976a بدأت على الأرجح من صدع عميق، بعد استبعاد تفسيرين آخرين بالمحاكاة.
ماذا تضيف الهزّة إلى معرفتنا بباطن الكوكب؟
للهزّة قيمة ثانية غير مصدرها، كما تقول Doyeon Kim، المشاركة في الدراسة ورئيسة مختبر علم الزلازل الأرضية والكوكبية في إمبريال كوليدج لندن: «تبيّن أن S0976a حدث استثنائي». وتشرح أن موجات الهزّة اجتازت لبّ المريخ، وهو ما أتاح للباحثين دراسة أعمق جزء في الكوكب. وتتابع: «موجاتها اجتازت اللبّ وساعدتنا على استكشاف أعمق جزء من المريخ، والآن تخبرنا بما جرى عند المصدر نفسه. من هزّة مريخية واحدة نستطيع أن نتعلم عن مركز الكوكب وعن صدع نشط تحت أحد أروع مناظره الطبيعية».
وليست هذه المرة الأولى التي تفيد فيها اهتزازات المريخ العلماء. فقد ساعدت الاهتزازات التي سجّلها InSight في رسم خريطة لباطن الكوكب. وكشفت بياناته عن عشرات من بقايا الكواكب الأولية القديمة، وعن سبب محتمل لاختلاف نصفي المريخ، وعن عمود وشاحي (mantle plume) قد يكون نشطاً، وعن خزان مياه جوفي يمكن أن يغطي الكوكب بمحيط عمقه 1.6 كيلومتر (ميل واحد). وقد أسهم InSight عام 2019 في الإعلان الرسمي عن اكتشاف الهزّات المريخية. أما الهزّات الأقدم فتعود بياناتها إلى مسبارَي Viking اللذين هبطا أواخر السبعينيات، وقد استُخدمت بياناتهما لاحقاً في دراسة حدّدت هزّات مريخية أقدم.
وفي الأسبوع نفسه الذي نُشرت فيه الدراسة، أشار بحث آخر إلى أن الصهارة قد تكون ما زالت موجودة تحت براكين مريخية خامدة. وبذلك تتراكم الأدلة على أن باطن المريخ ليس ساكناً تماماً كما ظُنّ.
وماذا بعد انتهاء مهمة المسبار؟
توقف InSight عن إرسال الإشارات إلى الأرض في ديسمبر 2022 بعدما غطّى غبار المريخ ألواحه الشمسية، وانتهت مهمته. وهذا يعني أنه لا توجد حالياً أداة تلتقط هزّات مريخية جديدة. غير أن أرشيف بياناته ما زال مصدراً لاكتشافات جديدة، ودراسة وادي مارينر مثال على ذلك. والسؤال المفتوح هو: كم هزّة أخرى مدفونة في تلك السجلات تنتظر من يعيد قراءتها؟
أخبار ذات صلة

جهاز مقترح لتلسكوب ELT قد يكشف ألغاز المادة المظلمة في المجرّات فائقة الانتشار

يمكنك رؤية مجرة أندروميدا (المرأة المسلسلة) بالعين المجردة.. إليك طريقة العثور عليها

مسبارا ناسا التوأم ينفذان مناورات جاذبية مدفوعة في طريقهما إلى المريخ
