مصادرة كروم العنب في الخليل تهدد حياة المزارعين
زهور طروة تفقد كروم عنبها في الخليل بعد مصادرتها من الجيش الإسرائيلي ضمن توسعة طريق استيطاني يهدد مصدر رزق آلاف العائلات الفلسطينية ويعكس استهدافاً ممنهجاً للأراضي الزراعية في الضفة الغربية وورلد برس عربي.

وقفت زهور طروة مذهولةً حين رأت علامات الجيش الإسرائيلي تنتشر في كرمها، معلنةً مصادرته.
هذه الفلسطينية البالغة من العمر 68 عاماً قضت سنواتٍ في رعاية أرضها برفقة ابنتيها في وادي البقعة الخصيب، شرقي الخليل في الضفة الغربية المحتلة.
كانت 200 كرمة عنب تملأ القطعة بأوراقٍ خضراء واسعة، تبشّر بموسم وفير.
غير أن أمر المصادرة جاء قبل أن يحين ذلك الموسم وتبعته الجرّافات سريعاً.
قالت طروة : «جرفوا الأرض كلّها، اقتلعوا الكروم والمحاصيل الأخرى. لم يتبقَّ لنا شيءٌ سوى الحسرة على هذا المشهد».
خسارة عائلتها ليست حادثةً منفردة، بل جزءٌ من نمطٍ أوسع يتكشّف في أرجاء الخليل، المنطقة التي طالما اشتُهرت بإنتاج بعض أجود العنب في المنطقة.
صادر الجيش الإسرائيلي مؤخراً مساحاتٍ واسعة من الأراضي الزراعية لتوسعة الطريق رقم 60، وهو شارعٌ استيطاني رئيسي يربط المستوطنات الكبرى عبر الضفة الغربية.
وقد استلزم مشروع توسعة هذا الطريق الممتد 235 كيلومتراً الاستيلاءَ على عشرات الآلاف من الدونمات المملوكة لفلسطينيين.
بدأت عمليات الجرف في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع في أجزاء من الخليل، وأفادت مصادر محلية بأنها تطال ما لا يقلّ عن 400 دونم من الكروم، وما يقارب 40,000 كرمة عنب.
من بينها 2.8 دونم تعود ملكيتها لابنتَي طروة. وأرضٌ مجاورة يملكها صهرها تحوّلت بالفعل من كرمٍ مزروع إلى تراب أجرد.
قالت: «لا شيء يوقف مخطّطاتهم ولا جرّافاتهم. لا نستطيع فعل شيء لا نملك إلا الحزن».
قلب الحياة في الخليل
في الخليل، العنب أكثر من مجرّد محصول؛ إنه رمزٌ للهوية متجذّرٌ في قرون من الزراعة، ومصدرٌ حيوي للدخل لكثير من العائلات.
يأتي العنب في المرتبة الثانية بعد الزيتون بين المنتجات الزراعية الفلسطينية، وتعتمد عليه عشرات العائلات في البقعة مصدراً رئيسياً لمعيشتها.
تمتد المنطقة على نحو 10,000 دونم، وتُعدّ من أكثر مناطق الكروم خصوبةً في الضفة الغربية، وتمتد من بيت عينون وبني نعيم حتى منطقة القيزون.
لسنواتٍ طويلة، استهدفت قوات الاحتلال والمستوطنون موسم الزيتون في فلسطين، مدمّرين مصدر رزقٍ أساسياً لعائلاتٍ كثيرة. وفي السنوات الأخيرة، امتدّ هذا الضغط ليطال الكروم أيضاً، ولا سيما في الخليل وبيت لحم.
جاء الجرف الأخير قُبيل موسم قطف العنب مباشرةً، ممّا ضاعف خسائر العائلات.
الناشط المناهض للاستيطان عطا جابر، الذي يمتلك أرضاً في المنطقة، قال إن هذه الإجراءات تهدف إلى تهجير المزارعين عن أراضيهم.
تمتد زراعة عائلته للكروم في المنطقة لأكثر من قرن. عام 1970، جرى الاستيلاء على جزءٍ من أرضهم لإقامة مستوطنة كريات أربع، ثم جاءت خسائر إضافية عام 1985 مع إنشاء مستوطنة خرسينا.
ولم تقتصر التداعيات على الأراضي الزراعية، إذ هُدمت منازل وهُجّرت عائلات.
قال جابر : «عام 1995، بدأت جرّافات الاحتلال فجأةً بشقّ الطريق الاستيطاني المعروف بالطريق رقم 60 عبر أرضنا. كانت تلك خسارتنا الثالثة بعد إقامة المستوطنتين، وقطعت أرزاق نحو 800 عائلة فلسطينية».
قبل الاقتلاع، كان كرمه يدرّ ما لا يقلّ عن 60,000 شيكل (نحو 20,000 دولار) سنوياً.
قال: «أعتني بكرومي كما أعتني بأبنائي. ليس لدينا مصدر رزقٍ آخر هكذا تربّينا، وهذا ما نعلّمه لأبنائنا: أن الأرض هي كلّ شيء، رزقنا ومستقبلنا. لكن إسرائيل تدمّر كلّ ذلك بصورة ممنهجة».
استهداف ممنهج للأراضي الزراعية
تصاعد استهداف الأشجار في الضفة الغربية من قِبَل قوات الاحتلال والمستوطنين في السنوات الأخيرة، متجاوزاً الحوادث الفردية ليتحوّل إلى نمطٍ أكثر تكراراً وانتظاماً يطال مناطق عدة.
وفقاً للجنة مقاومة الجدار والاستيطان، جرى اقتلاع أو إتلاف أو تسميم نحو 35,273 شجرة زيتون وعنب وتين خلال عام 2025 وحده وهو رقمٌ يكشف حجم الضرر الواقع على مزارعين وعلى المشهد الزراعي برمّته.
تُزرع عشرات الآلاف من الدونمات في الضفة الغربية وغزة بالعنب.
في الخليل وشمالها وحدهما، تبلغ مساحة الزراعة نحو 37,500 دونم، وفق محمود فطافطة، المتحدث باسم وزارة الزراعة.
وفي منطقة البقعة تحديداً، يُزرع نحو 1,300 دونم بالكروم، ينتج ما يقارب 13,000 طن من العنب ونحو 1,000 طن من الأوراق، بحسب ما أفاد به فطافطة .
بيد أن المسؤولين يؤكدون أن القطاع يواجه تحدياتٍ جسيمة، في مقدّمتها مصادرات الأراضي المتواصلة التي أفضت إلى تقليص المساحات المزروعة، فضلاً عن الاعتداءات المتكررة من المستوطنين على الكروم والمزارعين.
وأفاد فطافطة بأن نحو 200 دونم جرى جرفها واقتلاعها في البقعة حتى الآن، محذّراً من أن الاعتداءات مستمرة في ما وصفه باستهدافٍ ممنهج للكروم.
أخبار ذات صلة

الإجهاض في غزة يتصاعد وسط القصف والحصار

اجتماع أمني عاجل في بغداد بعد غارات أمريكية وسعودية

الاتفاق النووي الأمريكي السعودي: الشرق الأوسط يراهن على الردع
