رصد الانجراف بين الأيونات يكشف سر ولادة النجوم
كشف فريق بحثي عن كيفية تراجع قوة المجال المغناطيسي في نواة باردة قبل نجمية مما يسمح للجاذبية بالسيطرة وبدء تكوين نجم جديد. اكتشاف يفتح نافذة لفهم مراحل ولادة النجوم المعقدة في مجرتنا عبر رصد دقيق لحركة الأيونات والجسيمات المتعادلة في L1544. وورلد برس عربي

لم يكن أحدٌ قد رصد حتى الآن كيف تُرخي نواةٌ باردة من الغاز والغبار قبضة مجالها المغناطيسي قبل أن تتحوّل إلى نجم. فريق بحثي من جامعة كيوشو (Kyushu University) ومعهد ماكس بلانك للفيزياء خارج الأرض (Max Planck Institute for Extraterrestrial Physics) أعلن رصد الانجراف بين الأيونات والجسيمات المتعادلة في النواة قبل النجمية L1544، وهو رصدٌ يقدّم دليلاً على أن المجال المغناطيسي يضعف قبل أن تتولّى الجاذبية قيادة الانهيار نحو ولادة النجم.
تقع L1544 في مجمع الثور الجزيئي (Taurus Molecular Complex) داخل مجرة درب التبانة، على بعد 140 فرسخاً فلكياً (بارسك) من الأرض، وتُعدّ من أقرب مناطق تكوّن النجوم إلينا. هذا القرب جعلها هدفاً مناسباً للدراسة التفصيلية، وقادت العمل الباحثة Doris Arzoumanian من جامعة كيوشو. ونُشرت تفاصيل الدراسة حول سرعات الانجراف في L1544، كما أصدرت الجامعة إعلاناً عن البحث.
لماذا تبقى ولادة النجوم «حدثاً محجوباً»؟
كتب الفيزيائي Heinz R. Pagels عام 1985 في كتابه «Perfect Symmetry: the search for the beginning of time» الصادر عن دار Simon & Schuster: «النجوم مثل الحيوانات في البرية. قد نرى صغارها، لكننا لا نشهد الولادة الفعلية، فهي حدث محجوب وسرّي».
تقدّمت معرفة الفلكيين بمهود النجوم كثيراً في العقود التالية، لكن عملية التكوّن احتفظت بأسئلة مفتوحة. الرواية المستقرة تقول إن سحباً من الغاز والغبار تنهار فتتشكّل منها نوى قبل نجمية. أما دور المجالات المغناطيسية داخل هذه السحب فظلّ سؤالاً غير محسوم.
تقول Doris Arzoumanian، الباحثة الرئيسية في جامعة كيوشو: «النوى قبل النجمية أجرام نجمية مثيرة للاهتمام». وتضيف: «إنها كثيفة وباردة، ومصدرٌ لكيمياء معقّدة كثيرة. تتيح البيئة الباردة للجزيئات أن تتجمّع في جزيئات أكثر تعقيداً، مثل السلائف التي تسبق الجزيئات العضوية الحيوية. ومن الأسئلة التي نبحثها دور المجالات المغناطيسية في تكوّن النجوم. فمجالات مغناطيسية قوية تتخلّل النوى قبل النجمية، وإذا كان المجال شديد القوة فقد يؤخّر الانهيار الثقالي، ومن ثمّ تكوّن النجم. أردنا أن نعرف كيف تُخفّض هذه النوى قوة مجالها المغناطيسي».
كيف رصد الفريق فرقاً في السرعة لا يتجاوز 0.05 كيلومتر في الثانية؟
تتكوّن السحب الجزيئية من جسيمات متعادلة وغاز متأيّن جزئياً. الأيونات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بخطوط المجال المغناطيسي التي تخترق السحابة. أما الجسيمات المتعادلة فتتأثّر بالمجال بصورة غير مباشرة عبر التصادمات، وسرعاتها قابلة للقياس. الفكرة إذن أن مقارنة حركة النوعين قد تكشف انفصالاً بينهما.
لكن برودة النوى قبل النجمية، وتتراوح حرارتها بين 10 و30 درجة كلفن (نحو -263 إلى -243 درجة مئوية)، تجعل الجزيئات تتجمّد على حبيبات الغبار، ما يحدّ من إمكان التحليل المعمّق. لذلك لجأ الفريق إلى تقنيات علم الفلك الراديوي مستعيناً بمعهد علم الفلك الراديوي في المدى المليمتري (IRAM)، واختار مؤشّرين جزيئيين: أيون ثنائي الأزوت المديتَر (Diazenylium-d1، N2D+)، وجزيء متعادل هو الأمونيا أحادية الديوتيريوم من النمط «بارا» (para-NH2D).
وتوضح Silvia Spezzano، قائدة مجموعة في معهد ماكس بلانك للفيزياء خارج الأرض: «اخترنا Diazenylium-d1 (N2D+)، وهو أيون، وpara-monodeuterated ammonia (para-NH2D)، وهو جزيء متعادل، لتتبّع الحركة، لأنهما يوجدان عموماً في مناطق عالية الكثافة متشابهة داخل النوى قبل النجمية». وتضيف: «لذلك جمعنا بيانات طيفية للنواة ونمذجنا سرعة الجزيئين».
أظهرت النمذجة فرقاً في السرعة يبلغ نحو 0.05 كيلومتر في الثانية، فسّره الفريق بأنه انجراف بين الأيونات والمتعادلات. وهذا ما يُعرف بالانتشار ثنائي القطب (Ambipolar Diffusion)، أي انفصال الجسيمات المتعادلة عن البلازما. تقول Arzoumanian: «حتى الآن، كان رصد هذه الظاهرة في نواة قبل نجمية تحدياً كبيراً».
ماذا يعني هذا الانفصال لمصير النواة؟
تسير الصورة التي يرسمها الفريق على النحو التالي: تزداد كثافة النواة أثناء تراكم المادة، فتزداد حمايتها من الإشعاع وينخفض التأيّن فيها. ومع انخفاض التأيّن يضعف الارتباط بين الجزيئات والمجال المغناطيسي المضمَّن فيها. فتتسارع الجسيمات المتعادلة وهي تسقط نحو مركز النواة، بينما تبقى الأيونات مرتبطة بالمجال، فتنخفض قوته تدريجياً.
وتقول Arzoumanian: «مع استمرار الانتشار ثنائي القطب، تنخفض قوة المجال المغناطيسي. وفي نهاية المطاف تصبح الجاذبية القوة الدافعة الرئيسية في النواة، فتنهار ثقالياً إلى نجم أولي».
ما الخطوة التالية؟
يأمل الفريق أن يرصد نوى قبل نجمية أخرى مستعيناً بعلم الفلك الراديوي وفيزياء الغبار والكيمياء الفلكية. ويقترح دراسة عدد أكبر من النوى في مراحل تطوّرية مختلفة، وتقييماً إحصائياً لهندسة المجال المغناطيسي وبنى الكثافة وتأثيرات أخرى. ويطمح كذلك إلى قياس سرعات الانجراف بين الأيونات والمتعادلات في الخيوط الكثيفة وبنى أخرى داخل مناطق تكوّن النجوم. وقد تكشف هذه الملاحظات عن قوة المجال المغناطيسي ثلاثية الأبعاد داخل النوى، وعن تطوّر توزيع أحجام الغبار فيها.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل يُعمَّم ما ظهر في L1544 على نوى أخرى في مراحل مختلفة؟ وتربط Arzoumanian هذا السؤال بما هو أبعد من النجوم نفسها: «فهم تكوّن النجوم يعالج سؤالاً جوهرياً حول أصل الحياة في المنظومات الكوكبية، ويساعدنا على فهم الكون ككل بصورة أفضل».
أخبار ذات صلة

Virgin Galactic تكشف عن أبيرون: طائرة الفضاء الجديدة من فئة دلتا

رائد الفضاء الكندي ينفذ أول سير فضائي لكندا منذ 7 سنوات في 29 أكتوبر

مرصد روبين يكتشف أول مرشح لكوكب قزم
