ذكريات الحادي عشر من سبتمبر وأثرها المستمر في أمريكا
خمسة وعشرون عاماً على هجمات سبتمبر والجرح لا يزال حاضراً عبر أجيال مختلفة بين فقدان الأحبة، التحولات الأمنية، والذاكرة الجمعية التي تتغير مع الزمن. تعرف على قصص الألم والتحدي التي شكلت المجتمع الأمريكي في وورلد برس عربي.


خمسةٌ وعشرون عاماً على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ولا يزال الجرح حاضراً في الذاكرة الأمريكية وإن تفاوتت أشكاله وعمقه تبعاً لمن تسأل. بين من فقد أحبّاءه في برجَي التجارة العالمي أو في ولاية بنسلفانيا أو قرب واشنطن، ومن وُلد بعد تلك الصباح المشمس الذي تحوّل إلى كابوس، ومن عاش سنواتٍ طويلة تحت وطأة التبعات الأمنية والقانونية التي أعادت رسم ملامح المجتمع الأمريكي ثمّة قصصٌ متعدّدة تتقاطع ولا تتطابق.
حين يصبح الحدث تاريخاً دراسياً
تبلغ Vida Lashgari من العمر 21 عاماً، وهي ابنة أمٍّ مكسيكية وأبٍ إيراني، تقيم في كاليفورنيا. لم تعِش الحادي عشر من سبتمبر 2001، بل تعلّمته في الفصول الدراسية. تقول: "كبرتُ وأنا أتعلّم كيف أثّرت أحداث الحادي عشر من سبتمبر تحديداً على العرب والسيخ وذوي البشرة السمراء بشكلٍ عام، وكيف غيّرت حياتهم اليومية."
هذه التجربة أن تعرف الحدث لكن لا تحمله في جسدك باتت تُعرِّف جيلاً كاملاً. عشراتُ الملايين من الأمريكيين الذين وُلدوا بعد عام 2001 يعرفون الحادي عشر من سبتمبر من خلال دروس التاريخ لا من خلال الذاكرة الحيّة. وحين تُقارن Lashgari بين ذلك الحدث وجائحة COVID-19، فإنّها تفعل ذلك من موقع شخصيٍّ حقيقي: "جائحة كوفيد هي، حتى اليوم، أقرب ما شعرتُ فيه بأنّ عالمي تغيّر بين ليلةٍ وضحاها وأنّني لا أملك أيّ سيطرة على ذلك." وتُضيف أنّ الجائحة "أعطتني منظوراً بأنّ ثمّة أشياء لا يمكننا الحماية منها."
تلك المقارنة ليست مجرّد استعارة عاطفية؛ إنّها تكشف عن كيفية انتقال الفهم الجمعي للصدمات الكبرى عبر الأجيال، حين تُصبح كلّ كارثةٍ جديدة مرجعاً لفهم ما سبقها.
ثمنٌ دفعه من لم يكن طرفاً
بعد أربعة أيامٍ فقط من هجمات سبتمبر، قُتل Balbir Singh Sodhi، صاحب محطّة وقودٍ سيخيّ في ولاية أريزونا، بسبب خطأٍ في الهوية. لم يكن له أيّ صلة بالهجمات، لكنّ مظهره كان كافياً. كانت تلك إشارةً مبكّرة على ما ستُفضي إليه الأشهر والسنوات اللاحقة من تحوّلاتٍ قانونية ومؤسسية طالت مجتمعاتٍ بعينها.
في عام 2002، طبّقت الحكومة الأمريكية نظام التسجيل للدخول والخروج الأمني الوطني (National Security Entry-Exit Registration System)، الذي استهدف الذكور غير الأمريكيين فوق سنّ السادسة عشرة القادمين من 25 دولةً معظمها ذات أغلبيةٍ مسلمة. يقول Jayesh Rathod، أستاذ القانون في Georgetown: "فكرة وجود تهديدٍ خارجي في شكل أشخاصٍ يبدون بمظهرٍ معيّن أو من دولٍ بعينها أجّجت حقاً إعادة هيكلة وزارة الأمن الداخلي، واستمرّت في تغذية الطرق التي موّلنا بها وأسهمنا في تأمين نظام الهجرة ومجتمعنا بشكلٍ أوسع."
النظام جرى تفكيكه في العقد التالي، لكنّ المنطق الذي أنتجه لم يختفِ. فقد أُنشئت وكالة ICE (الهجرة والجمارك) في أعقاب الهجمات، وبرزت بشكلٍ لافت في عهد إدارة Trump. ويُلاحظ Rathod أنّ "فكرة أنّنا بحاجة إلى فعل كلّ شيءٍ ممكن لحماية أنفسنا من هذا التهديد التهديد الضبابي باتت مُطبَّعةً تماماً."
وزارة الأمن الداخلي نفسها، التي أُنشئت في أعقاب الهجمات، تجسّد هذا التحوّل المؤسسي العميق في بنية الدولة الأمريكية. ما بدأ كاستجابةٍ طارئة أصبح هيكلاً دائماً يُعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة وبين الدولة والآخر.
الخسارة التي لا تنتهي ولا تتوقّف عن الإنتاج
Jenna McPartland، 52 عاماً، طاهيةٌ وصاحبة مطعم في Fairfield بولاية Connecticut. فقدت زوجها Ariel Jacobs في برج التجارة العالمي، وبعد أيامٍ قليلة أنجبت ابنهما Gabriel. تزوّجت مرّتين بعد ذلك، ولديها اليوم ولدان أصغر وطفلان متبنّيان.
قصّتها ليست مجرّد شهادة على الحزن؛ إنّها نموذجٌ على كيفية تشابك الفقد مع الحياة المستمرّة، وكيف يصبح الغياب حاضراً في كلّ جيلٍ جديد. تروي أنّ "ولدي الأوسط كتب مقاله للقبول الجامعي عن كونه طفل عائلةٍ من ضحايا الحادي عشر من سبتمبر، لكنّه ليس 'طفل الحادي عشر من سبتمبر'. وعن كيف أنّه لم يكن ليوجد لو لم يمُت والد أخيه."
هذه الجملة تحمل في طيّاتها ما لا تستطيع الأرقام والإحصاءات قوله: أنّ الهجمات لم تُنهِ قصصاً، بل غيّرت مساراتها بطرقٍ لا تزال تتكشّف حتى اليوم.
يُقدّم Daniel Aldrich، أستاذ في Northeastern University ومتخصّص في مرونة المجتمعات، إطاراً تحليلياً لفهم هذا التفاوت: "الحدث ذاته، سواءٌ أكان كارثةً أم صدمةً أم حتى عمليّة التعافي، يختلف اختلافاً كاملاً تبعاً لشبكة علاقاتك."
ذاكرةٌ جمعية في مواجهة الزمن
Amy Sodaro، أستاذة علم الاجتماع في Borough of Manhattan Community College، كانت تتوقّع أن يظلّ الحادي عشر من سبتمبر نقطةَ تحوّلٍ مركزية في الوعي الأمريكي. لكنّها تلاحظ اليوم أنّ الأحداث الجيوسياسية المتلاحقة أعادت رسم موقع ذلك اليوم في الذاكرة الجمعية: "كنتُ أظنّ في البداية أنّ الحادي عشر من سبتمبر سيُشكّل بقيّة حياتي وسيُشكّل المجتمع الذي نعيش فيه... لكنّ هذه الأحداث الجيوسياسية الأخرى والتغيّرات في عالمنا غيّرت وجه الحادي عشر من سبتمبر في الذاكرة التاريخية على المستوى الجمعي وأعتقد أيضاً على مستوى الأفراد."
هذا التحوّل في الذاكرة لا يعني أنّ الجرح التئم. المتاحف والنُّصُب التذكارية تسعى إلى الحفاظ على الذكرى، لكنّ الذاكرة الحيّة تتآكل بطبيعتها مع الزمن، وتُعاد صياغتها في ضوء ما يأتي بعدها. الحادي عشر من سبتمبر لم يعد يُقرأ بمعزلٍ عن حروب أفغانستان والعراق، ولا عن أزمات الهجرة التي تلت، ولا عن جائحةٍ أعادت للأجيال الأصغر الإحساس بهشاشة اليقين.
خمسةٌ وعشرون عاماً كافيةٌ لتتشكّل أجيالٌ كاملة لم تعِش ذلك الصباح، لكنّها تحمل تبعاته في قوانين الهجرة التي تُنظّم حياتها، وفي منظومات الأمن التي تُحيط بها، وفي الأسئلة التي لا تزال معلّقةً حول ما يعنيه أن تكون آمناً في مجتمعٍ يُعرِّف الخطر بالمظهر والأصل. السؤال الذي يطرحه خمسةٌ وعشرون عاماً ليس فقط: ماذا حدث؟ بل: من الذي دفع الثمن، ومن لا يزال يدفعه؟
أخبار ذات صلة

تراجع وكالة حماية البيئة الأمريكية عن معايير الانبعاثات في محطات الكهرباء

أوباما يحثّ الديمقراطيين على وضع خطّة واضحة لحماية الذكاء الاصطناعي

رائد فضاء ناسا شهد كارثة 11 سبتمبر من المدار: ماذا رأى؟
