عودة العراق لكأس العالم بين التحديات والأمل الجديد
عودة العراق لكأس العالم بعد غياب 40 عاماً كانت تاريخية رغم الهزائم الثقيلة التي كشفت فجوة كبيرة مع النخبة العالمية. التركيز الآن على تطوير الفريق وبناء مستقبل قوي لكرة القدم العراقية وورلد برس عربي.

أربعون عاماً من الغياب، ثم عودةٌ مؤلمة. هذا ما يمكن قوله باختصار عن مشاركة العراق في كأس العالم هذا الصيف؛ عودةٌ تاريخية إلى أكبر بطولةٍ كروية في العالم، لكنّ فداحة النتائج كشفت بوضوح الهوّة التي تفصل "أسود الرافدين" عن النخبة الدولية.
بدأ "أسود الرافدين" مسيرتهم بهزيمةٍ أمام النرويج بأربعة أهداف مقابل هدف واحد، ثم سقطوا أمام فرنسا بثلاثة أهداف دون ردّ، قبل أن يودّعوا البطولة بخسارةٍ مثيرة للقلق أمام السنغال بخمسة أهداف مقابل لا شيء. لم يُجارِ أيّ فريقٍ آخر في دور المجموعات العراقَ في عدد الأهداف المُستقبَلة، وهو رقمٌ يقول كلّ شيء دون الحاجة إلى تعليق.
كشفت هذه النتائج عمق الفجوة التي يتعيّن على الكرة العراقية ردمها، وهي مهمّةٌ يرى كثيرٌ من المتابعين أنّها قد تستغرق سنواتٍ طويلة.
غير أنّ في المشهد الكئيب بعض الومضات. هدف المهاجم أيمن حسين في شباك النرويج الذي احتفى به 60,000 متفرّج في الملعب وملايين آخرون حول العالم كان لحظةً نادرة من الفرح وسط موجة الخيبات.
قالت زينب حسن، المقيمة في نيويورك ومن المشجّعين العراقيين: "يصعب وصف ما شعرت به حين رأيت العلم وسمعت الأغاني وكنّا معاً. خسر الفريق، لكنّ الأمر لم يكن عن الفوز، بل عن التواجد هناك والإحساس بالإثارة. لم أكن أظنّ أنّني سأرى ذلك يوماً."
لم يتوقّع كثيرٌ من المعنيين بالكرة العراقية مساراً سهلاً، لكنّ حجم الهزائم وضع الأداء تحت المجهر. فالعاطفة التي حملت الجمهور طوال مرحلة التصفيات لا تكفي هنا؛ التحليل الهادئ هو ما تحتاجه المرحلة الآن.
أعلنت اللجنة الأولمبية العراقية أنّها ستُطلق مراجعةً شاملة بالتنسيق مع الاتحاد العراقي لكرة القدم لتقييم ما جرى وتحديد ما يجب فعله.
قال المعلّق الرياضي التلفزيوني المقيم في بغداد نوّار فائق الركابي: "حاولنا، لكنّ الأمر كان صعباً. لم نؤدِّ بالمستوى المطلوب. كان من المفترض أن نلعب أفضل وألّا نخسر بهذه الفداحة. كنّا نخسر 2-1 أمام النرويج ثم ارتكبنا خطأً ولم نتعافَ منه. أمام فرنسا ونجومها، لا نملك ببساطة التجربة الكافية. أمّا السنغال فكانت كارثة، كان يجب أن نبدو أفضل من هذا. لدينا لاعبون جيّدون، لكنّنا لم نبدُ كذلك."
بالنسبة للاتحاد، فإنّ التأهّل في حدّ ذاته يمثّل منعطفاً تاريخياً بعد غيابٍ امتدّ أربعة عقود.
قال أحمد عودة زامل، المتحدّث باسم الاتحاد العراقي لكرة القدم: "تحقّق الهدف الأساسي المتمثّل في التأهّل لكأس العالم بعد غيابٍ دام 40 عاماً. في الوقت ذاته، يُدرك الاتحاد أنّ العودة بعد أربعة عقود طرحت تحدّياتٍ جديدة."
مواجهة النرويج وفرنسا والسنغال ثلاث منتخباتٍ راسخة تمتلك عمقاً استثنائياً في الموهبة أظهرت بجلاء أين يقف العراق حالياً. المهمّة الآن ليست مجرّد التأهّل مجدّداً، بل بناء فريقٍ قادر على المنافسة الحقيقية.
أضاف زامل: "المنافسة على أعلى المستويات تستلزم التجربة والتطوير المستمرّ والتحضير الدقيق. لذا، ينصبّ التركيز الآن على ضمان استعداد الفريق التام لتمثيل العراق بفخر، واستخدام هذا التأهّل التاريخي أساساً للنجاح على المدى البعيد."
بناء الأسس
يتحوّل الاهتمام سريعاً إلى ما هو قادم. كأس الخليج الثامن للأمم الذي يضمّ ثماني منتخبات في سبتمبر، وكأس آسيا الذي يضمّ 24 فريقاً في يناير وكلاهما في السعودية يُتيحان فرصاً حقيقية للتقدّم، فيما تبقى الاستمراريّة على مقعد التدريب عاملاً محورياً.
أوّل الأسئلة المطروحة: هل يبقى Graham Arnold مدرّباً للمنتخب؟
المدرّب الأسترالي الذي تولّى المهمّة في مارس 2025 قاد العراق إلى التأهّل وينال دعم الاتحاد.
قال زامل: "الاستقرار التقني من أبرز عوامل النجاح، لذا فإنّ تجديد عقد المدرّب يعكس ثقة الاتحاد في المشروع الحالي والتزامه بالحفاظ على الاستمرارية."
مستقبل Arnold لا يزال غير محسوم في ظلّ تقاريرٍ تشير إلى اهتمام الإمارات بخدماته. غير أنّ بعض المراقبين يرون أنّ بصمته على الفريق بدأت تتشكّل فعلاً.
قال الركابي: "على الاتحاد إبقاء Arnold، فقد منح الفريق شخصيّة. رغم الخسائر الثقيلة، إن أبقوا عليه فلديه الفرصة لبناء فريقٍ شبابي جديد."
أبعد من المدى القريب، ثمّة إشكاليةٌ هيكلية أعمق: تطوير الكادر التدريبي العراقي.
أضاف الركابي: "علينا التحسّن في هذا المجال. المدرّبون المحليّون يحتاجون إلى تدريب، وحضور دورات، والاطّلاع على عمل الأندية الأوروبية على مستوى الأكاديميات. في كرة القدم الحديثة، المدرّب على مستوى تحت 17 عاماً هو جوهر كلّ شيء."
كثرة المدرّبين المؤهَّلين ستنعكس بالضرورة على تطوير الشباب في بلدٍ يتجذّر فيه الشغف الكروي.
قال الركابي: "نحن أمّةٌ من 46 مليون نسمة، فلا يُعقل ألّا يكون لدينا لاعبون جيّدون، لكنّنا لا نراهم. العراقيون يعشقون كرة القدم، فإن اهتممنا باللاعبين من سنّ 12 إلى 16 عاماً فلدينا مواهب استثنائية؛ لكن إن لم يرَهم أحد، سيتلاشون."
الدوري المحلّي أوّلاً
بينما يستعين العراق بصورةٍ متزايدة بلاعبي الشتات وهو توجّهٌ عالمي تجلّى في هذه النسخة من كأس العالم يبقى التقدّم الحقيقي على المدى البعيد رهيناً بمستوى الكرة المحلية.
دوري نجوم العراق يظلّ الركيزة الأساسية، لكنّه يحتاج إلى إصلاحٍ هيكلي واستثمارٍ حقيقي.
قال الركابي: "لا نمتلك ملاعب تدريبٍ كافية، وهذه مشكلةٌ كبيرة جداً، فضلاً عن غياب التخطيط الاستراتيجي. التفكير منصبٌّ على نتائج الموسم الحالي فحسب. أصوات الجماهير قوية والأندية تخشاها. لا نمتلك الهيكل الصحيح للدوريات المحلية، ولا دوري تحت 17 عاماً، ولا فرق منظّمة تحت 20 عاماً."
على عكس الجيران كالسعودية وقطر، يفتقر العراق إلى الموارد المالية المقارنة. ومع ذلك، يؤكّد الاتحاد التزامه بتعزيز أسس الدوري.
قال زامل: "الاتحاد ملتزمٌ بتعزيز القيمة التجارية والتسويقية للدوري، وتحسين حوكمة الأندية واستدامتها المالية لرفع مستوى التنافسية الإجمالية وإنتاج لاعبين قادرين على المنافسة الدولية. دوريٌّ محلّي أقوى سيُقوّي المنتخب الوطني بالضرورة. تحسين الملاعب والبنية التحتية، ورفع المعايير المهنية للأندية، والاستثمار في تطوير الشباب وأنظمة الأكاديميات."
ما إذا كانت عودة العراق ستُشكّل نقطة تحوّل حقيقية أم مجرّد ومضةٍ عابرة، لن يتّضح إلّا بمرور الوقت. التأهّل لكأس العالم 2030 سيعني أنّ دروس هذه الحملة قد استُوعبت، وأنّ التأهّل بعد 40 عاماً كان بدايةً لرحلةٍ أطول.
لكنّ للمشجّعين رأيهم الخاص في هذا كلّه.
قالت حسن: "كان رائعاً أن نرى العراق على الساحة الدولية. نودّ أن نكرّر هذه التجربة."
أخبار ذات صلة

بيان من الفيفا بشأن كأس العالم بعد قرار مقاطعة اليويفا

زيدان يتولّى تدريب منتخب فرنسا

بالسيوف والفؤوس والدروع، المقاتلون يتواجهون وجهاً لوجه في بطولة العالم للقتال القروسطي
