خسائر حزب العمال بسبب مواقفه من القضية الفلسطينية
كيف أثرت مواقف كير ستارمر المؤيدة لإسرائيل على حزب العمال البريطاني وخسارته دعم المجتمع المسلم؟ تعرف على صعود المستقلين وتحول المشهد السياسي في دوائر انتخابية ذات كثافة مسلمة عالية عبر تحليل معمق من وورلد برس عربي.

-في أكتوبر 2023، حين كانت إسرائيل تشنّ عمليّاتها العسكرية في غزة، وُجِّه إلى كير ستارمر زعيم المعارضة آنذاك سؤالٌ مباشر خلال مقابلة مع المذيع Nick Ferrari، يتعلّق باستخدام إسرائيل التجويعَ المتعمَّد أداةً ضدّ الفلسطينيين.
أجاب ستارمر بأنّه يرى أنّ لإسرائيل «حقّاً» في قطع الكهرباء والمياه عن سكّان غزة وهو ما يُعدّ جريمةً حرب بموجب القانون الدولي الحديث. ويبدو أنّه لم يكن يدرك حجم الضرر الذي ألحقه للتوّ بحزب العمّال في أوساط قاعدته الانتخابية التقليدية، ولا سيّما المسلمين البريطانيين.
أشعلت تصريحات ستارمر موجةً من الانتقادات من داخل الحزب وخارجه. وحزب العمّال تاريخياً أكثر تعاطفاً مع القضية الفلسطينية مقارنةً بحزب المحافظين المنافس، وأكثر انفتاحاً على الأصوات الفلسطينية. في غضون أسابيع، كتب أكثر من 150 مستشاراً محلياً مسلماً في الحزب إلى قيادته يطالبونها بالدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار نداءٌ قوبل بالتجاهل التامّ، وكانت تلك البداية الفعلية لصدعٍ كبير بين المجتمع المسلم وحزب العمّال.
ورغم أنّ الحزب حافظ على تقدّمٍ شبه مستمرّ في استطلاعات الرأي منذ ديسمبر 2021، وهو ما تُوِّج بفوزٍ ساحق في الانتخابات العامة عام 2024، فإنّه خسر دوائر انتخابية عديدة ذات كثافة سكّانية مسلمة مرتفعة. وشكّل الحزب حكومةَ أغلبية بأدنى نسبة أصواتٍ حصل عليها حزبٌ حاكم في تاريخه الحديث.
صعود المستقلّين
من بين الدوائر التي خسرها الحزب دائرة Dewsbury and Batley المُستحدَثة في غرب يوركشاير (West Yorkshire). وكانت الانتخابات المحلية في مايو 2024 قد أعطت إشاراتٍ مبكّرة على هذا التحوّل، إذ آثر كثيرٌ من الناخبين الساخطين التصويتَ لمرشّحين مستقلّين في مناطق مختلفة من إنجلترا، من بينها مجلس Kirklees، وهو مقاطعة حضرية في غرب يوركشاير تضمّ منطقتَي Dewsbury وBatley.
وقد تواصل هذا النمط في الانتخابات المحلية الأخيرة لهذا العام أيضاً.
تقول يسرى حسين، المستشارة المحلية التي انشقّت عن حزب العمّال وفازت مؤخّراً بولاية كاملة في دائرة Batley West إلى جانب مستقلَّين آخرَين: «لم أغادر الحزب لأنّ قيمي تغيّرت، بل غادرته لأنّني أؤمن بأنّ توجّهه قد تغيّر».
ولا يمكن قراءة أزمة حزب العمّال دون استحضار التحوّلات الجوهرية التي شهدها الحزب خلال العقد الماضي. فقد رسم Jeremy Corbyn في عهده منظومةً متماسكة من السياسات اليسارية الجذرية، قائمةً على إعادة التأميم والاستثمار العام الواسع والحقوق الاجتماعية. وعلى أساس ما عُرف بـ«العشرة تعهّدات» فاز ستارمر بزعامة الحزب عام 2020، ليتخلّى عنها تباعاً، ويدفع الحزب نحو اليمين بما يتجاوز حتّى ذروة «العمّال الجديد» في عهد Tony Blair.
وتتجلّى تداعيات ذلك في الدائرة القديمة Batley and Spen، حيث تقلّصت الأغلبية التي كانت تحتفظ بها Tracy Brabin رئيسة بلديّة غرب يوركشاير حالياً إلى 323 صوتاً فحسب في انتخابات فرعية عام 2021 شارك فيها George Galloway، المعروف بدفاعه عن القضية الفلسطينية.
وقد أفضى غياب خطابٍ سياسي متماسك إلى كشف ستارمر والحزب أمام تحدّيات الدائرة المُستحدَثة Dewsbury and Batley.
يقول النائب المستقلّ الحالي Iqbal Mohamed: «ما وحّد كثيراً من الناخبين هو إيمانٌ راسخ بأنّ هذا البلد يُخفق بأشكالٍ متعدّدة في تلبية الاحتياجات الأساسية لغالبية الناس وحقوقهم الإنسانية، سواءٌ على الصعيد الداخلي أم الخارجي».
الثمن السياسي لدعم إسرائيل
إلى جانب التخلّي عن المواقف التقليدية لوسط اليسار، شكّل انزياح الحزب نحو موقفٍ مؤيّد لإسرائيل ضربةً قاسية في دائرة تبلغ نسبة المسلمين فيها نحو 43% من إجمالي السكّان. وفاز مستقلّون في دوائر أخرى أيضاً، كـBlackburn وBirmingham Perry Barr، اللتَين تضمّان نسباً أعلى من البريطانيين الآسيويين.
وقد يكون الابتعاد عن التعاطف مع القضية الفلسطينية في عهد ستارمر أشدّ تأثيراً على قاعدة الحزب الانتخابية من انحرافه نحو اليمين. فلم يكن Corbyn وحده المؤيّد للدولة الفلسطينية، بل كذلك Ed Miliband، الذي صوّت لصالح الاعتراف بها في أواخر عام 2014 حين كان يقود الحزب. وعلى الرغم من أنّ ستارمر اعترف في نهاية المطاف بالدولة الفلسطينية في وقتٍ متأخّر من العام الماضي إلى جانب كندا وفرنسا، فإنّ الضرر الذي لحق بشعبيّة الحزب كان قد اكتمل.
تُشير استطلاعات الرأي الأخيرة، التي أُجريت في أعقاب الانتخابات المحلية لهذا العام، إلى أنّ أكثر من نصف الناخبين السابقين للحزب وهم لا يقتصرون على المجتمع المسلم يستشهدون بتقاعس حزب العمّال إزاء ما يجري في غزة سبباً لتحوّل أصواتهم نحو الخُضر، والحزب القومي الاسكتلندي (SNP)، وPlaid Cymru، والديمقراطيين الأحرار (Lib Dems)، والمستقلّين.
وكان لحزب العمّال قاعدةٌ يسارية واسعة نزفت هي الأخرى باتّجاه أحزاب أخرى، في أعقاب الحملة التي أُقصي بها Corbyn من المشهد ثمّ صعوده صوتاً يسارياً مستقلاً. وقد يكون التراجع الإجمالي الذي يعانيه الحزب مشابهاً لما شهدته أحزاب وسط اليسار التقليدية في غرب أوروبا في أعقاب الأزمة المالية عام 2008.
بل إنّ حزب الخُضر بات يُنظر إليه اليوم بوصفه بديلاً حقيقياً قابلاً للتطبيق، لا سيّما بعد الانتخابات الفرعية في دائرة Gorton and Denton في مانشستر في وقتٍ سابق من هذا العام. وأشار استطلاعٌ أجرته YouGov إلى أنّ أكثر من خُمس الناخبين السابقين للحزب انتقلوا إلى الخُضر.
ويمكن رصد هذا التآكل الجديد في مناطق عديدة من إنجلترا، بما فيها Dewsbury وBatley. ففي الانتخابات المحلية الأخيرة في Kirklees، فاز حزب Reform بأغلبية نسبية وشكّل إدارةً للمجلس، غير أنّ المرشَّح لقيادته استقبله الرأي العام بسخريةٍ واسعة بعد أن كشف عن جهله بالإجراءات البرلمانية الأساسية. وولا يزال المجلس دون رئيسٍ في انتظار تصويتٍ آخر لكسر الجمود مقرَّر في وقتٍ لاحق من هذا الشهر. وفي دوائر Batley وDewsbury المختلفة، فاز 11 مستقلاً مؤيّداً لفلسطين، وخمسة مرشّحين من Reform ولم يحصل حزب العمّال على مقعدٍ واحد في المجلس، في ظلّ نظامٍ انتخابي متشقّق لم يتكيّف بعد مع تعدّدية الأحزاب.
ويرى النائب Mohamed أنّ Dewsbury وBatley قد رفضتا بشكلٍ قاطع نظام الحزبَين المتهالك. ويقول: «لقد هجر الناخبون بالجملة حزبَ عمّالٍ عامل السكّانَ باستخفافٍ طويل الأمد، وأخذ أصواتهم مسلَّمةً، وكان شريكاً في نظام الفصل العنصري الإسرائيلي والاحتلال والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني».
وما يعنيه هذا لمستقبل الحزب: أنّ أيّ حكومة محتملة بقيادة Andy Burnham ستحتاج إلى اتّخاذ خطواتٍ حاسمة لتغيير توجّه الحزب على الصعيدَين الداخلي والخارجي، إن كان حزب العمّال يريد فعلاً استعادة ثقة الناخبين الذين فقدهم.
أخبار ذات صلة

الهند واليابان تعمّقان التعاون الدفاعي والاقتصادي

إيران تحذّر ناقلات النفط: استخدموا الممرّات المعتمدة أو تواجهوا ردّاً حازماً

مرشّحة مؤيّدة لفلسطين تطيح بنائبة ديمقراطية بخبرة 30 عاماً في كولورادو
