قياس الإشعاع الفضائي بتقنية بلورات فلوريد الليثيوم
رحلة أرتميس 1 اختبرت كواشف جديدة من بلورات فلوريد الليثيوم لقياس الإشعاع الكوني بدقة على متن أوريون بدون رواد. النتائج تساعد في حماية رواد الفضاء وتخطيط المهمات الطويلة على القمر والفضاء السحيق في المستقبل. وورلد برس عربي

كيف يمكن قياس ما يتعرّض له رائد فضاء من إشعاع خلال إقامة طويلة على القمر أو في الفضاء السحيق؟ جزء من الجواب يأتي من رحلة «أرتميس 1» (Artemis I) التي لم تحمل بشراً أصلاً. فقد جرّبت مركبة «أوريون» (Orion) في تلك الرحلة نوعاً جديداً من كواشف الإشعاع المصنوعة من بلورات فلوريد الليثيوم، فوافقت نتائجها القياسات التقليدية في نطاق من الطاقة، لكنها بالغت في تقدير الجرعة في نطاق آخر بنحو 30%.
وتأتي أهمية هذه النتائج من أنها قد تساعد الجرّاحين على تقدير التعرّض الإشعاعي خلال المهمات الطويلة خارج الحماية التي يوفّرها المجال المغناطيسي للأرض. كما قد تفيد في التخطيط للإقامات الطويلة على القمر وفي بعثات الفضاء السحيق الأخرى.
ماذا حملت «أوريون» بدلاً من الروّاد؟
لم يكن على متن «أوريون» في «أرتميس 1» أي إنسان. حلّ محلّ الطاقم دميتان بشريّتا الشكل تحاكيان العظم والأنسجة الرخوة، وزُوّدتا بمئات من مستشعرات الإشعاع موزّعة في أنحاء جسديهما. وهكذا يمكن قياس الجرعة في مواضع مختلفة من «الجسد» دون تعريض أحد للخطر.
وضمن هذه التجربة، المعروفة باسم «تجربة ماتروشكا أسترارد للإشعاع» (Matroshka AstroRad Radiation Experiment)، اختُبر راصد إشعاعي سلبي جديد طويل الأمد قائم على الليثيوم. ونشر فريق بقيادة Paweł Bilski، من معهد الفيزياء النووية التابع للأكاديمية البولندية للعلوم (IFJ PAN)، نتائجه في دورية «Radiation Measurements». وتصف الورقة العمل بأنه خطوة إلى الأمام في قياس الجرعات الإشعاعية السلبي في الفضاء. ويمكن الاطلاع على بيان المعهد عن كواشف «أرتميس 1» وعلى نص الدراسة.
لماذا يُعدّ قياس الإشعاع الكوني معقّداً؟
يضمّ الإشعاع الكوني نوى ذرية تتراوح من بروتونات الهيدروجين إلى أيونات الرصاص الثقيلة، وتنطلق بسرعات قريبة من سرعة الضوء. ويواجه الروّاد هذا الإشعاع حين يغادرون المجال المغناطيسي للأرض.
وتختلف الجسيمات في مقدار ما تُودعه من طاقة في المادة التي تعبرها. ويقيس هذا المقدار ما يُعرف بـ«نقل الطاقة الخطي» (Linear Energy Transfer)، أي كمية الطاقة الحركية التي يودعها جسيم مشحون في المادة. والأيونات الثقيلة تودع قدراً كبيراً من الطاقة على مسافات قصيرة، ولذلك يهمّ قياسها بدقة.
ما عيوب الكواشف البلاستيكية التقليدية؟
تُصنع الكواشف النووية التقليدية عادةً من بوليمرات مثل بولي-ألِّيل ديغليكول كربونات، المعروف اختصاراً بـ CR-39. وتترك الأشعة الكونية في هذا البلاستيك آثاراً مادية. وبعد عودة الكواشف يعالجها الباحثون بهيدروكسيد الصوديوم الساخن اللاذع لبضع ساعات، فتتكوّن مخاريط وحُفَر تُقاس بمجهر عادي.
لكن هذه الطريقة مكلفة بطبيعتها، فقراءة الكاشف التقليدي تُتلفه، وتنتج نفايات خطرة، وتتطلب عمالة متخصصة. من هنا جاء الاهتمام ببدائل.
كيف تعمل بلورات فلوريد الليثيوم؟
اختبر الباحثون بلورات من فلوريد الليثيوم بحجم المليمتر بوصفها «كواشف مضيئة لآثار الجسيمات النووية» (Fluorescent Nuclear Track Detectors). وتقوم الفكرة على أن الجسيمات تزيح الإلكترونات وتغيّر الشبكة البلورية، فتنشأ عيوب بصرية دائمة تُسمّى «مراكز اللون». وعند تمرير ليزر عبر البلورة تحت المجهر، تتوهج هذه المراكز باللون الأزرق وتكشف مسار الجسيم.
ولا تخلو القراءة من صعوبات. فالإشعاع يصل من زوايا متعددة، ما يعقّد تمييز المسارات في صور المجهر. كما قد يتسرّب الضوء إلى المستوى البؤري من الطبقات التي فوقه وتحته. والجسيم الذي يعبر البلورة عمودياً يظهر نقطة ساطعة واحدة، أما الذي يمسّها بزاوية مماسّة فيظهر خطاً أطول وأخفت. وللتغلب على ذلك استخدم الباحثون حزماً من صور المجهر لا تفصل بين الصورة والتي تليها سوى ميكرومتر واحد، لتتبّع المسارات داخل البلورات. ويهدف الإطار الرياضي الذي طوّروه إلى إعادة بناء الطيف الكامل لطاقات الإشعاع في التجربة.
أين تطابقت النتائج، وأين انحرفت؟
على مستويات نقل الطاقة الخطي المتوسطة، تطابقت قراءات فلوريد الليثيوم مع قراءات الكواشف البلاستيكية الموضوعة بجانبها على الدمية «زوهار» (Zohar). أما عند مستويات نقل الطاقة العالية، فبالغت كواشف فلوريد الليثيوم في تقدير الجرعة بنحو 30%.
ويشتبه الباحثون في أن السبب فيزياء نووية تجري داخل البلورة نفسها. فقد يصطدم نيوترون ثانوي بنواة ليثيوم ويزيح ذرتها من موضعها في البلورة. وقد ينتج عن هذا الإزاحة أثرٌ مضيء يُفسَّر خطأً على أنه مسار إشعاعي.
وللحدّ من هذه التفاعلات الثانوية اختبر الفريق بلورات الليثيوم-7. وقد استبعد الباحثون بيانات كواشف الليثيوم الطبيعي بسبب هذه التفاعلات. لكن الليثيوم-7 يقلّل اصطدامات الإزاحة ولا يلغيها، وهذا يفسّر بقاء المشكلة في المستويات العالية.
ما الذي يعنيه ذلك للمهمات المقبلة؟
من منظور الصحة العامة، المسألة تتعلق بجودة التقدير قبل أي قرار وقائي. فمن يريد تقدير التعرّض لروّاد سيقضون مدداً طويلة خارج الحماية المغناطيسية، يحتاج إلى أدوات لا تُخطئ تحديداً في الجسيمات الثقيلة عالية نقل الطاقة. وهذه الأيونات هي التي تودع طاقتها على مسافات قصيرة.
وتحمل النتائج وجهين. فالتطابق في المستويات المتوسطة يدعم جدوى بلورات صغيرة تُقرأ بالضوء بدل المعالجة الكيميائية المُتلِفة. وفي المقابل، تبقى زيادة الـ30% في المستويات العالية سؤالاً مفتوحاً: هل يمكن تصحيحها بالنمذجة أو بتحسين البلورات، أم ستظل الكواشف البلاستيكية مرجعاً لا غنى عنه؟ الجواب سيحدد دور فلوريد الليثيوم في الإقامات الطويلة على القمر وفي بقية بعثات الفضاء السحيق.
أخبار ذات صلة

Virgin Galactic تكشف عن أبيرون: طائرة الفضاء الجديدة من فئة دلتا

رائد الفضاء الكندي ينفذ أول سير فضائي لكندا منذ 7 سنوات في 29 أكتوبر

مرصد روبين يكتشف أول مرشح لكوكب قزم
