مفاوضات لبنان وإسرائيل في واشنطن نحو السلام
تجري جولة خامسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، وسط ضغوط أمريكية جديدة. لبنان يسعى لجدول زمني للانسحاب الإسرائيلي، بينما تضع إسرائيل شروطًا مرتبطة بنزع سلاح حزب الله. ما مصير هذه المفاوضات؟

بدأت جولةٌ خامسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن يوم الثلاثاء، وسط سعيٍ لبناني لإحياء مقترحات الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، في حين يُلقي المسار الدبلوماسي الأمريكي-الإيراني الجديد بظلاله على المشهد التفاوضي برمّته.
تمتدّ هذه الجولة ثلاثة أيام، وتأتي بعد أربع جولات سابقة عجزت عن التوصّل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو ردم الهوّة العميقة بين الطرفين.
ومن المتوقّع أن يضغط لبنان من أجل تحديد جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي، وعودة مئات الآلاف من النازحين، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين، والشروع في إعادة الإعمار.
في المقابل، ربطت إسرائيل أيَّ انسحابٍ بنزع سلاح حزب الله، وأصرّت على إبقاء قواتها في السيطرة على منطقة أمنية واسعة داخل جنوب لبنان، إلى أن تقتنع بأنّ الجيش اللبناني قادرٌ على منع الحزب من إعادة بناء حضوره العسكري.
غير أنّ هذه المفاوضات تجري في بيئةٍ دبلوماسية مختلفة جوهرياً عمّا كانت عليه في الجولة السابقة مطلع الشهر الجاري.
فقد أفرز مذكّرة التفاهم التي وقّعتها الولايات المتحدة وإيران إطاراً يضع الجبهة اللبنانية في سياق وقف إطلاق نار إقليمي أشمل. كما أسفرت محادثاتٌ لاحقة قرب بحيرة لوسيرن في سويسرا عن خططٍ لآليةٍ تهدف إلى تخفيف التوتّرات بين إسرائيل وحزب الله.
يعني ذلك أنّ مفاوضات واشنطن لم تعد المنتدى الدبلوماسي الوحيد الذي يتعاطى مع الحرب في لبنان.
وبالنسبة للرئاسة اللبنانية التي روّجت للمفاوضات المباشرة باعتبارها مساعيَ لاستعادة قرار الحرب والسلام والسيادة إلى مؤسسات الدولة، فقد طرح ظهور المسار السويسري تساؤلاتٍ صعبة حول من يملك في نهاية المطاف زمام التفاوض.
وكان الرئيس جوزيف عون قد أكّد مراراً أنّه لا يحقّ لأيّ طرفٍ خارجي التفاوض باسم لبنان.
وقال عون عشيّة انطلاق هذه الجولة: «نرحّب بأيّ مساعدةٍ لإنهاء الحرب، لكنّنا دولةٌ ذات سيادة ولا أحد يتفاوض عنّا».
و وصف المسؤولون اللبنانيون قرار الدخول في مفاوضاتٍ مباشرة مع إسرائيل بأنّه خطوةٌ تاريخية تستعيد بموجبها الدولة مسؤوليتها عن السياسة الخارجية والأمنية.
والمادة 52 من الدستور اللبناني تمنح رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض على المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، فيما تستلزم أيّ معاهدةٍ مرتقبة موافقة مجلس الوزراء، وبحسب بنودها، موافقة البرلمان أيضاً.
بيد أنّ مصادر مطّلعة على ملابسات القرار أشارت إلى أنّ فتح باب المفاوضات المباشرة جاء كذلك نتيجة ضغوطٍ أمريكية مكثّفة على بيروت.
مفاوضاتٌ بلا وقف لإطلاق النار
كان عون قد اشترط سابقاً التوصّل إلى وقفٍ شامل لإطلاق النار قبل الشروع في أيّ مفاوضاتٍ بشأن الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين والأسرى وإعادة الإعمار.
إلّا أنّ المفاوضات المباشرة انطلقت في حين واصلت إسرائيل ضرباتها وعملياتها البرية في لبنان.
وقد فشلت الجولات الأربع منذ أبريل في تأمين وقفٍ مستدام للقتال. والأمر اللافت أنّ أطول فترةٍ من الهدوء النسبي جاءت في أعقاب مذكّرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، لا بفعل أيّ اتفاقٍ توصّل إليه لبنان وإسرائيل مباشرةً.
وقد عزّز ذلك حجّة حزب الله القائلة بأنّ مفاوضات إيران مع واشنطن أقدر على انتزاع وقف إطلاق النار الإسرائيلي من المسار الثنائي الذي تسلكه الحكومة اللبنانية.
كما كشف ذلك عن التناقض الكامن في صميم استراتيجية بيروت: دخلت لبنان المفاوضات المباشرة تحديداً لمنع القوى الإقليمية من رسم مستقبلها، فإذا بإيران تضع لبنان في مركز مفاوضاتها الخاصة مع الولايات المتحدة.
وكانت الجولة الرابعة في واشنطن، التي عُقدت يومَي 2 و3 يونيو، قد انتهت ببيانٍ مشترك أصدرته الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل.
ونصّ البيان على أنّ وقف إطلاق النار مشروطٌ بوقفٍ تامّ لهجمات حزب الله وإزاحة عناصره من المنطقة الواقعة جنوبي نهر الليطاني.
كما أعلن البيان أنّ الأطراف ستمضي نحو إنشاء «مناطق تجريبية» تمارس فيها القوات المسلحة اللبنانية سيطرةً حصرية وتُستبعد منها الجماعات المسلحة غير النظامية.
وشدّد البيان على أنّ مستقبل العلاقات اللبنانية-الإسرائيلية ينبغي أن تحدّده الحكومتان، ورفض أيّ محاولةٍ من طرفٍ حكومي أو غير حكومي لأخذ مستقبل لبنان رهينةً.
وقد انتقد حزب الله هذه الصياغة بشدّة، معتبراً إيّاها محاولةً لفرض التزاماتٍ أحادية الجانب على الحزب دون أيّ التزامٍ مُلزم بالانسحاب الإسرائيلي.
و وصف مسؤولو حزب الله المفاوضات المباشرة بأنّها خطأٌ فادح منح إسرائيل مكاسب سياسية طالما سعت إليها دون أن تُلزمها بإنهاء احتلالها أو عملياتها العسكرية.
وكان رئيس البرلمان نبيه بري، الذي اضطلع بدور القناة اللبنانية الرئيسية في المفاوضات غير المباشرة السابقة، قد دعا بدوره إلى الإبقاء على آلية مراقبة وقف إطلاق النار المُنشأة في أعقاب اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي أنهى حرب 2024 مع إسرائيل.
ورفض بري علناً المناطق التجريبية المحدودة، مطالباً بوقفٍ شامل لإطلاق النار وانسحابٍ إسرائيلي كامل مع تطبيقٍ متوازٍ من الطرفين.
المعركة حول بنت جبيل
كشف مصدرٌ رفيع المستوى مقرّب من الوفد اللبناني أنّ مقترح المناطق التجريبية كاد يُفضي إلى انهيار الجولة السابقة من المفاوضات.
وبحسب المصدر، رفضت إسرائيل المقترح في البداية، ممّا دفع الوفد اللبناني إلى التهديد بالانسحاب من الجلسة.
فتدخّل المسؤولون الأمريكيون وأقنعوا الوفد الإسرائيلي بقبول مبدأ المناطق التجريبية، وإن ظلّ الطرفان منقسمَين حول موقعها والالتزامات المترتّبة عليها.
واقترح الوفد اللبناني بنت جبيل منطقةً تجريبيةً أولى.
وتقع هذه المدينة الجنوبية ضمن ما تُسمّيه إسرائيل «الخطّ الأصفر»، وهو حدودٌ عسكرية رسمتها داخل الأراضي اللبنانية للدلالة على المناطق الخاضعة لسيطرتها العملياتية وقيودها.
وبترشيح بنت جبيل، سعت بيروت إلى تحدّي احتمال تحوّل المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية تدريجياً إلى منطقةٍ عازلة دائمة.
وتصوّر المقترح اللبناني انسحاباً إسرائيلياً من المدينة، يعقبه انتشار الجيش اللبناني وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله وعودة السكّان.
غير أنّ إسرائيل رفضت بنت جبيل منطقةً تجريبيةً أولى، وفق المصدر ذاته.
وقال المصدر: «بدا الإسرائيليون كأنّهم أُقحموا على طاولة التفاوض إقحاماً من قِبَل الأمريكيين».
وأضاف: «كان ذلك جليّاً على وجوههم. لم يكونوا يريدون أن يكونوا هناك».
وعوضاً عن ذلك، اقترحت إسرائيل الإبقاء على سيطرتها على «الخطّ الأصفر» بأكمله مع مراقبة عمليات الجيش اللبناني ضدّ حزب الله جنوبي الليطاني وشماليه على حدٍّ سواء.
ولن تنظر إسرائيل في مناقشة انسحاباتٍ إضافية إلّا بعد تقييم أداء الجيش وقدرته على تفكيك مواقع حزب الله، وفق المصدر.
وبالنسبة للبنان، فإنّ مثل هذه المعادلة تنطوي على خطر تحويل المواقع الإسرائيلية الراهنة إلى منطقةٍ أمنية شبه دائمة، مع إبقاء الانسحاب رهيناً بتقييمٍ إسرائيلي مفتوح النهاية لأداء الجيش اللبناني.
من القرى إلى الأقضية
من المتوقّع أن يعود الوفد اللبناني إلى مقترح المناطق التجريبية في الجولة الخامسة، ساعياً إلى توسيع نطاقه الجغرافي.
فالمناطق التي جرى تداولها في الجولة السابقة كانت في معظمها قرىً بعينها أو قطاعاتٍ ضيّقة النطاق.
وأشار مصدرٌ رئاسي مقرّب من المفاوضات إلى أنّه جرى تداول صيغةٍ أوسع تشمل أقضيةً بأكملها، تضمّ بلداتٍ وقرىً عديدة على جانبَي الليطاني، بدلاً من اختبار الترتيب في مواقع معزولة.
وأوضح المصدر أنّ هذا المقترح ناقشه بري أيضاً، على الرغم من رفضه العلني للمناطق التجريبية المحدودة.
وبموجب هذه الصيغة، سيجري الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وعودة السكّان وإزالة الحضور العسكري لحزب الله على رقعةٍ جغرافية أوسع بكثير.
بيد أنّ الخلافات تبقى جوهرية.
لبنان يريد أن يكون الانسحاب هو نقطة البداية. وإسرائيل تريد دليلاً ملموساً على نزع سلاح حزب الله قبل التخلّي عن الأراضي التي تسيطر عليها.
طاولةٌ ثانية للتفاوض
أمّا أكبر مصادر الغموض المحيطة بمفاوضات واشنطن، فيتمثّل في الآلية الدبلوماسية المتبلورة من المفاوضات الأمريكية-الإيرانية في سويسرا.
وكان نائب الرئيس الأمريكي JD Vance قد صرّح بأنّ تلك المحادثات أفرزت آليةً تهدف إلى تخفيف التوتّرات في لبنان ومنع أيّ تصعيدٍ جديد.
ولم تُكشف بعد تفاصيل هذا الجسم المقترح، الذي يُوصف تارةً بـ«خليّة منع التصادم» (deconfliction cell) وتارةً أخرى بـ«لجنة تخفيف التوتّرات».
وأفاد المصدر المقرّب من الرئاسة اللبنانية بأنّ المسؤولين اللبنانيين لم يتلقّوا بعد شرحاً وافياً حول تركيبة هذا الجسم وصلاحياته وعلاقته بمفاوضات واشنطن القائمة.
وستضمّ هذه الآلية لبنان وإيران والولايات المتحدة، مع احتمال اضطلاع باكستان و قطر بأدوار وساطة.
وأشار المصدر إلى أنّ المنطق التشغيلي يبدو قائماً على تواصل واشنطن مع إسرائيل، وتواصل إيران مع حزب الله، مع مشاركةٍ مباشرة للدولة اللبنانية.
وسيُفضي مثل هذا الترتيب إلى غيابٍ رسمي لإسرائيل وحزب الله عن الطاولة، مع إتاحة وصولٍ غير مباشر لكليهما عبر حلفائهما الدوليين الرئيسيين.
وقد أبدت إسرائيل قلقها من أنّ هذه الآلية تمنح إيران دوراً معترفاً به في لبنان مع احتمال تقييد العمليات العسكرية الإسرائيلية.
ويواجه المسؤولون اللبنانيون قلقاً مختلفاً: أن تستغلّ إيران هذه الآلية للتحدّث باسم حزب الله والتفاوض في شؤونٍ تمسّ الأراضي اللبنانية بمعزلٍ عن حكومة بيروت.
ومع ذلك، تبدو الرئاسة مستعدّةً للتعامل مع هذه الآلية شريطة أن تقودها الولايات المتحدة وأن تبقى الدولة اللبنانية ممثَّلةً فيها رسمياً.
وبحسب المصدر الرئاسي، فإنّ اعتراف واشنطن بالمبادرة الدبلوماسية التي تدعمها باكستان لا يعني بالضرورة أنّ المسارَين الواشنطني والسويسري متنافيان.
وقد يتقاطع المساران في نهاية المطاف: تتولّى المفاوضات المباشرة معالجة النزاعات الإقليمية والسياسية اللبنانية-الإسرائيلية، فيما تسعى الآلية السويسرية إلى فرض الهدوء بين إسرائيل وحزب الله عبر ضماناتٍ أمريكية وإيرانية.
لكنّ أيّ إطارٍ لتحديد حدود صلاحية كلٍّ من المسارَين لم يُرسَّخ بعد.
وخلص المصدر إلى القول: «لا يجب أن يبقى المساران الواشنطني والسويسري منفصلَين».
وأضاف: «السؤال هو كيف سيتقاطعان. وفي هذه المرحلة، لا يزال ذلك غير واضح».
أخبار ذات صلة

المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا تحذّر من الأنشطة العسكرية الصينية قرب تايوان

وزير الليكود: تركيا وسوريا أخطر من إيران بكثير

كوريا الشمالية: كيم يعلن تقدماً في البحرية النووية مع تدشين سفينة حربية جديدة
