وورلد برس عربي logo

جون إسبوزيتو صوت الحكمة في فهم الإسلام العالمي

رحيل جون إسبوزيتو علامة فارقة في فهم العالم الإسلامي ودوره في السياسة العالمية. رحل عالمٌ نذر حياته لكسر الصور النمطية وتعزيز الحوار والتعاطف بين الثقافات. قصة ملهمة تضيء دروب المعرفة والتسامح في وورلد برس عربي.

جون إسبوزيتو، الأكاديمي الأمريكي المتخصص في الدراسات الإسلامية، يتحدث من مكتبه المليء بالكتب في فيديو تعريفي.
جون إسبوزيتو يتحدث إلى بودكاست "أنابولوجيتيك" التابع لـ Middle East Eye في أغسطس 2025 (لقطة شاشة/ Middle East Eye)
التصنيف:ديانة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

رحل John Esposito في 15 يوليو 2026، وكان كثيراً ما يمزح قائلاً إنه مدينٌ بنجاحه للإمام الخميني. ففي وقت الثورة الإيرانية عام 1979، كان واحداً من عددٍ محدود من الأكاديميين الأمريكيين المتخصّصين في الدراسات الإسلامية، فأصبح المرجعَ الذي تلجأ إليه وسائل الإعلام والمؤسسات مراراً وتكراراً لتفسير ما يجري في منطقةٍ تتحوّل بسرعة أمام جمهورٍ أمريكي حائر.

حتى حين تكاثر الباحثون والمحلّلون الساعون إلى ملء هذا الفراغ بالمعرفة المتخصّصة والتوصيات السياسية، ظلّ Esposito متميّزاً عنهم؛ تميّز بانخراطٍ أعمق مع شعوب العالم الإسلامي، وبالتزامٍ راسخ بتعزيز التعاطف والفهم المتبادَل.

بينما يتجمّع الأصدقاء والزملاء والطلاب السابقون لتوديعه إثر رحيله، نستحضر سيرةَ رجلٍ عاش حياته بهدفٍ واضح والتزامٍ لا يتزعزع بالمعرفة والحقيقة في مواجهة التعصّب والجهل.

كان Esposito قد خطّط في البداية لدخول الإكليريكية الكاثوليكية، غير أنه سلك طريقاً مغايراً، فاختار التخصّص في الدراسات الإسلامية في زمنٍ كانت فيه هذه الديانة وأكثر من نصف مليار معتنقٍ لها في شتّى أنحاء العالم بعيدةً كلَّ البعد عن اهتمامات معظم الأمريكيين.

مسيرة الفهم

كثيراً ما تحدّث Esposito عن الدور الذي أدّاه أستاذه الراحل إسماعيل الفاروقي، الذي كان له الفضل الكبير في توجيهه وهو يشقّ طريقه عبر العوالم والثقافات والتقاليد الدينية المختلفة. كان الفاروقي قد اضطرّ إلى مواجهة منفاه القسري من فلسطين على يد المشروع الصهيوني، ثم شقّ طريقه إلى الولايات المتحدة، حيث أنتج أعمالاً مرجعيّة من بينها The Historical Atlas of the Religions of the World (1974)، ورائد مشروع «أسلمة المعرفة» النقدي.

بدأ Esposito مسيرته الأكاديمية في حقبةٍ كان فيها صانعو القرار الأمريكيون والرأي العام لا يزالون ينظرون إلى العالم من خلال عدسة الحرب الباردة الثنائية. جاءت الثورة الإيرانية لتحطّم هذه الرؤية، إذ أوحت بأن الجيوسياسة لن تُحدَّد بعد الآن بالصراع المديد بين الرأسمالية والشيوعية، وأن الدين سيؤدّي دوراً محورياً في الشؤون العالمية بعد أن ظنّ كثيرون أنه انزوى إلى هامش التاريخ.

ما كان يظهر دائماً في عمل Esposito، حتى في المرحلة المبكّرة من مسيرته، هو الجدّية التي تعامل بها مع المعتقدات الروحية الجوهرية المحرّكة للحركات الاجتماعية والمشاريع السياسية. وحين كان يخاطب جمهوره في أنحاء الولايات المتحدة، كان يُؤكّد على ضرورة تجاوز التفسيرات السطحية، والأخذ بعين الاعتبار القيمَ الراسخة في الوجدان عند معالجة الانقسامات السياسية التي كانت في جذر كثيرٍ من النزاعات.

في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، انشغل المؤسسة الأمريكية للسياسة الخارجية بهاجس المواجهة الوشيكة مع العالم الإسلامي، مدفوعةً جزئياً بكتابات باحثين من أمثال Samuel Huntington وBernard Lewis الذين حذّروا من صدامٍ حضاري قادم. في مقابل ذلك، رفض Esposito في كتابه The Islamic Threat هذا المنطق جملةً وتفصيلاً، وتحدّى القرّاء للنظر إلى ما وراء الصور النمطية المبسَّطة، والبحث في الأسباب الجذرية التي أمدّت هذه الروايات بأوكسجين البقاء.

كنت طالباً في المرحلة الثانوية أترعرع في زمن تصاعدت فيه حالة الغموض وانعدام الأمن للمسلمين في الولايات المتحدة، فكان هذا الكتاب مناراً أضاء لي ما كان على المحكّ في ذلك الجدل، وما يتحمّله الجميع من مسؤولية في تحدّي الرؤية السائدة التي هدّدت قدسية المجتمعات الدينية في الداخل والخارج.

صوتٌ في البرّية

جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وإعلان «الحرب على الإرهاب» العالمية لتضفي على هذا السؤال مزيداً من الإلحاح. فبينما حشدت الولايات المتحدة موارد غير مسبوقة لبسط نفوذها وتأثيرها في العالم الإسلامي باسم القضاء على الإرهاب، كان Esposito صوتاً في البرّية يحثّ صانعي القرار على تجنّب المزالق الأيديولوجية التي لن تُفضي إلا إلى مزيدٍ من العنف والدمار.

حين باتت الحروب التي لا تنتهي في أفغانستان والعراق، إلى جانب التوسّع في المراقبة الجماعية وحرب الطائرات المسيّرة وممارسات الترحيل القسري والتعذيب، سماتٍ ثابتة للسياسة الأمريكية خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أدرك Esposito ضخامة التحدّي لكنه أبى الاستسلام لليأس. وبوصفه عالماً متمرّساً، قدّم دعماً لا يُقدَّر لطلّابه، و واصل رفع أصوات نقدية من أرجاء العالم الإسلامي، وكان أكثر غزارةً في إنتاجه من أيٍّ وقتٍ مضى.

أسهم في إثراء المكتبة العلمية بمراجع لا تُقدَّر، من بينها Oxford Encyclopedia of the Islamic World، وكتب من أمثال Unholy War وWho Speaks for Islam?؛ وهذا الأخير دراسةٌ طموحة مستندة إلى البيانات، تمثّل استطلاعات الرأي العام في أكثر من 35 دولة ذات أغلبية مسلمة.

حين اجتاحت الانتفاضات المناهِضة للاستبداد المنطقة العربية في أواخر عام 2010، كان Esposito في مقدّمة العلماء الأقدر على تقديم تحليلٍ سياقي رصين ومتعمّق، في وقتٍ كانت فيه مسألة توافق الإسلام مع الديمقراطية تُربك جيلاً جديداً من الصحفيين وصانعي السياسات. استقبل Esposito تلك اللحظة بتفاؤلٍ كبير، غير أنه دعا إلى الحذر والصبر في ضوء الضغوط الداخلية والخارجية التي كانت تتربّص بتلك الانفتاحات الديمقراطية.

ما ميّزه عن كثيرٍ من الباحثين في الدراسات الإسلامية هو إصراره على تجنّب الفخّ الاستشراقي المتمثّل في الانكفاء إلى المصادر النصّية وحدها على حساب فهم التجربة المعيشية للمسلمين. قبل أن يصبح ذلك موضةً سائدة، كان Esposito يجوب الأرض ويتحدّث إلى الجميع، من رؤساء الدول وكبار العلماء الدينيين إلى قادة الحركات والناشطين الشباب، من المغرب إلى إندونيسيا.

في الأيام المتوهّجة من الانتفاضات العربية، كان مركز الفهم المسيحي الإسلامي في جامعة Georgetown الذي شغل Esposito منصب مديره التأسيسي يعجّ بالحركة، من المؤتمرات وورش العمل إلى الإحاطات السياسية والمحاضرات الرئيسية.

المثقّف العام

في كلّ مناسبة، جسّد Esposito دور المثقّف العام الحقيقي الذي يرى أن مسؤوليته تمتدّ إلى ما هو أبعد من حدود البحث الأكاديمي. سواءٌ من خلال روح الدعابة المنعشة التي كانت تُضفي على حديثه خفّةً محبَّبة، أو من خلال التعاطف الذي كان يتسرّب من نبرة صوته، كانت قدرته على التواصل مع جمهوره لا مثيل لها. حين كان يروي إحدى قصصه الكثيرة أو يتأمّل في خبرٍ حديث، كانت عيناه تتوهّجان وهو يتفرّس في الوجوه المشدودة إليه حوله.

ترجمةً لالتزاماته الأخلاقية إلى فعلٍ حقيقي، لم يتردّد Esposito في الوقوف إلى جانب من دفعوا ثمناً باهظاً بسبب قناعاتهم. رفع صوته دفاعاً عن Anwar Ibrahim، رئيس وزراء ماليزيا الحالي، إبّان سجنه بتهمٍ ملفَّقة. وناضل من أجل المعتقلين السياسيين في الولايات المتحدة، ومنهم «الخمسة الأرض المقدّسة»، وهم مسؤولون في ما كان يوماً أكبر مؤسسة خيرية إسلامية في البلاد، صدرت بحقّهم أحكامٌ بالإدانة عام 2008 بتهمة تمويل الإرهاب.

كذلك تبنّى قضية والدي، سامي الأريان، الأستاذ الجامعي والزميل الذي تعاون مع Esposito في عددٍ من المشاريع الفكرية قبل اعتقاله في قضية إرهابٍ فاشلة أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وفي الآونة الأخيرة، كان Esposito يرفع صوته من أجل راشد الغنوشي، العالم والناشط وزعيم حركة النهضة البالغ من العمر 85 عاماً، المعتقَل لدى السلطات التونسية في أعقاب حملة القمع الواسعة التي طالت الحياة الديمقراطية.

طوال مسيرته، أثار Esposito بصفةٍ منتظمة قضية الشعب الفلسطيني، معتبراً إياها خطّاً صدعياً رئيسياً في الصراع المُتصوَّر بين العالم الإسلامي والغرب. وفي دراساته المعمّقة حول ظاهرة الإسلاموفوبيا، رصد كيف تُفضي عمليّة إلغاء إنسانية الفلسطينيين إلى ضرورةٍ ملحّة لإحقاق العدالة وهو موقفٌ أكسبه عداوة المدافعين المتحمّسين عن إسرائيل طوال مسيرته.

بعد أكثر من أربعة عقود على أول نداءٍ أطلقه للجمهور الغربي كي يتعرّف بعمقٍ على معتقدات المجتمعات الإسلامية وقيمها وتجاربها المعيشية سبيلاً لتفادي النزاعات وتعزيز التفاهم، أقدمت الولايات المتحدة على شنّ حربٍ على إيران أفضت إلى دمارٍ واسع وزعزعةٍ للاستقرار ستتردّد تداعياتها لسنواتٍ طويلة.

يستحقّ أن نستعيد هنا التحذير الذي أطلقه Esposito في The Islamic Threat قبل أكثر من 25 عاماً، إذ كتب: «تحدّينا هو أن نفهم تاريخ العالم الإسلامي وحقائقه فهماً أعمق... لنقلّل من مخاطر إيجاد نبوءاتٍ تُحقّق نفسها بنفسها، تُنبئ بمعركةٍ بين الغرب وإسلامٍ راديكالي أو صدامٍ بين الحضارات».

ونحن نُحيي ذكراه، ندرك في الوقت ذاته أن إرث Esposito بات أكثر إلحاحاً اليوم من أيّ وقتٍ مضى.

أخبار ذات صلة

Loading...
قس فلسطيني يقف مع مجموعة من الأولاد في كنيسة مزينة برسومات دينية، تعبيرًا عن دعم المسيحيين الفلسطينيين وسط نقاشات كنيسة إنجلترا حول شهاداتهم.

الكنيسة الإنجليزية تصوت لاستقبال شهادات المسيحيين الفلسطينيين حول غزة

صوّت المجمع الإنجليكانية في إنجلترا للاستماع لشهادات المسيحيين الفلسطينيين حول الاحتلال الإسرائيلي والاستعمار الاستيطاني. اكتشف تفاصيل القرار وتأثيره على الحوار الديني والحقوقي الآن.
ديانة
Loading...
مئذنة مسجد قديمة عند الغروب مع أشجار النخيل، تعكس أهمية الأذان في الهوية الإسلامية وسط الجدل حول قانون مكبرات الصوت في إسرائيل.

مشروع قانون إسرائيلي لتقييد الأذان يجتاز القراءة الأولى في الكنيست

مشروع قانون إسرائيلي عنصري واستفزازي يهدد حرية الأذان ويثير غضب الفلسطينيين بوصفه هجوماً على العبادة والهوية الإسلامية. اكتشف تداعياته الخطيرة على المسجد الأقصى وحقوق الفلسطينيين، وكن جزءاً من هذا الحدث.
ديانة
Loading...
البابا ليون الرابع عشر يتحدث مع أساقفة إسبان خلال زيارة رسمية، مع التركيز على قضايا الاعتداءات الجنسية والشفافية في الكنيسة الكاثوليكية.

البابا يطالب الأساقفة الإسبان بتعويضات للضحايا

في رسالة قوية، أكد البابا Leo XIV على ضرورة التعويض لضحايا الانتهاكات الجنسية في الكنيسة الإسبانية، داعياً إلى الشفافية والعدالة. هل ستستجيب الكنيسة لهذا النداء؟ اقرأ المزيد عن هذه الأزمة وتأثيرها على المجتمع الكنسي.
ديانة
Loading...
مجموعات من الحجاج يتجمعون حول الكعبة المشرفة في مكة، مع مظلات وأمتعة، وسط أجواء من القلق بسبب الظروف السياسية الراهنة.

الحجاج يواصلون رحلتهم رغم عدم اليقين من التصعيد الإيراني

في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية، يواجه الحجاج تحديات غير مسبوقة. رغم القلق، يبقى الأمل في قلوبهم. هل ستتمكن من تحقيق حلمك في أداء فريضة الحج؟ اكتشف المزيد عن هذه الرحلة الفريدة وتفاصيلها المثيرة.
ديانة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية