غاز غني بالمعادن وثقب أسود هادئ في قلب درب التبانة
كشف تلسكوب JWST عن غاز غني بالمعادن حول الثقب الأسود في مركز درب التبانة لكنه يبتلع المادة ببطء بسبب بيئة ساخنة مضطربة. دراسة جديدة تشرح كيف تؤثر المعادن والمستعرات العظمى في سلوك الثقب الأسود في وورلد برس عربي.

تحمل بيانات تلسكوب JWST مفارقة عن الثقب الأسود في قلب مجرّة درب التبانة: الغاز المحيط به غنيّ بالمعادن، ومع ذلك يبتلع الثقب الأسود كميةً قليلة من المادة وببطء. فقد وجد فريق بحثي أن الغاز في منطقة «المينيسبيرال» (Minispiral) بمركز المجرّة يحتوي على معادن بنحو 1.8 ضعف ما في الشمس، وهو اكتشاف يساعد على فهم الوقود المتاح لثقب «القوس أ*» (Sagittarius A*) الأسود فائق الكتلة.
نُشرت الدراسة في «ذا أسترونوميكال جورنال» (The Astronomical Journal) بعنوان «Ionization Structure and Metal Enrichment of the Galactic Center Minispiral Observed with JWST». وتقودها نيكول فورد، طالبة الدكتوراه في مجموعة البروفيسورة داريل هاغارد البحثية بجامعة ماكغيل في مونتريال بكندا. يمكن الاطلاع على الدراسة المنشورة وعلى النشرة الصحفية لجامعة ماكغيل.
ماذا نعني بـ«المعادن» حين نتحدث عن الغاز الكوني؟
في علم الفلك، «المعادن» هي كل العناصر الأثقل من الهيدروجين والهيليوم، وتصنعها النجوم. لذلك فإن ارتفاع نسبتها في الغاز يدلّ على أن النجوم عاشت وماتت في المنطقة وأثْرَتها بنواتجها. وتُقاس الوفرة بالمقارنة مع الشمس مرجعاً. وقد خلص الباحثون إلى أن الوفرة في المينيسبيرال تبلغ نحو 1.8 ضعف الوفرة الشمسية على مقاييس دون البارسك. وكتبوا في الدراسة: «على مقاييس دون البارسك في المينيسبيرال، نستدلّ على وفرة معدنية تبلغ نحو 1.8 ضعف الوفرة الشمسية».
كيف جرى القياس؟
الدراسة رصدية، واعتمدت على بيانات مطياف الدقة المتوسطة (MIRI Medium Resolution Spectrograph) في JWST. وحلّل الفريق المنطقة المركزية من درب التبانة بنصف قطر 0.1 بارسك. واستُخدمت هذه البيانات، بحسب الباحثين، من أجل «فك تشابك البنى الغازية المتأيّنة في الأشعة تحت الحمراء المتوسطة».
والمينيسبيرال بنية تقع داخل القرص حول النووي (CND)، وتتكوّن من غبار جزيئي وغاز متأيّن دافئ. ويصف الباحثون ديناميتها بقولهم: «تخضع ديناميات المينيسبيرال للتأثيرات الجاذبية والإشعاعية لـ Sgr A* وللعنقود النجمي النووي (Nuclear Star Cluster) ولتفاعلاتهما». أما شكلها فتصفه الدراسة هكذا: «يتخذ المينيسبيرال شكلاً ثلاثي الشُّعَب يشبه «التريسكيليون»، يتألف من الذراع الشمالية والذراع الشرقية والقوس الغربي».
وتعمل هذه الأذرع بمثابة قنوات تربط الغاز الجزيئي البارد في القرص حول النووي ببلازما العنقود النجمي النووي الأكثر حرارة. وقيّدت الدراسة درجة التأيّن والتركيب في ثلاث بنى: «البار» (Bar)، والذراع الشمالية، وبنى «BC». والأخيرة حزم غازية سريعة الحركة، والرمز اختصار لعبارة Blue-shifted Compact، أي المنزاحة نحو الأزرق والمدمجة.
من أين جاء هذا الإثراء؟
يرجّح الباحثون أن الوفرة المرتفعة ناتجة عن انفجارات مستعرات عظمى (سوبرنوفا) سابقة. وهنا يبرز «Sgr A East»، وهو بقايا مستعر أعظم يتراكب مع Sgr A* في السماء. وعزلت ورقة بحثية حديثة نُشرت في «ذا أستروفيزيكال جورنال» (الدراسة) هذه البقايا عن الثقب الأسود نفسه، وقدّمت دليلاً على إثراء المعادن بالمستعرات الأعظمية قرب Sgr A*.
وخلصت الورقة نفسها إلى أن المستعر ساعد في إبقاء الغاز قرب Sgr A* ساخناً، ما أسهم في بطء تدفّق المادة نحوه. وجاء في نصّها: «تحدّد هذه النتائج مجتمعةً Sgr A East عاملاً رئيسياً في ضخّ الطاقة، أبقى البيئة المحيطة بـ Sgr A* ساخنة ومضطربة ديناميكياً طوال عمره البالغ نحو 10⁴ سنة».
لماذا لا يكفي الإثراء لتسريع الابتلاع؟
قد يبدو المنطق بسيطاً: الغاز الغنيّ بالمعادن يبرد أسرع، وقد يسرّع ذلك جريانه نحو الثقب الأسود. والمهم أن الغاز لا يسقط في Sgr A* إلا حين يكون بارداً ومضغوطاً. غير أن الباحثين يصفون الوفرة المقاسة، 1.8 ضعف الشمسية، بأنها متواضعة، ولا تكفي لتسريع التبريد والتدفّق بدرجة كبيرة. وتبقى الفرضيتان قائمتين معاً: بيئة ساخنة مضطربة صنعها المستعر الأعظم، ومعادن لا تكفي لقلب المعادلة.
ثقب أسود هادئ على مرمى النظر
يبلغ وزن Sgr A* نحو 4 ملايين كتلة شمسية، وهو ثقب أسود فائق الكتلة هادئ، وليس نواة مجرّة نشطة. وتشكّل جاذبيته وإشعاعه ومجالاته المغناطيسية ما يحيط به. وقد رُصدت نجوم وسحب غازية تدور حوله، ورُسمت خريطة لمجالاته المغناطيسية المعقدة. أما قرص التراكم حوله فتغذّيه «قطرات» قليلة، فلا يملك الحلقة الساطعة التي تميّز الثقوب السوداء النشطة. ويضيف قربه النسبي من الأرض، مقارنةً بالثقوب السوداء في المجرّات الضخمة الأخرى، فرصةً للدراسة بأطوال موجية متعددة. ويقول مؤلفو الدراسة: «Sgr A* هو أقرب ثقب أسود فائق الكتلة هادئ، وقربه يتيح فرصة فريدة لدراسة مصدر الوقود المحيط به».
وتصف فورد المفارقة بقولها: «نعلم أن في مركز مجرّتنا ثقباً أسود يسحب المادة إلى داخله، لكننا نرى أنه يلتهم كمية أقل بكثير من المادة مقارنةً بالثقوب السوداء فائقة الكتلة الأخرى، وبوتيرة أبطأ». وتضيف: «جزء من فهم سبب حدوث ذلك يعني النظر في خصائص المواد المتاحة له ليلتهمها، ومنها الغاز والغبار والنجوم التي تدور حوله».
يبقى السؤال المفتوح: إذا كانت المعادن وحدها لا تفسّر هذا البطء، فكم يعود منه إلى حرارة المحيط واضطرابه الموروثين من المستعر الأعظم؟ وما الذي ستضيفه قياسات أخرى لـ JWST إلى هذه الصورة؟
أخبار ذات صلة

مسبار الشمس يكتشف منشأ الانقلابات المغناطيسية العملاقة في الرياح الشمسية

تجارب نباتية في المدار: عالم النبات يستكشف الزراعة في الفضاء

سحابة المريخ الغامضة قد تتحدّى قوانين الفيزياء التقليدية
