اكتشاف مجرة حلقة نادرة يغير فهم تصادمات الكون المبكر
اكتشف تلسكوب جيمس ويب مجرة حلقية نادرة بعيدة تشكلت ربما نتيجة تصادم مع مجرة أصغر تفتح أبواباً جديدة لفهم تصادمات المجرات في الكون المبكر وتحدي التقديرات السابقة عن شيوع هذه الظواهر في بدايات الكون في وورلد برس عربي.

قد يضطر علماء الفلك إلى مراجعة تقديراتهم لمدى شيوع التصادمات بين المجرات في الكون المبكر. فقد رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) المجرة GS18660، وهي أبعد مجرة حلقية اكتُشفت حتى الآن، ونراها كما كانت بعد 2.1 مليار سنة من الانفجار العظيم. ويرجّح الباحثون أن اصطداماً بمجرة أصغر شكّل حلقتها، لكنهم يقرّون بأن تفسيراً آخر لا يزال قائماً.
نُشرت الدراسة في 8 سبتمبر في دورية «Astronomy & Astrophysics». ويشير الاستشهاد المرجعي للبحث إلى عام 2026، المجلد 713، المقال A86، وعنوانه «GA-NIFS: The highest-redshift ring galaxy possibly resulting from a head-on collision». ويمكن الاطلاع على البحث عبر معرّف الدراسة الرقمي.
كيف اكتُشفت مجرة لم يكن أحد يبحث عنها كحلقة؟
لم تبدأ القصة بالبحث عن مجرات حلقية. ففي صور قديمة التقطها تلسكوب هابل الفضائي، بدت GS18660 ممتدة ومستطيلة. ويوضح ميكيلي بيرنا، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في المركز الإسباني للأحياء الفلكية والمؤلف الأول للدراسة: «لذلك لم نستهدف GS18660 تحديداً بوصفها مجرة حلقية».
تغيّر الوضع حين وجّه الفريق إلى المجرة مطياف الأشعة تحت الحمراء القريبة (Near-Infrared Spectrograph) في JWST. يقول بيرنا: «عندما رصدناها بمطياف JWST، كشفت البيانات الأكثر تفصيلاً بكثير عن بنية الحلقة البارزة، وأتاحت لنا دراسة المجرة في ثلاثة أبعاد».
وفحص الباحثون شكل المجرة وحركة غازها الساخن وكيمياء هذا الغاز وتاريخ تكوّن النجوم فيها. ويبدو أن هذه المجموعة من القياسات هي ما رجّح فرضية الاصطدام.
ما الأدلة على أن اصطداماً شكّل الحلقة؟
الآلية المقترحة معروفة في الفيزياء الفلكية: حين تعبر مجرة صغيرة مركز مجرة أكبر، تنتشر موجة من الغاز الكثيف نحو الخارج، يتجمّع الغاز على امتدادها فتتكوّن النجوم في حلقة. وهذه المجرات الحلقية الناتجة عن التصادم نادرة في الكون القريب منا، أما في الكون البعيد فقد صعب تأكيد المرشحات المحتملة.
في حالة GS18660 جمع الفريق عدة مؤشرات:
مجرة مرافقة: مجرة صغيرة تبتعد عن GS18660 بسرعة نحو 425 كيلومتراً في الثانية (نحو 264 ميلاً في الثانية). وتقع تقريباً على امتداد المحور الأصغر للمجرة.
جسر غازي: رصد الباحثون جسراً من الغاز يربط المجرتين، وقد تشير تغيّرات السرعة على امتداده إلى تفاعل بينهما.
تاريخ تكوّن النجوم: يقدّر الباحثون أن 10% إلى 20% من الكتلة النجمية للحلقة تشكّلت في عشرات الملايين من السنين الأخيرة.
أما التوقيت، فيقدّر الفريق أن اصطداماً محتملاً وقع قبل 17 مليون إلى 42 مليون سنة من اللحظة التي نراها في تاريخ المجرة. وقد يكون الاصطدام والانفجار النجمي في الحلقة (أي موجة التكوّن السريع للنجوم) قد حدثا في الوقت نفسه. وتحديد عمر تفاعل مضى أمر عسير بشكل مباشر، فالمعيار أن يتسق توقيته مع بداية التكوّن السريع للنجوم ومع متوسط أعمار العناقيد النجمية.
ويتحفّظ بيرنا على قوة كل دليل بمفرده: «هو ليس بحدّ ذاته دليلاً قاطعاً على الاصطدام، لكنه مع الجسر الغازي وشكل الحلقة يعزّز فرضية اصطدام حديث». ويضيف: «إنه في الواقع تضافر عدة أدلة وليس رصداً واحداً». ويخلص إلى أن الفريق يعدّ «تفسير الاصطدام السيناريو المفضّل لدينا وليس استنتاجاً نهائياً».
ومن خارج الفريق، يميل كريستوفر كونسيليس، أستاذ علم الفلك خارج المجرّي في جامعة مانشستر في المملكة المتحدة (ملفه الجامعي)، إلى الاتجاه نفسه. يقول: «يبدو لي أن فرضية الاندماج أرجح، بالنظر إلى المجرة الدخيلة القريبة واستقرار المجرة الدخيلة والمجرة الرئيسية نفسها». ويرى أنه «بوجه عام، هناك دليل مقنع على حدوث تفاعل أو اندماج سابق في هذا النظام المجرّي استناداً إلى توزيع الضوء».
هل كانت التصادمات أكثر شيوعاً مما نظن؟
هنا تكمن الدلالة الأوسع للاكتشاف. فالتفاعلات بين المجرات ربما كانت شائعة في الكون المبكر، بينما تُعدّ الأنظمة الحلقية غير معتادة. وقدّرت تقديرات سابقة أن الحلقات الناتجة عن التصادم في الكون المبكر قد تكون بندرة نظيراتها اليوم، أي نحو واحدة من كل 10,000 مجرة.
لكن الباحثين يرون أن التصادمات المباشرة المكوّنة للحلقات ربما كانت أكثر شيوعاً في الكون المبكر. ويقول بيرنا: «إذا تأكد أن GS18660 حلقة ناتجة عن تصادم، فهذا يعني أننا بحاجة إلى مراجعة تقديراتنا لمدى تكرار هذه الأنظمة في الكون البعيد».
أما كونسيليس فيرى في المجرة قيمة تتجاوز حالتها المفردة: «بهذا المعنى، النظام المجرّي فريد إلى حد كبير، وقد يمنحنا معلومات مهمة عن تكوّن المجرات في مراحله المبكرة».
ماذا لو كان القضيب النجمي هو المسؤول؟
لا يستبعد الفريق تفسيراً ثانياً. فإلى جانب الحلقة، تحتوي GS18660 على بنية تشبه القضيب تمتد من الشمال إلى الجنوب. والقضيب النجمي قادر على توجيه الغاز والنجوم نحو حلقات على مسافات محددة من مركز المجرة.
ولم يتمكن الباحثون من تحديد ما إذا كانت هذه البنية قضيباً حقيقياً أم أنها نتاج التفاعل مع المجرة المرافقة. وقد رصد JWST بالفعل مجرات ذات قضبان في الكون المبكر، منها CEERS-2112، لكن الفريق لم يعثر بعدُ على مثال واضح لحلقة مبكرة يقودها قضيب نجمي.
وهذا ما يجعل السؤال مفتوحاً. يقول بيرنا: «سواء أكانت الحلقة قد نشأت بفعل مجرة أخرى أم بفعل الديناميكيات الداخلية للمجرة GS18660،» ثم يتابع: «فإن النتيجة ستخبرنا بشيء مهم عن كيفية تنظّم المجرات بنيوياً أصلاً حين كان عمر الكون بضعة مليارات من السنين فقط».
شارك في الدراسة، إلى جانب بيرنا (ملفه في Google Scholar)، كل من M. Arribas وL. Costantin وP. G. Pérez-González وC. Prieto-Jiménez وB. Rodríguez Del Pino وF. D'Eugenio وI. Lamperti وF. Mannucci وH. Übler وG. Cresci وT. Böker وA. J. Bunker وS. Carniani وS. Charlot وR. Maiolino وE. Bertola وD. Ceverino وC. Circosta وG. Venturi.
وإلى أن تتوافر ملاحظات إضافية تحسم طبيعة القضيب وتوقيت التفاعل، تبقى GS18660 حالة واعدة لا حكماً نهائياً. فإن تأكد تفسير الاصطدام، فقد تحتاج صورة الكون المبكر إلى تعديل يجعل فيها المجرات الحلقية أقل ندرة مما قُدّر.
أخبار ذات صلة

تلسكوب رومان سيستفيد من دعم هابل الفضائي

مسارات مركبة المريخ من رحلة تاريخية | صورة الفضاء ليوم 27 أكتوبر 2026

الماجوريت العميق قد يكشف أسرار الحمم المريخية القديمة
