رحلة استكشاف أقمار المريخ وفك لغز أصل فوبوس وديموس
مهمة MMX اليابانية تنطلق لاستكشاف أقمار المريخ فوبوس وديموس بهدف جمع عينات تكشف أصلهما الحقيقي هل نشآ من اصطدام عملاق أم كويكبات قديمة؟ رحلة تاريخية تجمع بين العلم والتقنية لتغيير فهمنا للكون وورلد برس عربي.

قد تحسم عشرة غرامات من تربة قمر يدور حول المريخ نقاشاً علمياً عمره عقود: هل وُلد القمران «فوبوس» و«ديموس» من حطام اصطدام عملاق، أم أنهما كويكبان قديمان أسرتهما جاذبية الكوكب الأحمر؟ هذا هو الرهان الأساسي لمهمة «استكشاف أقمار المريخ» (Martian Moons eXploration) المعروفة اختصاراً بـ MMX، والتي تقودها وكالة الفضاء اليابانية (JAXA). وقد انطلقت المهمة بالفعل في 19 أكتوبر من مركز تانيغاشيما للفضاء في اليابان. وإن سارت الأمور وفق الجدول المخطط لها، ستكون هذه أول مركبة تهبط على سطح فوبوس وتعيد عينات منه إلى الأرض.
كيف جرى الإقلاع، وما الذي ينتظر المركبة بعده؟
أقلع الصاروخ «H3» من المنصة الثانية في مجمع يوشينوبو للإطلاق عند 3:41 بعد الظهر بتوقيت شرق الولايات المتحدة (19:41 بتوقيت غرينيتش)، أي في الساعة 4:41 صباح 20 أكتوبر بالتوقيت المحلي في اليابان. وهذا هو الإقلاع العاشر لهذا الصاروخ.
الـ«H3» صاروخ ذو مرحلتين لا يُعاد استخدامه، طورته JAXA بالاشتراك مع «ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة» (Mitsubishi Heavy Industries). يبلغ ارتفاعه 207 أقدام (63 متراً)، وقد سلك مساراً صاعداً طبيعياً فوق المحيط الهادئ. وقبيل مرور دقيقتين على الإقلاع تخلّص من معزّزاته الصلبة الأربعة على دفعتين، ثم أسقط غطاءي الحمولة بعد نحو دقيقة و20 ثانية من انفصال المعزّزات.
تعمل المرحلة الأولى بمحرّكين من طراز LE-9 يحرقان الهيدروجين السائل والأكسجين السائل، ويولّدان معاً قوة دفع تبلغ 331 ألف رطل (1,471 كيلونيوتن). ويمكن الاطلاع على مواصفات محرك LE-9 لدى ميتسوبيشي. وعند نحو الدقيقة الخامسة من الرحلة توقف المحرك الرئيسي وانفصلت المرحلة الأولى عن الثانية، التي اشتعلت بعد نحو 10 ثوانٍ لتعمل 5.5 دقيقة.
بقيت خطوة حاسمة مقرّرة بعد نحو ساعة وأربع دقائق من الإقلاع: إشعال ثانٍ للمرحلة العليا لحرق «الحقن نحو المريخ» (Trans-Mars Injection)، يستمر قرابة 6 دقائق و25 ثانية. وبعد نحو دقيقة منه يُفترض أن تنفصل MMX عن الصاروخ على ارتفاع 368 ميلاً (592 كيلومتراً) فوق وسط أفريقيا.
ما الجدول الزمني حتى العودة إلى الأرض؟
تستغرق رحلة العبور بين الكواكب نحو 10 أشهر، ومن المقرر أن تصل المركبة إلى المريخ في أغسطس 2027. وهناك ستنفّذ وحدة الدفع مناورة الدخول في مدار «شبه تابع» (Quasi-Satellite Orbit – QSO) حول فوبوس. وتنوي المهمة قضاء نحو ثلاث سنوات في منظومة المريخ، وفق هذا التسلسل:
رسم خريطة فوبوس: يبلغ عرض هذا القمر 14 ميلاً (22 كيلومتراً)، وستُرسم خريطته لاختيار مواقع الهبوط.
هبوطان وجمع عيّنات: تهبط المركبة مرتين لجمع العيّنات وتخزينها.
الانتقال إلى مدار مستطيل: بعد الهبوط الثاني تعود المركبة لفترة وجيزة إلى المدار QSO، ثم تنتقل إلى مدار مستطيل (إهليلجي) حول المريخ.
تحليقات فوق ديموس: خلال الأشهر الأخيرة من المهمة تنفّذ سلسلة تحليقات قرب ديموس، وقطره 8 أميال (14 كيلومتراً).
العودة: تغادر المريخ نحو الأرض في نوفمبر 2030، ومن المخطط أن تهبط كبسولة العيّنات في أستراليا عام 2031.
وتحمل المهمة أيضاً مركبة جوّالة اسمها IDEFIX، طورتها وكالتا الفضاء في فرنسا وألمانيا بالاشتراك، ومن المقرر نشرها على فوبوس في أواخر 2028 أو أوائل 2029.
لماذا يهمّ فوبوس وديموس؟
يتجادل العلماء حول أصل القمرين منذ عقود، وثمة نظريتان:
الاصطدام العملاق: اصطدم المريخ بجرم فضائي آخر، فنتجت مادة تكتّلت لتشكّل القمرين. وتُساق لدعمها مداراهما شبه الدائريان في مستوى خط الاستواء.
التقاط كويكبين: كان القمران كويكبين في المنظومة الشمسية المبكرة أسرتهما جاذبية المريخ. ويُستشهد لذلك بشكليهما المستطيلين المتكتلين وبتركيبهما الكيميائي المعروف.
سيدرس العلماء تركيب العيّنات العائدة وبنيتها المعدنية، ويقارنونها بصخور المريخ ومواد الكويكبات. والهدف أن تساعد هذه التحاليل وبيانات المهمة في تحديد أصل فوبوس، ومن ثم أصل ديموس. وتمثّل هذه المقارنة فرقاً بين نقاشٍ نظري مفتوح ودليلٍ مادي يُقاس في المختبر، وهو ما تعد به العيّنة وحدها دون المراقبة من بعيد.
من يشارك في المهمة؟
تقود JAXA المهمة بالشراكة مع ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، إلى جانب شركات أمريكية وأوروبية تورّد المعدات وأجهزة الاتصال. وتشمل مساهمة ناسا:
المطياف MEGANE: مطياف لأشعة غاما والنيوترونات، بناه مختبر الفيزياء التطبيقية في جامعة جونز هوبكنز (APL).
جهاز أخذ العيّنات: جهاز هوائي صنعته «هانيبي روبوتيكس» (Honeybee Robotics).
الاتصالات: دعم عبر شبكة الفضاء السحيق (Deep Space Network).
وقد استثمرت ناسا نحو 87 مليون دولار حتى نهاية المهمة. وخُصّص ما لا يقل عن 15% من عيّنة فوبوس المخطط لها، وتبلغ 10 غرامات (0.35 أونصة)، لدراسة ناسا، على أن تُنقل حصتها إلى مركز جونسون للفضاء في هيوستن للتحليل والحفظ الطويل الأمد.
ماذا عن سابقة روسيا؟
لا تُعدّ هذه المحاولة الأولى لجلب عيّنات من فوبوس. فقد أطلقت روسيا مهمة «فوبوس-غرونت» (Phobos-Grunt) في نوفمبر 2011، لكنها أخفقت في مغادرة مدار الأرض بسبب خلل في الصاروخ. وسقطت المركبة، وزنها 14.5 طناً، في المحيط الهادئ في يناير 2012.
والسؤال الذي يبقى معلّقاً حتى عام 2031: هل ستنجح MMX في ما أخفقت فيه تلك المحاولة، فتصل 10 غرامات من فوبوس إلى مختبرات الأرض؟ إن حدث ذلك فسيكون أمام العلماء، للمرة الأولى، مادة مباشرة من قمر مريخي للفصل بين نظريتي نشأته.
أخبار ذات صلة

تلسكوب جيمس ويب يرصد انفجار نجم عملاق في فجر الكون

نجم نيوتروني مغناطيسي فائق يولد من اصطدام نجمين نيوترونيين

القمر يتقلّص مع تبريده... ومخاطر تهدّد المهام القمرية
