تدهور بحيرات كشمير بين التلوث والزحف العمراني
بحيرات كشمير تواجه تهديدات خطيرة من التلوث والتغير المناخي والتوسع العمراني غير المخطط له مما يؤثر على التنوع البيولوجي ومجتمعات الصيادين والسياحة. تعرف على جهود الحفاظ على بحيرة Dal في وورلد برس عربي.

كلَّ صباح، تنزلق القوارب الخشبية الضيّقة المعروفة بـ"الشيكارا" فوق مياه بحيرة Dal الشاسعة، في مشهدٍ يبدو وكأنّه انتُزع من بطاقة بريدية، تُحيط به جبال الهيمالايا من كلّ جانب.
غير أنّ ما خلف هذه الصورة ليس بهذا الجمال. فالتلوّث المتسرّب من المباني المحيطة، والأنواع النباتية الغازية التي تهدّد التنوّع البيولوجي، وتراجع منسوب المياه المرتبط جزئياً بالاحترار المناخي كلّها عوامل تتضافر لتهديد وجود بحيرة Dal ومئات البحيرات الأخرى في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية.
يتطلّب إبقاء بحيرة Dal في حالةٍ مقبولة جهداً متواصلاً من عمّال تستخدمهم الحكومة المحلية، الذين يضطرّون إلى ارتداء قفازات وقاية من تهيّج الجلد جرّاء ملامسة المياه الملوّثة. ومع ذلك، تبقى هذه البحيرة الواقعة في سريناغار، أكبر مدن كشمير، في وضعٍ أفضل نسبياً من سائر البحيرات في المنطقة، إذ إنّها واحدة من القليل التي تحظى بأعمال ترميم مستدامة.
موظّف في هيئة الحفاظ على البحيرات وإدارتها (LCMA) يستخدم آلةً لإزالة الأعشاب من بحيرة Dal في سريناغار، كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، الأربعاء 20 مايو 2026.
زوجان في طريقهما إلى العمل يجدّفان بقارب شيكارا التقليدي عبر مياه بحيرة Wular المليئة بالطحالب والنفايات في Bandipora، شمال شرق سريناغار، كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، الثلاثاء 5 مايو 2026.
درّاج يسير بدرّاجته على جسرٍ خشبي بينما يجدّف رجلٌ بقاربه في أعماق بحيرة Dal على أطراف سريناغار، كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، الاثنين 4 مايو 2026.
امرأة كشميرية تغسل بطّانية في مياه مليئة بالطحالب على ضفاف بحيرة Wular في Bandipora، شمال شرق سريناغار، كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، الثلاثاء 5 مايو 2026.
يقول غلام رسول، أحد عمّال إزالة الأعشاب الذين توظّفهم الحكومة المحلية: «نخشى لمس الماء بأيدينا مباشرةً. كلّما احتجنا إلى تنظيف شيءٍ باليد، نرتدي القفازات، لأنّ أيدينا تُصاب بالحساسية بسرعة دون أن نلبسها».
وأضاف رسول أنّ الأمر يبدو أحياناً مستحيلاً: «مياه الصرف الصحي تصبّ مباشرةً في البحيرة، والجداول القادمة من الجبال تجلب معها نفاياتٍ كالحفّاضات وسائر القمامة».
«نخشى لمس الماء بأيدينا مباشرةً.»
تتضافر التغيّرات المناخية والتلوّث والتوسّع العمراني غير المخطَّط له لتسريع تدهور البحيرات الهندية، وتداعيات ذلك تطال النظم البيئية الهشّة ومجتمعات الصيّادين واقتصاد السياحة على حدٍّ سواء.
وكشف تقرير حكومي هندي صدر العام الماضي أنّ 315 بحيرة من أصل 697 بحيرة طبيعية في المنطقة قد اختفت، فيما تقلّصت 203 بحيرات أخرى منذ عام 1967. وتحوّلت مئاتٌ منها إلى مستنقعات ضحلة أو أراضٍ رطبة موسمية، أو حلّت محلّها في بعض الحالات أراضٍ زراعية ومشاريع تطوير عقاري.
اقرأ أيضاً
المنازل والمزارع تبتلع البحيرات
كانت بحيرات كشمير دائماً مراكز نشاطٍ حيوية، وأبرز مثالٍ على ذلك أسواق بحيرة Dal العائمة الشهيرة التي يبيع فيها السكّان كلّ شيء من الخضروات إلى التحف. بيد أنّ العقود الأخيرة شهدت تقلّصاً ملحوظاً في حدود هذه البحيرات، بفعل الأمطار غير المنتظمة وتزايد الرسوبيات القادمة من الأنهار، فضلاً عن الزحف الزراعي والسكني على أراضيها. وباتت الجزر الزراعية الصغيرة والجسور الخشبية المؤدّية إلى منازل غير مرخّصة مشهداً متكرّراً.
يتّضح هذا الزحف جليّاً في الصور الجوية لبحيرة Dal، حيث ترعى المواشي بحرّية على أراضٍ زراعية مستحدثة، بينما يحاول الصيّادون التقليديون تحقيق حصّتهم اليومية على مقربة منها.
كشميريون يبيعون منتجاتهم في ساعات الصباح الباكر في سوق الخضروات العائم على بحيرة Dal في سريناغار، كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، الاثنين 18 مايو 2026.
حديقة خضروات عائمة في أعماق بحيرة Dal على أطراف سريناغار، كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، الجمعة 15 مايو 2026.
مواشٍ ترعى على ضفاف بحيرة Wular بينما يجدّف كشميري بقارب شيكارا في Bandipora، شمال شرق سريناغار، كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، الثلاثاء 5 مايو 2026.
سيّاح يستمتعون برحلةٍ بالقارب التقليدي قرب السوق العائم على بحيرة Dal في سريناغار، كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، الاثنين 1 يونيو 2026.
سيّاح يستمتعون برحلةٍ بالقارب التقليدي عند الغروب على بحيرة Dal في سريناغار، كشمير الخاضعة للإدارة الهندية، الاثنين 1 يونيو 2026.
تؤدّي مياه الصرف الصحي غير المعالجة المتدفّقة إلى البحيرات إلى نموٍّ مفرط للأعشاب التي تتغذّى على النيتروجين والفوسفور وغيرها من المواد الغذائية الموجودة في هذه المياه. وتُلوّث البلاستيك والنفايات المختلفة مياه البحيرة، فيما يسعى عشرات عمّال إزالة الأعشاب يومياً إلى تنظيف بحيرة Dal، وتبدو أكوامٌ صغيرة من الأعشاب المُزالة في نقاطٍ متفرّقة حول البحيرة. وتُستخدم الحفّارات والآليات الثقيلة أيضاً لانتشال الأعشاب والقمامة.
وبينما يُقرّ مسؤولو الحكومة المحلية بالحاجة إلى مزيدٍ من التمويل والجهد، يؤكّدون أنّهم يبذلون قصارى جهدهم. وتضمّ هيئة البحيرات الحكومية التي أُسّست عام 1997 مهندسين مدنيين وعلماء ومسؤولين في قطاع الغابات والشرطة.
وأوضح مزمّل أحمد رفيقي، المهندس المشرف في هيئة الحفاظ على البحيرات وإدارتها في كشمير، أنّ أكثر من 75% من سكّان سريناغار مرتبطون بشبكات معالجة مياه الصرف الصحي، غير أنّ صرف المنازل غير المرتبطة بهذه الشبكات يُشكّل مصدراً رئيسياً لتلوّث البحيرة.
تغيّر المناخ يُفاقم نضوب البحيرات
أسهمت موجات الحرارة غير المسبوقة التي شهدها العالم في تسخين منطقة الهيمالايا بوتيرةٍ أسرع من المتوسّط العالمي. وتُحدث ظاهرة ذوبان الثلوج المبكّر وتراجع كمياتها وتصاعد حدّة الأمطار اضطراباً في توقيت وحجم المياه التي تغذّي الأنهار والبحيرات.
وقال شير محمد، عالم الأنهار الجليدية في المركز الدولي لتنمية الجبال المتكاملة (ICIMOD) ومقرّه كاتماندو، إنّ هذه الأنماط المتقلّبة وغير المتوقّعة تجعل البحيرات عرضةً لفيضاناتٍ مفاجئة تعقبها فتراتٌ طويلة من الجفاف.
كما أدّى ذوبان الأنهار الجليدية في المنطقة إلى زيادة كمية الرسوبيات المنجرفة إلى البحيرات. وعلى الرغم من أنّ ذوبان الجليد قد يُفضي في البداية إلى ارتفاعٍ مؤقّت في منسوب المياه، فإنّه على المدى البعيد سيُقلّص الخزين المائي الطبيعي الذي تعتمد عليه الأنهار والبحيرات في مواسم الجفاف، وفق ما يؤكّده الخبراء.
وصف عرفان رشيد، الباحث في العلوم البيئية بجامعة كشمير في سريناغار، تداعيات تغيّر المناخ على كشمير بأنّها «كارثية»، مضيفاً: «لقد طالت كلّ قطاعات اقتصادنا». وأشار إلى أنّ قدرة توليد الطاقة الكهرومائية والسياحة ومزارع التفّاح والزعفران ذات القيمة العالية كلّها تضرّرت من الطقس المتطرّف وغير المنتظم في السنوات الأخيرة.
الصيّادون يدفعون الثمن الأغلى
يقول صيّادو بحيرة Wular، الواقعة على بُعد نحو 65 كيلومتراً شمال غرب سريناغار، إنّ البحيرة باتت أكثر ضحالةً، وسطحها مقطّعٌ بكتلٍ نباتية جديدة. وقد استولت مزارع الأشجار على أجزاء من حوض تغذيتها، وأصبح الإبحار فيها أكثر صعوبةً، مع تراجعٍ ملحوظ في أعداد الأسماك.
يروي عبد الرشيد، الصيّاد البالغ من العمر 45 عاماً، أنّه كان يكسب نحو 1,000 روبية (ما يعادل 11 دولاراً) في اليوم. أمّا اليوم، فلا يحصل إلا على 100 إلى 200 روبية (دولار إلى دولارَين) عن ليلةٍ كاملة من الصيد.
يقول رشيد: «ثمّة تغيّراتٌ كثيرة منذ طفولتي».
«ثمّة تغيّراتٌ كثيرة منذ طفولتي.»
كما هو الحال في كثيرٍ من بحيرات كشمير، زحفت الأراضي الزراعية والمباني السكنية على البحيرة، فيما ألحقت مياه الصرف الصحي غير المعالجة والمياه الزراعية الملوّثة ضرراً بالغاً بجودة مياهها. وفي مناطق عدّة، تحوّل سطح البحيرة إلى طحالب خضراء كثيفة. وكشفت أحدث دراسة تفصيلية لبحيرة Wular، أجرتها منظمة Wetlands International عام 2007، أنّ البحيرة تقلّصت بنسبة 45% خلال القرن الذي سبق الدراسة. وأكّد التقرير أيضاً أنّ تدهور البحيرة يُفاقم مخاطر الفيضانات في وادي كشمير، إذ كانت تاريخياً أكبر منظّمٍ طبيعي لفيضانات نهر جيلوم.
كثيرٌ من صيّادي بحيرة Wular لا يعتقدون أنّ الأجيال القادمة ستتمكّن من العيش على الصيد. يقول بشير أحمد، البالغ من العمر 55 عاماً والذي أمضى عقوداً في صيد هذه البحيرة، إنّه في الماضي كان بإمكان شابٍّ عديم الخبرة في الصيد أن يعود إلى بيته بـ4 كيلوغرامات (قرابة 9 أرطال) من السمك.
«أمّا اليوم، فحتّى الصيّاد المحترف لا يعود بأكثر من كيلوغرامٍ واحد (2.2 رطل)»، يقول.
أخبار ذات صلة

موجة حرّ قياسية تهدّد أجزاءً واسعة من الولايات المتحدة

موجة حرّ غير عادية تضرب الشمال الشرقي الأمريكي في عطلة الرابع من يوليو

موجات الحرّ تفرض على المستشفيات الأوروبية دروساً جديدة في الاستعداد
