أزمة المحكمة الجنائية الدولية وتهديدات خان
المحكمة الجنائية الدولية تواجه أزمة غير مسبوقة بعد تعليق المدّعي العام Karim Khan وسط اتهامات بالتحرش. كيف أثرت الضغوط السياسية على مسيرته؟ اكتشف المزيد عن الصراعات الداخلية التي تهدد العدالة الدولية في مقالنا.

المحكمة الجنائية الدولية في حالة من الجمود غير المسبوق.
المدّعي العام للمحكمة، Karim Khan، معلَّق من مهامه في خضمّ حملةٍ تسعى إلى إقالته من منصبه.
صوّتت الدول الأعضاء في مكتب جمعية الدول الأطراف (ASP)، الهيئة التنفيذية للمحكمة الجنائية الدولية، يوم الاثنين على تعليق Khan، وذلك بعد أن تجاهلت نتائج تحقيقٍ أممي أجرته بنفسها في اتهاماتٍ بالتحرش الجنسي وُجِّهت إليه.
القضاة الذين عُيِّنوا للنظر في نتائج التحقيق برَّأوا المدّعي العام في وقتٍ سابق من هذا العام، وخلصوا إلى عدم وجود أيّ دليلٍ على ارتكابه مخالفات. بيد أنّ مكتب جمعية الدول الأطراف آثر اتّخاذ خطوةٍ استثنائية بامتياز، إذ أهمل تلك النتائج وأجرى تقييمه الخاص للتحقيق.
Khan كان أصلاً في إجازةٍ لأكثر من عام، وهو مفروضٌ عليه عقوباتٌ أمريكية جرّاء سعيه لاستصدار أوامر اعتقال بحقّ رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu ووزير دفاعه السابق Yoav Gallant. كما طالت العقوباتُ نائبَيه وعدداً من القضاة.
الشهر الماضي، في مقابلةٍ وصف Khan الضغوطَ الاستثنائية والتهديدات التي تعرّض لها على خلفية سعيه لاستصدار أوامر الاعتقال بحقّ المسؤولين الإسرائيليين، بما فيها تهديداتٌ صدرت عن وزير الخارجية البريطاني الأسبق David Cameron والسيناتور الأمريكي Lindsey Graham.
واتّهم Khan الهيئةَ الحاكمة للمحكمة بشنّ حملةٍ "خطيرة" ومتحيّزة لإقالته من منصبه، مستندةً إلى اتهاماتٍ بالتحرش الجنسي يصفها بأنّها لا أساس لها، وإلى تحقيقه في الجرائم الحربية الإسرائيلية المزعومة.
في حين يتألّف مكتب جمعية الدول الأطراف من 21 عضواً، فإنّ جميع الدول الـ125 الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية ممثَّلةٌ في الهيئة الحاكمة. وهذه الدول الأعضاء هي التي ستحسم في نهاية المطاف مصير Khan.
إذا أُقِرَّ قرار المكتب بوجود سلوكٍ مشين في تصويتٍ يحظى بموافقة ثلثَي الأعضاء على الأقل، فستُجري جمعية الدول الأطراف تصويتاً ثانياً لإقالة المدّعي العام.
فكيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟
التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية
Khan محامٍ بريطاني سبق أن شغل منصب مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، وعمل محامياً للدفاع في المحاكم الجنائية المحلية والدولية.
انتُخب في فبراير 2021 من قِبَل جمعية الدول الأطراف مدّعياً عاماً للمحكمة الجنائية الدولية، ليصبح ثالث شخصٍ يتولّى هذا المنصب منذ تأسيس المحكمة عام 2002.
شغل Khan منصب أوّل مستشارٍ خاص ورئيسٍ للفريق الأممي التحقيقي المعني بتعزيز المساءلة عن الجرائم التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق بين عامَي 2018 و2021.
منذ انتخابه مدّعياً عاماً عام 2021، حقّق مكتبه في جرائم دولية خطيرة ارتكبت من قِبَل قادة دول من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك السعي لاستصدار أوامر اعتقال بحقّ قادة المجلس العسكري في ميانمار ومسؤولين في حركة Taliban بأفغانستان.
وعقب سعيه لاستصدار أمر اعتقال بحقّ الرئيس الروسي Vladimir Putin إثر غزوه لأوكرانيا، فرضت روسيا عقوباتٍ على Khan.
كان التحقيق الجنائي في الجرائم الحربية في الأراضي الفلسطينية المحتلّة قد انطلق قبل أشهرٍ من تولّي Khan منصبه، على يد سلفه Fatou Bensouda، وزيرة العدل الغامبية السابقة التي تشغل حالياً منصب سفيرة بلادها في لندن.
كشف The Guardian عام 2024 أنّ الموساد مارس ضغوطاً وتهديداتٍ مزعومة على Bensouda في حملةٍ فاشلة امتدّت لسنوات بهدف إثنائها عن فتح التحقيق، ثم وضع خلفها Khan تحت المراقبة.
بدأت الضغوط تتصاعد على Khan في أبريل 2024، حين كان يستعدّ للتقدّم بطلب أوامر اعتقال بحقّ رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu و وزير دفاعه آنذاك Yoav Gallant بتهمة ارتكاب جرائم حرب، ثم عادت للتصاعد في أكتوبر 2024، أي قبل شهرٍ من إصدار قضاة المحكمة أوامر الاعتقال.
في مايو 2024 تقدّم Khan بطلب أوامر الاعتقال، وأصدرتها المحكمة في نوفمبر من العام ذاته.
نقل في أغسطس الماضي أنّ الضغوط التي تعرّض لها المدّعي العام خلال تلك الفترة تضمّنت تهديداتٍ وتحذيراتٍ صدرت عن سياسيين بارزين، ومساعي مقرّبين منه وأصدقاء عائلته للنيل منه، وتخوّفاتٍ على سلامته الشخصية إثر رصد وجود فريقٍ من الموساد في لاهاي، فضلاً عن تسريباتٍ إعلامية تتعلّق باتهامات التحرش الجنسي.
قال Khan الشهر الماضي أنّه تلقّى معلوماتٍ تفيد بأنّه يخضع لمراقبةٍ مكثّفة من أجهزة الاستخبارات الروسية والإسرائيلية، وأنّه أبلغ السلطات بذلك.
وأكّد أنّ السيناتور الأمريكي Lindsey Graham هدّده بفرض عقوباتٍ إذا تقدّم بطلبات الاعتقال وهو ما سبق الإبلاغ عنه. وقال: "كانت المحادثة وديّةً إلى حدٍّ ما، حتى قال لي: 'إذا فعلت ما سمعت أنّك ستفعله، فستكون هناك عواقب معيّنة'."
كما استحضر Khan محادثته في 23 أبريل 2024 مع وزير الخارجية البريطاني آنذاك David Cameron، الذي هدّده بانسحاب المملكة المتحدة من المحكمة الجنائية الدولية وقطع تمويلها إذا مضت المحكمة قُدُماً في استصدار أوامر اعتقال بحقّ مسؤولين إسرائيليين. وكان قد كشف عن هذه المكالمة الهاتفية أوّل مرّةٍ في يونيو من العام الماضي.
قال Khan إنّ Cameron، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق والعضو الحالي في مجلس اللوردات، أخبره "أنّني فقدت صوابي، أو أنّ الناس سيعتقدون أنّني فقدت صوابي إذا مضينا قُدُماً بأوامر الاعتقال.على النحو الذي سمعه."
وأضاف: "طُرحت عليّ جملةٌ من الأسئلة، وأُبلِغت بعواقب أو عواقب محتملة في سياق محادثةٍ كانت عسيرة."
وتابع Khan: "كان واضحاً أنّه غير مرتاحٍ لما سمعه، وأنّ ذلك سيُفضي إلى مشكلاتٍ من وجهة نظره. ولم يدَع لي مجالاً للشكّ في أنّ المملكة المتحدة، بوصفها أحد أكبر الممولين للمحكمة، وحزبه المحافظ الحاكم آنذاك، كما قال، إضافةً إلى الولايات المتحدة، قد يرون أنّني سأخسر الغرفة السياسية، وهو ما قد يُفضي إلى بعض الصعوبات. وبالطبع كان محقّاً."
وأكّد المدّعي العام أنّه إذا أجرت لجنة الشؤون الخارجية تحقيقاً في تلك المكالمة الهاتفية وطلبت منه الإدلاء بشهادته، فإنّه "سيأخذ ذلك بعين الاعتبار ويتعاون بالتأكيد".
اتهامات التحرش الجنسي
عام 2025، مع عودة Donald Trump إلى البيت الأبيض، طالت العقوباتُ الأمريكية Khan شخصياً.
ثم اتّسع نطاق العقوبات لتشمل نائبَي المدّعي العام وثمانية قضاة من المحكمة الجنائية الدولية مشاركين في التحقيقَين المتعلّقَين بفلسطين وأفغانستان، إضافةً إلى المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين، ومنظّماتٍ غير حكومية فلسطينية قدّمت أدلّةً للمحكمة.
في إشارةٍ إلى الضغوط المتصاعدة التي تواجهها المحكمة منذ عودة Trump إلى السلطة في يناير 2025، قال Khan: "كنت أنا حقل التجارب في فبراير 2025 حين جاء الرئيس Trump. ثم في أغسطس طالت العقوباتُ النائبَين. وبعدها بعض المنظّمات الفلسطينية غير الحكومية وشخصياتٍ كـFrancesca Albanese، المقرّرة الخاصة. فعلت الولايات المتحدة ذلك لإيذاء المحكمة، لإثناء العاملين فيها، ولضمان الامتثال لخيارها المفضّل، وهو عدم إجراء أيّ تحقيقاتٍ في فلسطين."
في الوقت ذاته، كانت المحكمة تتخبّط في فضيحةٍ تتعلّق باتهامات التحرش الجنسي الموجَّهة لـKhan، وهي اتهاماتٌ نفاها دائماً.
في 29 أبريل 2024، أي بعد أكثر من شهرٍ على اتّخاذ قرار التقدّم بطلب أوامر الاعتقال بحقّ Netanyahu وGallant، تقدّم أحد موظّفي Khan باتهاماتٍ بالتحرش ضدّه.
أُحيلت هذه الاتهامات إلى آلية الرقابة الداخلية للمحكمة (IOM)، الجهاز التحقيقي فيها، في 3 مايو، غير أنّ التحقيق أُغلق بعد أيّامٍ قليلة إثر إعلان المرأة رفضها التعاون.
فُتح تحقيقٌ آخر من قِبَل آلية الرقابة الداخلية في الاتهامات ذاتها وأُغلق لاحقاً في العام نفسه، قبل أن يبدأ تحقيقٌ خارجي أممي.
قال Khan الشهر الماضي أنّه لم يُمنح حقّ إخفاء هويّته خلال التحقيق في الشكوى المقدَّمة ضدّه، على خلاف مسؤولين آخرين في المحكمة واجهوا اتهاماتٍ مماثلة من قبل. وقد أكّد رئيس مكتب جمعية الدول الأطراف هويّته للإعلام في أواخر عام 2024.
تصاعدت الضغوط على المدّعي العام أكثر في مطلع عام 2025، حين أُفيد بسعيه لاستصدار أوامر اعتقال بحقّ مزيدٍ من الوزراء الإسرائيليين، وتزامن ذلك مع موجةٍ جديدة من التسريبات الإعلامية حول اتهامات التحرش الجنسي. وفرضت إدارة Trump عقوباتٍ على Khan في فبراير من العام ذاته.
ثم انتهى Khan إلى الإجازة في منتصف مايو، بُعيد فشل محاولةٍ لتعليقه بادر إليها أحد كبار أعضاء مكتبه، وفي خضمّ التحقيق الأممي في اتهامات التحرش.
في مارس، خلص فريقٌ من القضاة عيّنته جمعية الدول الأطراف إلى أنّ التحقيق لم يُثبت أيّ "سلوكٍ مشين أو إخلالٍ بالواجب" من جانب Khan.
بيد أنّ غالبية أعضاء مكتب جمعية الدول الأطراف صوّتت لصالح تجاهل تقرير القضاة وإجراء تقييمها الخاص للتحقيق.
"أرضٌ مجهولة"
عُلم أنّ المدّعي العام قدّم للجمعية الشهر الماضي أدلّةً من Ben Swanson، مساعد الأمين العام السابق لمكتب خدمات الرقابة الداخلية للأمم المتحدة (OIOS)، الجهة التي حقّقت في قضية Khan.
غادر Swanson منصبه في فبراير 2025، ممّا يعني أنّ فترة توليّه المنصب تزامنت مع التحقيق في Khan الذي انطلق في أواخر عام 2024.
قال Swanson: "لا يوفّر تقرير تحقيق OIOS، ولا المواد الأساسية الكامنة وراءه، أدلّةً كافيةً لدعم أيّ استنتاجٍ بوجود سلوكٍ مشين وفق المعيار المطلوب للإثبات."
حذّر Khan الشهر الماضي من أنّ الحملة ضدّه دفعت المحكمة إلى "أرضٍ مجهولة" قد تُفضي إلى سابقةٍ خطيرة في إقالة المسؤولين المنتخبين تحت وطأة الضغوط السياسية.
وقال Khan : "إذا كان بالإمكان تحويل مسار أيّ إجراءٍ قانوني وتقويضه وإفساده، لأنّ مندوبي الدول والدبلوماسيين يظنّون، لأيّ سببٍ كان، أنّهم يعرفون أفضل، فهذا يُرسي نموذجاً للتخلّص من أيّ مسؤولٍ منتخب، الآن أو في المستقبل، بذرائع واهيةٍ أو ملفَّقة أو لا أساس لها."
وأضاف Khan أنّه إذا سعت جمعية الدول الأطراف إلى إقالته، فسيلجأ إلى محكمة العمل الدولية الإدارية (ILOAT)، الجهة التي يحقّ لموظّفي المحكمة الجنائية الدولية الطعن أمامها في القرارات الوظيفية.
في رأيٍ قانوني شارك فيه مع الدول الأعضاء في المحكمة الشهر الماضي، قال Abdul Koroma، القاضي السابق في محكمة العدل الدولية، إنّ محكمة العمل الدولية الإدارية قد تأمر المحكمة الجنائية الدولية بإعادة Khan إلى منصبه وتعويضه بما يصل إلى 1.5 مليون يورو (1.74 مليون دولار) إذا أقدمت هيئتها الحاكمة على إقالته أو معاقبته.
نائب وزير الخارجية النرويجي Andreas Kravik أخبر الأسبوع الماضي أنّ مكتب جمعية الدول الأطراف يجب أن "يحترم الإجراءات" التي وضعها بنفسه للنظر في اتهامات السلوك المشين بحقّ المدّعي العام.
وقال Kravik: "ما أكّدناه هو أنّ المحكمة الجنائية الدولية تحتاج إلى معالجة هذه القضية وفق الإجراءات المعتمَدة للنظر في مثل هذه الاتهامات."
وحذّر من أنّ "خلاف ذلك سيُولّد على أقلّ تقدير انطباعاً بتسييس العملية، وهو ما سيمسّ نزاهة المحكمة. وهذا شيءٌ لا يمكننا تحمّله، لا سيّما في هذا الوقت الذي تتعرّض فيه المحكمة لضغوطٍ حقيقية من دولٍ أخرى تسعى بكلّ ما أوتيت من قوّةٍ إلى تصوير المحكمة كجهةٍ مسيَّسة لا تعمل وفق المبادئ الجوهرية للقانون الدولي."
الآن وقد جرى تعليق Khan، أعلن مكتب جمعية الدول الأطراف أنّه قرّر عقد دورةٍ استثنائية للجمعية في أقرب وقتٍ ممكن للنظر في المسألة.
وجاء في بيانه: "استند تقييم المكتب إلى تقرير التحقيق الذي أجراه مكتب خدمات الرقابة الداخلية للأمم المتحدة (OIOS)، والأدلّة الأساسية، ومشورة لجنةٍ مخصَّصة من الخبراء القضائيين، والمذكّرات المكتوبة."
وأضاف البيان: "سيظلّ قرار المكتب والوثائق ذات الصلة سريّةً. ويواصل المكتب مطالبته باحترام خصوصية جميع الأطراف المعنية وحقوقهم، فضلاً عن نزاهة العملية الجارية."
وفقاً لقواعد جمعية الدول الأطراف، يستلزم أيّ إقرارٍ بوجود سلوكٍ مشين حصول موافقة ثلثَي الدول الأعضاء الحاضرة والمصوِّتة في الجمعية. وإذا صوّتت الجمعية على إقرار السلوك المشين الجسيم، فستُجري تصويتاً ثانياً للبتّ في مسألة إقالة المدّعي العام، وهو ما يستلزم أغلبيةً مطلقة لا تقلّ عن 63 صوتاً لإقالة Khan.
قال فريق المحامين المدافع عن Khan يوم الاثنين: "القرار مخالفٌ للقانون، وغير عادلٍ من الناحية الإجرائية، ولا يستند إلى أيّ دليل. إنّه يتجاهل الاستنتاج الإجماعي للهيئة القضائية المستقلّة التي عيّنها المكتب بنفسه، والتي خلصت إلى أنّ الوقائع التي توصّل إليها OIOS لا تُثبت أيّ سلوكٍ مشين أو إخلالٍ بالواجب في إطار المنظومة القانونية ذات الصلة."
وأكّد الفريق أنّه سيتّخذ "جميع الخطوات اللازمة للطعن في هذا القرار وحماية حقوقه وضمان احترام ضمانات المحاكمة العادلة."
مصيرُ Khan الآن إلى جانب مصير المحكمة الجنائية الدولية ذاتها معلَّقٌ في الميزان.
أخبار ذات صلة

السعودية وتركيا تُحييان مشروع سكة الحجاز التاريخية

إسرائيل: بن غفير يدعو لاختطاف نساء ولبنانيين لابتزاز حزب الله

زيلينسكي يصل إلى إستونيا للمشاركة في قمة الدول الشمالية والبلطيقية
