الكنيسة الإنجليكانية تستمع لشهادات المسيحيين الفلسطينيين
مجمع الكنيسة الإنجليكانية يقر الاستماع لشهادات المسيحيين الفلسطينيين ويطالب بدعم مقاومتهم السلمية رغم اعتراضات مؤيّدي إسرائيل. خطوة مهمة تعكس تحولاً في نهج المؤسسات الدينية تجاه القضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في الحرية وورلد برس عربي.

مجمع الكنيسة الإنجليكانية يُقرّ الاستماع إلى شهادات المسيحيين الفلسطينيين وسط اعتراضات حادّة من منظّمات مؤيّدة لإسرائيل
صوّت المجمع العام للكنيسة الإنجليكانية، الهيئة التشريعية للكنيسة، يوم الاثنين، على اقتراحٍ معدَّل يدعو الرعايا والمؤسسات الكنسية في إنجلترا إلى "الاستماع" إلى الشهادات الصادرة عن مجموعة Kairos Palestine والتفاعل معها. جاء هذا القرار على الرغم من الضغوط التي مارستها منظّمات مؤيّدة لإسرائيل بهدف إسقاط الاقتراح أو تجاهل ما تحمله هذه الشهادات من وصف للسياسات الإسرائيلية بأنّها "استعمارٌ استيطاني" و"نظام فصل عنصري".
وثيقة Kairos تصف إسرائيل بأنّها "مشروعٌ استعماري" شنّ "حرباً إبادية على غزة". وقد حرص أعضاء المجمع على استبدال كلمة "تلقّي" بكلمة "استماع"، في إشارةٍ صريحة إلى أنّ التفاعل مع الوثيقة لا يعني بالضرورة أنّ الكنيسة تُقرّ كلّ ما جاء فيها من عبارات. كما أقرّ الاقتراح بأنّ الوثيقة تمثّل "تعبيراتٍ صادقة عن التجربة المعيشية للمسيحيين الفلسطينيين"، وطالب الكنيسة بالوقوف إلى جانب الفلسطينيين في مقاومتهم السلمية للاحتلال الإسرائيلي. ورفض الاقتراح في الوقت ذاته معاداةَ السامية والعداءَ للمسلمين وسائر أشكال التعصّب الديني والعرقي.
يمثّل هذا التصويت تحوّلاً لافتاً في نهج المؤسسات الدينية الغربية، التي اعتادت تاريخياً أن تتناول القضية الفلسطينية دون إشراك المسيحيين الفلسطينيين أنفسهم في الحوار.
وثيقة Kairos II: شهادةٌ في زمن الحرب
الوثيقة المعروفة رسمياً بـ"لحظة حقيقة: الإيمان في زمن الإبادة" تضمّ شهاداتٍ ونداءاتٍ لحملات مقاومة عالمية، تشمل المناصرة والضغط الشعبي والمقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات. نشرها رجال دين مسيحيون فلسطينيون وقيادات علمانية في نوفمبر الماضي، رداً على ما أحدثته إسرائيل من دمارٍ في غزة وما يتصاعد من عنفٍ وتطهيرٍ عرقي في الضفة الغربية المحتلّة.
ترفض الوثيقة أيضاً الصهيونية المسيحية بوصفها لاهوتاً "نبتَ من رحم العنصرية والاستعمار والتفوّق العرقي". وتقول في أحد مقاطعها: "إنّ أيّ بداية حقيقية تستلزم تفكيك الاستعمار الاستيطاني ونظام الفصل العنصري القائم على تفوّق يهودي، كما كرّسه قانون القومية الإسرائيلي العنصري".
اللغة التي اعتمدتها الوثيقة لا تنفرد بها الأوساط المسيحية الفلسطينية؛ فقد خلصت لجنةٌ أممية ومنظّمة العفو الدولية ومنظّمة B'Tselem الإسرائيلية لحقوق الإنسان جميعُها إلى أنّ إسرائيل ترتكب إبادةً جماعية في غزة وتطهيراً عرقياً في الضفة الغربية.
"الوثيقة تعكس الألم والصدمة"
أيّدت رئيسة أساقفة كانتربري Sarah Mullally الاقتراحَ بعد زيارةٍ أجرتها للمنطقة في يونيو الماضي. قالت أمام المجمع: "كان الخوف واضحاً لدى كلّ من التقيناهم، فلسطينيين وإسرائيليين. من غزة إلى شمال إسرائيل، ومن جنوب لبنان إلى الضفة الغربية، يعاني الناس في المنطقة كلّها من صدمات الصراعات المتواصلة."
وعن وثيقة Kairos II تحديداً، قالت Mullally: "هذه الوثيقة تعكس ألم الشعب الفلسطيني وصدمته." وأضافت أنّ على الكنيسة أن تخوض الحوارات الصعبة و"تُقدم على المخاطرة بالتواصل عبر الانقسامات". وختمت بعبارةٍ لافتة: "أنا راعيةٌ لا سياسية. حين أقول إنّ الشعب الفلسطيني يستحقّ حريّته، فهذا ليس موقفاً سياسياً، بل موقفٌ أخلاقي وروحي. وببساطة، فلسطين التي اعترفت بها الحكومة البريطانية العام الماضي تتلاشى."
من جهته، قال القسّ Munther Isaac، الراعي المسيحي الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلّة: إنّ القرار يمثّل "علامةً إيجابية جداً وخطوةً مهمّة إلى الأمام". وأضاف: "تتحدّث Kairos Palestine عن الإبادة الجماعية، لكنّها لا تنفرد بذلك. لا ينبغي أن ننسى التقارير الموثوقة والمفصّلة التي توصّلت إلى الاستنتاج ذاته أو أبدت أشدّ المخاوف بشأن الإبادة في غزة."
وأكّد Isaac أنّ الكنيسة "تُعبّر ببساطة عن رسالتها الحقيقية: الانخراط الجادّ مع ما يجري في العالم، ومع ما يعيشه أعضاؤها ويتحدّثون عنه، ومع ما ينادي به إخوتهم المسيحيون الفلسطينيون."
ردود الفعل وجدل المصطلحات
أثار التصويت ردود فعلٍ فورية من مؤيّدي إسرائيل في المملكة المتحدة. وصف Phil Rosenberg، رئيس مجلس نوّاب اليهود البريطانيين، الاقتراحَ بأنّه "إشكاليٌّ للغاية"، مؤكّداً أنّ وثيقة Kairos II تتضمّن "أكاذيب وتشويهات". أمّا الحاخام الأكبر Ephraim Mirvis فقد وصف القرار بأنّه "مخزٍ" و"يومٌ حزينٌ للعلاقات اليهودية المسيحية".
ولاحظ القسّ Isaac أنّ المعارضين ركّزوا على لغة الوثيقة دون أن يتطرّقوا إلى الأحداث التي استدعتها، معتبراً هذه المعارضة "أمراً متوقّعاً". غير أنّه استنكر أن "يبدو هؤلاء أكثر قلقاً من تلقّي الكنيسة لوثيقةٍ صادرة عن مسيحيين فلسطينيين والتفاعل معها، أكثر من قلقهم بشأن الجرائم والإبادة ذاتها. ومن اللافت كيف يتجاهلون بسهولة مسألة الإبادة الجماعية برمّتها، رغم الجسم الهائل من التقارير والأدلة الموثوقة."
اعتداءاتٌ على المسيحيين وتساؤلاتٌ عن الصمت
رصد مركز Rossing للتعليم والحوار 155 اعتداءً وحادثةً ضدّ المسيحيين والممتلكات المسيحية في إسرائيل والقدس الشرقية المحتلّة خلال عام 2025، شملت 61 اعتداءً جسدياً و52 هجوماً على ممتلكات الكنائس و28 حالة مضايقة و14 حالة تشويهٍ للافتات. وحذّر المركز من أنّ الحالات الموثّقة لا تمثّل سوى "قمّة جبل الجليد".
امتدّ العنف الإسرائيلي ضدّ المجتمعات المسيحية إلى خارج فلسطين؛ ففي جنوب لبنان، ألحقت القوّات الإسرائيلية أضراراً بكنائس، وجرفت أجزاءً من دير كاثوليكي، ووثّقت مقاطع مصوّرة جنوداً يُدنّسون تماثيل السيد المسيح والعذراء مريم.
في هذا السياق، دعا القسّ Isaac قادةَ الكنائس في العالم إلى "الإصغاء بعنايةٍ أكبر للأصوات اليهودية المتزايدة التي تعارض الإبادة وتنتقد الصهيونية ودولة إسرائيل، لأنّها أصواتٌ ضرورية للحوار الحقيقي اليوم." وختم بتحذيرٍ واضح: "لا ينبغي الخلط بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية. غير أنّ هذا يبقى تكتيكاً متكرّراً لدى بعض المعارضين للتصويت، وأعتقد أنّ الناس باتوا يرفضون بشكلٍ متزايد محاولات المساواة بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية. مثل هذه الاتّهامات لا ينبغي أن تُستخدَم لإسكات النقد الأخلاقي واللاهوتي والسياسي المشروع."
أخبار ذات صلة

تحذير إسبوزيتو من صراع الحضارات: أهميّة متجدّدة

مشروع قانون إسرائيلي لتقييد الأذان يجتاز القراءة الأولى في الكنيست

البابا يطالب الأساقفة الإسبان بتعويضات للضحايا
