سر أكسدة صخور المريخ يكمن في بلورات الماجوريت
اكتشف كيف تحبس بلورات الماجوريت الحديد المؤكسد في أعماق المريخ وتنقله إلى السطح عبر حركة الوشاح مما يفسر أكسدة صخور المريخ رغم باطنه المختزل دراسة مخبرية تكشف سر تكوين صخور المريخ المؤكسدة عبر مليارات السنين على وورلد برس عربي

لماذا تبدو صخور المريخ مؤكسدة إلى هذا الحدّ، مع أنّ باطن الكوكب يُفترض أن يكون بيئة «مُختزِلة» شحيحة الأكسجين؟ يقدّم باحثان يابانيان جواباً يقع في أعماق الكوكب: بلورات معدنية تُعرف باسم «الماجوريت» (majorite) تحبس الحديد المؤكسد هناك، ثم تحمله مع حركة الوشاح إلى السطح.
نشر الدراسةَ هيديهارو كوواهارا ورييوتشي ناكادا، وهما عالما كواكب في جامعة إهيمه (Ehime University)، في دورية «جورنال أوف جيوفيزيكال ريسيرش: سوليد إيرث» (Journal of Geophysical Research: Solid Earth). وهي دراسة مخبرية تجريبية على صخر مريخي اصطناعي، وليست رصداً مباشراً لباطن الكوكب. يمكن الاطلاع على الورقة البحثية وعلى إعلان الجامعة عن الدراسة.
ما المفارقة التي حيّرت العلماء؟
تشكّل المريخ قبل نحو 4.5 مليار سنة. تحرّكت المعادن الثقيلة حينها نحو المركز وكوّنت نواةً غنية بالحديد. وفي البيئات المعدنية الخالصة، تنزع التفاعلات الكيميائية الأكسجين عادةً، فتنشأ ظروف اختزالية. لذلك توقّع الباحثون أن تتكوّن الصخور البركانية الناتجة عن العمليات الداخلية في ظروف مُختزِلة أيضاً.
لكنّ النيازك المريخية وعيّنات القشرة تُظهر أكسدةً مرتفعة، وهو ما يخالف صورة الوشاح المختزل المتوقّع. ويزيد الأمر وضوحاً أنّ مهمة «إنسايت» (InSight) التابعة لوكالة ناسا (NASA) أكدت وجود طبقة من السيليكات المنصهرة بسُمك 150 كيلومتراً تقع مباشرةً فوق نواة المريخ. فما الذي يجعل صخوراً قادمة من عمق كهذا مؤكسدة؟
ماذا فعل الباحثون في المختبر؟
الماجوريت بلّورة من فصيلة العقيق (Garnet) والسيليكات، تتشكّل في أعماق أوشحة الكواكب تحت ضغط ودرجة حرارة شديدين. ويصفه التقرير بأنه حجر كريم، لكنه ليس من النوع الذي يُرصَّع عادةً في المجوهرات. وهو يتكوّن عند قاعدة وشاح المريخ، فوق النواة، عند ضغط يقارب 18 غيغاباسكال، أي نحو 180,000 ضعف الضغط الجوي عند مستوى سطح البحر.
لمحاكاة هذه الظروف، ضغط الفريق صخراً مريخياً اصطناعياً بين كتل من كربيد التنغستن داخل كبسولات ألماسية، مستخدماً مكبساً هيدروليكياً. وسخّن العيّنات إلى نحو 2,150 – 2,200 درجة مئوية. وأشبع العيّنات بالحديد المعدني ليحاكي الظروف الاختزالية قرب نواة المريخ.
بعد ذلك بُرّدت العيّنات ونُقلت إلى منشأة «سبرينغ-8» (SPring-8) للإشعاع السنكروتروني، وتبعد نحو 250 كيلومتراً. هناك استخدم الباحثون الأشعة السينية لفحص الحديد المرتبط داخل حبيبات المعادن.
ماذا كشفت الأرقام؟
تبيّن أنّ ما بين 11% و21% من الحديد في بلورات الماجوريت كان مؤكسداً. وكانت نسبة الحديد المؤكسد في الماجوريت أعلى منها في السيليكات المحيطة المتكوّنة في التجربة نفسها.
ومن هذه النتيجة يستنتج الباحثون سيناريو يمتد عبر الزمن الجيولوجي. ففيما كان باطن المريخ يتبلور، ترسّب الماجوريت من الصخر المنصهر والتقط الحديد الثلاثي (Ferric iron)، وهو حديد كان سيبقى ذائباً في الطبقة القاعدية المختزِلة لولا ذلك. ومع استمرار حركة الوشاح، يمكن أن ترتفع الصخور الغنية بالماجوريت نحو السطح، فتُنتج ثورانات بركانية مؤكسدة ومواد تُقذف إلى الفضاء. وتذكر الدراسة جبل «أوليمبوس مونس» (Olympus Mons) مثالاً على بركان انفجر. بهذا تربط الدراسة بين البصمات الكيميائية في النيازك وسلوك البلورات تحت الضغط داخل المعدن المنصهر.
وماذا عن الأرض؟
الأرض أكبر من المريخ بنحو الضعف في القطر، ووشاحها أعمق. لذلك يهيمن على وشاحها السفلي القريب من النواة معدن «البريدجمانيت» (bridgmanite)، وهو قادر على حمل حديد أكثر من الماجوريت. والوشاح العميق للأرض متدرّج كيميائياً.
وعندما يصعد وشاح الأرض، يتحوّل البريدجمانيت إلى ماجوريت ويُطلق الحديد الثلاثي في الصخور المحيطة. وبذلك تتأكسد منطقة الانتقال في وشاح الأرض من الأسفل. فالآلية نفسها قد تفسّر إذن تغيّرات كيميائية في وشاح كوكبنا، لا في المريخ وحده.
ما الذي تعنيه النتيجة؟
يشير التقرير إلى أنّ بلورات الوشاح العميق هذه قادرة على حفظ صلة بين باطن الكوكب وسطحه عبر مليارات السنين. أي أنّ النيزك المريخي الذي يُحلَّل اليوم قد يحمل أثر عمليات جرت عند قاعدة الوشاح. وتبقى الدراسة نتيجة مخبرية على صخر اصطناعي. وقد جاءت بالتزامن مع مواد مصوّرة تتناول الموضوع، منها فيديو عن باطن المريخ بإنتاج قناة معهد علوم البحار (Institut de Ciencies del Mar - CSIC) على «يوتيوب» (YouTube). وهناك فيديو آخر يناقش فيه فريزر (Fraser) وباميلا (Pamela) نتائج «إنسايت» وكيفية عمل الزلازل المريخية.
أخبار ذات صلة

اكتشاف جيمس ويب لأبعد مجرة حلقية: دليل على اصطدام كوني نادر في الكون المبكر

تلسكوب رومان سيستفيد من دعم هابل الفضائي

مسارات مركبة المريخ من رحلة تاريخية | صورة الفضاء ليوم 27 أكتوبر 2026
