قلق أوروبي متزايد بشأن مستقبل المحكمة الجنائية
دعا نائب وزير الخارجية النرويجي الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية إلى تجنب تسييس التحقيقات حول المدعي العام كريم خان، مشددًا على أهمية احترام الإجراءات القانونية. هل ستؤثر هذه الضغوط على نزاهة المحكمة؟

في خطوةٍ تكشف عن قلقٍ أوروبي متصاعد إزاء مستقبل المحكمة الجنائية الدولية، دعا نائب وزير الخارجية النرويجي Andreas Kravik الدولَ الأعضاء في المحكمة إلى تجنّب «الانطباع بأنّ العملية تتسيّس» مع اقتراب موعد التصويت على مصير المدّعي العام Karim Khan.
جاءت تصريحات Kravik في حديثٍ خاص، قُبيل الموعد النهائي المحدّد يوم الاثنين لمكتب جمعية الدول الأطراف (ASP) التابعة للمحكمة الجنائية الدولية للتصويت على مستقبل Khan. وحثّ الدبلوماسي النرويجي الهيئة التنفيذية للمحكمة على «احترام الإجراءات» التي وضعتها بنفسها للنظر في ادّعاءات سوء السلوك الموجّهة إلى المدّعي العام.
وإن أوصى مكتب الجمعية المؤلّف من 21 عضواً بإدانة Khan بسوء سلوكٍ جسيم، فإنّ الجمعية الأوسع المؤلّفة من 125 دولةً ستُصوّت على القضية، ويُشترط لإقرار القرار الحصول على أغلبية الثلثين. ثم يُجرى تصويتٌ ثانٍ للبتّ في مسألة إعفائه من منصبه.
وقال Kravik يوم الخميس من مقرّ وزارة الخارجية النرويجية في أوسلو: «ما قلناه هو أنّ المحكمة الجنائية الدولية بحاجةٍ إلى معالجة هذه القضية وفق الإجراءات المعتمدة للنظر في مثل هذه الادّعاءات».
والنرويج دولةٌ عضو في المحكمة منذ تأسيسها بموجب نظام روما الأساسي عام 2002، غير أنّها لا تمتلك مقعداً في مكتب الجمعية.
وكان قد كشف في مارس أنّ لجنةً من القضاة عيّنها المكتب خلصت إلى أنّ تحقيق الأمم المتحدة لم يُثبت أيّ مخالفة من جانب Khan. بيد أنّ أغلبية أعضاء المكتب صوّتت بعد أسابيع قليلة لصالح تجاهل تقرير القضاة، في إشارةٍ إلى احتمال ارتكابه نوعاً من سوء السلوك.
«التسييس»
حذّر خبراء قانونيون من أنّ تجاهل المكتب لرأي القضاة ينطوي على خطر تسييس التحقيق في ادّعاءات سوء السلوك.
وقال Kravik: «نرى أنّ احترام الإجراءات المعتمدة أمرٌ بالغ الأهمية».
وأضاف: «وإلا فستسود على أقلّ تقديرٍ قناعةٌ بأنّ العملية تتسيّس، وهو ما سيمسّ نزاهة المحكمة».
وتابع: «هذا أمرٌ لا نستطيع تحمّله، لا سيّما في هذا الوقت الذي تتعرّض فيه المحكمة لضغوطٍ حقيقية من دولٍ أخرى، حيث تسعى بعض الدول بكلّ ما أوتيت من جهدٍ إلى تصوير المحكمة باعتبارها كياناً مسيَّساً لا يعمل وفق المبادئ الجوهرية للقانون الدولي».
و أوضح Kravik أنّ النرويج، بوصفها دولةً غير ممثَّلة في المكتب، لا تطّلع على المداولات الجارية ولم تتلقَّ التقارير شديدة السرية الصادرة عن الأمم المتحدة ولجنة القضاة. غير أنّه أكّد، استناداً إلى إحاطاتٍ موثوقة حول التقريرين، أنّ آراء القضاة ينبغي أن تحمل ثقلاً قانونياً في عملية اتّخاذ القرار داخل المكتب والجمعية.
وقال الدبلوماسي النرويجي في حلقةٍ مرتقبة من بودكاست Expert Witness : «لم نطّلع على التقارير الكاملة، لكنّنا نفهم أنّه جرى تحقيقٌ أجرته الجهة الأممية المعنية بمثل هذه التحقيقات».
وأضاف: «ثم نُقلت استنتاجات ذلك التقرير إلى لجنةٍ قانونية مؤلّفة من ثلاثة قضاة، درسوا الملفّ وخلصوا إلى أنّه لا توجد أسسٌ لاتّخاذ إجراءاتٍ معيّنة ضدّ المدّعي العام، على أقلّ تقديرٍ فيما يخصّ إعفاءه من مهامّه».
وتابع: «من وجهة نظري، ودون استباق الأحداث، يبدو أنّ ذلك استنتاجٌ منطقي. لكنّ الملفّ بات الآن أمام المكتب، ونحن لسنا أعضاءً فيه، فلنرَ ما سيقرّره. وقد يصل في نهاية المطاف إلى جمعية الدول الأطراف، وعندها سنتّخذ موقفنا بناءً على تقييم وقائع القضية».
وأردف: «الأهمّ بالنسبة إلينا هو احترام الإجراءات المعتمدة، وكفالة الضمانات القضائية لجميع الأفراد، بمن فيهم المدّعي العام، وفق الضمانات المنصوص عليها في هذه الإجراءات».
العقوبات الأمريكية على مسؤولي المحكمة
أبقى التحقيق في ادّعاءات سوء السلوك المحكمةَ في حالةٍ غير مسبوقة من الترقّب، وسط غموضٍ يكتنف مستقبل Khan وتسريباتٍ إعلامية تتعلّق بالاتّهامات الموجّهة إليه.
ظهرت ادّعاءات التحرّش الجنسي، التي نفاها Khan بشكلٍ قاطع، في مايو 2024. ورفضت المشتكية التعاون مع الجهاز التحقيقي الداخلي للمحكمة، ممّا دفع جمعية الدول الأطراف إلى الاستعانة بتحقيقٍ خارجي تقوده الأمم المتحدة.
ثم أُحيلت نتائج ذلك التحقيق إلى لجنة مؤلّفة من ثلاثة قضاة، كُلِّفت بإسداء المشورة للمكتب حول ما إذا كان Khan قد ارتكب سوء سلوكٍ جسيم أو أقلّ خطورةً أو لم يرتكب أيّ مخالفة.
وفي تقريرٍ تم الاطّلاع عليه ، خلصت اللجنة بالإجماع إلى أنّ الوقائع الواردة في تحقيق الأمم المتحدة «لا تُثبت وقوع سوء سلوكٍ أو إخلالٍ بالواجب في إطار الأحكام ذات الصلة».
وكان Khan قد صرّح في مقابلةٍ الشهر الماضي بأنّه سيطعن لدى المحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية (ILOAT) إن سعت جمعية الدول الأطراف إلى إقالته، وهي الجهة المختصّة بالنظر في الطعون المتعلّقة بقرارات التوظيف لموظّفي المحكمة.
وفي رأيٍ قانوني أُرسل إلى الدول الأعضاء في المحكمة الشهر الماضي، أفاد Abdul Koroma، القاضي السابق في محكمة العدل الدولية (ICJ)، بأنّ المحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية قد تأمر المحكمةَ الجنائية الدولية بإعادة Khan إلى منصبه ودفع تعويضٍ يصل إلى 1.5 مليون يورو (ما يعادل 1.74 مليون دولار) في حال إقالته أو معاقبته.
وقد تزامنت الادّعاءات ضدّ Khan مع حملةٍ تشنّها الولايات المتحدة وحلفاؤها لعرقلة جهود مكتبه في ملاحقة مسؤولين إسرائيليين على خلفية جرائم الحرب المرتكبة في غزة.
وKhan محامٍ بريطاني، انتُخب في فبراير 2021 مدّعياً عامّاً للمحكمة الجنائية الدولية من قِبَل جمعية الدول الأطراف. وقد تولّى مكتبه منذ ذلك الحين التحقيقَ في جرائم دولية جسيمة يقال أنها ارتكابت من قِبَل قادة دولٍ شتّى، شملت طلب أوامر اعتقال بحقّ الرئيس الروسي Vladimir Putin، ورئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu، وقادة المجلس العسكري في ميانمار، وحركة Taliban في أفغانستان.
وقد استدعى عمله فرضَ عقوباتٍ أمريكية انتقامية من إدارة Trump في فبراير 2024، فضلاً عن محاكمةٍ غيابية وأمر اعتقالٍ أصدرته محاكم روسية. والولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل ليست أطرافاً في المحكمة، غير أنّ لها اختصاصاً قضائياً على الجرائم التي يرتكبها رعاياها على أراضي الدول الأعضاء.
ثم جرى توسيع نطاق العقوبات لتطال نائبَي المدّعي العام وثمانية قضاة من المحكمة المشاركين في التحقيقات المتعلّقة بفلسطين وأفغانستان، إضافةً إلى المقرّر الخاص للأمم المتحدة المعني بفلسطين، ومنظّماتٍ غير حكومية فلسطينية قدّمت أدلّةً للمحكمة.
وفي حديثه ط، أكّد Kravik من جديد دعم النرويج للعقوبات المفروضة على مسؤولي المحكمة، والتزامها بتنفيذ أوامر الاعتقال الصادرة بحقّ قادة الدول، بمن فيهم Netanyahu.
وقال: «إنّ قيام بعض الدول الثالثة غير الأطراف في المحكمة بفرض عقوباتٍ على مسؤوليها لمجرّد أدائهم واجبهم أمرٌ لا يُحتمل».
وأضاف: «نحن في حواراتٍ مكثّفة مع شركائنا الأوروبيين، وكذلك مع شركاء خارج أوروبا، حول كيفية التصدّي لهذه الإجراءات التي تتّخذها الولايات المتحدة في المقام الأوّل».
وختم: «بوصفنا دولةً طرفاً، نحن ملتزمون ببذل كلّ ما في وسعنا لضمان أن يتمكّن العاملون في المحكمة من أداء مهامّهم دون التعرّض لعقوباتٍ أو أيّ إجراءاتٍ أخرى تسعى إلى منعهم من الاضطلاع بمهامّهم المنوطة بهم».
أخبار ذات صلة

فنزويلا تُرسل رودريغيز للقاء أردوغان في أنقرة

نائب رئيس الوزراء البريطاني يرد على جي دي فانس: الهجرة ليست السبب في جريمة القتل

البنتاغون يحذّر من تجسّس إسرائيلي "متهوّر" على مسؤولين أمريكيين
