نساء غزة يحاربن للحفاظ على تراث مكتبة المسجد العمري
نساء فلسطينيات في غزة ينقذن كتبًا ومخطوطات نادرة من مكتبة المسجد العمري بعد تدميرها بالقصف الإسرائيلي وسط ظروف صعبة وشح الموارد حفاظًا على التراث الثقافي الفلسطيني من الضياع وورلد برس عربي.

رنيم موسى ترفع مجلّداً ثقيلاً من رفٍّ متكسّر داخل مكتبة المسجد العمري الكبير في غزة، ذلك الصرح الذي تمتدّ جذوره لقرون. تمرّر فرشاةً صغيرة بعناية فوق طبقات الغبار المتراكمة، ثم تمرّر الكتاب إلى زميلتها التي تمسحه بقطعة قماش ناعمة. تحملانه معاً إلى ما يُسمّيه الفريق «الزاوية الأكثر أماناً» مساحة صغيرة خصّصوها للمجلّدات التي أمكن إنقاذها.
هذا جهدٌ شاقٌّ ومرتجل لإنقاذ كتب نفيسة ومخطوطات نادرة من مجموعة تاريخية دمّرها القصف الإسرائيلي خلال الإبادة الجارية في غزة.
تقول موسى (35 عاماً) : «كانت المكتبة مليئة بالشظايا والأنقاض وروث الحيوانات الضالة التي لجأت إليها. مئات الكتب المتكسّرة والأوراق الممزّقة كانت مبعثرة على الأرض، مغطّاة بالحجارة».
وموسى حاملةُ ماجستير في اللغة العربية، وهي من بين مجموعة من النساء الفلسطينيات المتطوّعات في معهد «عيون التراث» بمدينة غزة، اللواتي أطلقن ما يصفنه بمهمّة «الإسعاف الأوّلي» للحفاظ على ما تبقّى.
تقول: «بدأنا بإزالة الحجارة وتنظيف المكان. وفي غياب أدوات الترميم المتخصّصة ومواد التنظيف كالكحول، اعتمدنا على أبسط الوسائل: أقمشة جافّة، وفرشٌ بسيطة، وتجفيف الكتب الرطبة في الهواء».
يقوم المسجد العمري الكبير، أكبر مساجد غزة وأقدمها، على موقع يمتدّ تاريخه لآلاف السنين؛ من معبدٍ فلسطيني قديم إلى معبدٍ روماني فمعبدٍ مسيحي، قبل أن يتحوّل إلى مسجد في القرن الثالث عشر الميلادي. وكانت مكتبته، ثالث أكبر مكتبة في فلسطين، تضمّ نحو 20,000 مجلّد، من بينها 187 مخطوطة، بعضها يعود إلى قرون خلت.
خلال عامين من الإبادة في غزة، قصفت القوات الإسرائيلية المسجد ثلاث مرات على الأقل، فخلّفته أطلالاً ومكتبته شديدة التضرّر.
غير أنّ موسى وزميلاتها يأملن في إنقاذ هذا الإرث رغم الحصار المستمرّ والتهجير وشحّ الموارد.
تقول موسى: «لهذه المكتبة قيمة تعليمية وتاريخية تؤكّد الحقّ التاريخي الفلسطيني في الوطن. وكانت حالة المخطوطات تتدهور بسرعة جرّاء تعرّضها لأشهر من الرطوبة والأمطار والفطريات، ما أدّى إلى تآكل الصفحات. في كلّ مرة تتفتّت فيها صفحة بين يديّ، أشعر بوخزة ذنب، كأنّ شاهداً على التاريخ يُحتضر».
شحّ الموارد
تعمل موسى وفريقها بشبه لا شيء، مضطرّاتٍ إلى الارتجال في كلّ خطوة. يتنسّقن عبر مجموعة على WhatsApp لتحديد من تستطيع تحمّل تكلفة الوصول إلى المسجد. ومع تهجير معظم سكّان غزة وتدمير المركبات وشحّ الوقود، باتت الرحلة مُكلفة وعسيرة.
تقول موسى: «أخشى أن يأتي يومٌ لا أستطيع فيه تحمّل تكلفة المواصلات من خيمتي في دير البلح إلى المكتبة في مدينة غزة».
لقد فقدت منزلها في جباليا شمال غزة جرّاء القصف الإسرائيلي، ولم تعد قادرة على الوصول إليه بعد أن صنّفه الجيش الإسرائيلي منطقةً مغلقة.
وانعدام المسكن يعني أيضاً أنّ الفريق لا يستطيع تخزين الكتب المُنقذة في البيوت؛ إذ تقطن معظمهن في ملاجئ مؤقّتة دون أيّ بديل آمن. لذا خصّصن زاويةً صغيرة في المكتبة المتضرّرة، يُرتّبن فيها الكتب المنظّفة حسب الموضوع. لكنّ المجموعة تبقى هناك تحت تهديد مستمرّ.
تقول موسى: «كثيراً ما نضطرّ إلى تنظيفها مجدّداً لأنّ المبنى لا يزال في حالة خراب ولا يوفّر حمايةً حقيقية. نحن في سباق مع الطقس؛ أمطار الشتاء والريح الرطبة عدوٌّ لا يقلّ شراسةً عن القنابل».
وتأمل موسى في تأمين تمويل لرفوف مناسبة ومواد ترميم ومعدّات لبناء أرشيف رقمي.
تقول: «دأب أهل غزة دائماً على الاعتزاز بالتعليم والثقافة. إن لم نحمِ هذه الكتب نحن الجيل المتعلّم، فمن سيحفظها لمن يأتي بعدنا؟»
الاستهداف الممنهج للأرشيف
حنين العمصي (33 عاماً)، مديرة معهد «عيون التراث»، قالت إنّ المنظّمة المؤلّفة بالكامل من نساء تأسّست عام 2009، وانكبّ الفريق منذ ذلك الحين على إنقاذ الكتب النادرة والمخطوطات والوثائق التاريخية في غزة وترميمها ورقمنتها، بهدف صون التراث الثقافي الفلسطيني للأجيال القادمة.
خلال الهدنة القصيرة في مارس 2025، زارت العمصي مكتبة المسجد العمري الكبير للمرة الأولى منذ بدء الحرب، وقالت إنّها أُصيبت بالصدمة ممّا رأت.
قالت : «أرشيفات كاملة من الكتب والمخطوطات والوثائق التاريخية أُحرقت أو تهشّمت في الغارات الإسرائيلية. وكثيرٌ من غيرها تضرّر أو نهشته القوارض، أو أخذه النازحون وقوداً في ظلّ شحّ حادّ في الغاز».
وأشارت إلى أنّ المكتبة كانت تحتوي على مواد أصلية لا مثيل لها، تشمل مؤلّفات في الفقه والجغرافيا والحياة الاجتماعية، كثيرٌ منها يوثّق تفاصيل الأراضي الفلسطينية والحياة فيها قبل عام 1948.
وترى العمصي أنّ المكتبة وسائر مراكز الأرشيف استُهدفت عن سابق تصوّر وتصميم، في إطار مسعىً إسرائيلي لمحو الذاكرة الفلسطينية عبر تدمير المواقع الثقافية والتاريخية.
واستحضرت ضربةً سابقة خلال عدوان 2014، حين قصفت القوات الإسرائيلية المبنى الذي كان يضمّ مكاتب المعهد في شرق مدينة غزة.
قالت: «استسهدت خمس نساء من فريقنا التطوّعي في ذلك الهجوم وهنّ يحتمين في المبنى بعد فرارهنّ من منازلهنّ في الشجاعية، ظنّاً منهنّ أنّه سيكون أكثر أماناً. ومئات الكتب والمخطوطات تبعثرت وضاعت».
تركت تلك الضربة الفريقَ «مدمّراً مليئاً بالغضب» على حدّ قولها، لكنّهن واصلن عملهن. وأسّسن لاحقاً مقرّاً جديداً ضمّ مئات الكتب والوثائق، ونجحن في أرشفة ورقمنة مئات المخطوطات النادرة، بعضها يعود لقرون. وفي سبتمبر 2025، دُمّر ذلك المبنى أيضاً في غارة جوّية إسرائيلية.
قالت العمصي: «خسرنا مكتبتنا مرّةً أخرى».
«الأجيال القادمة ستسأل ماذا فعلنا»
على الرغم من كلّ ذلك، تواصل العمصي وفريقها جهودهنّ للحفاظ على ما تبقّى.
قالت: «نشعر أنّ من واجبنا مواصلة السعي لصون التراث الثقافي الفلسطيني في غزة وإحيائه».
وقد توجّهت العمصي بنداءات إلى عدد من المنظّمات الدولية طلباً للدعم، غير أنّها تقول إنّ معظمها يُركّز على الاحتياجات الإنسانية العاجلة كالغذاء والرعاية الصحية.
قالت: «أؤمن بأنّ التراث الثقافي لا يقلّ أهمّية. الأجيال القادمة في فلسطين ستسأل ماذا فعلنا للحفاظ على تاريخنا».
وعلى بُعد خطوات من المسجد العمري الكبير، تواصل العمصي العمل مع فريقها، مستحضرةً مسابقات القراءة التي كان أطفال غزة يشاركون فيها بحماس قبل الحرب.
قالت العمصي: «اليوم، أطفال غزة يلهثون خلف المساعدات الغذائية، ويقفون في طوابير للحصول على الماء النظيف، ويعيشون صدمةً جرّاء الحرب. بإنقاذ هذه الكتب، نحاول أن نضمن أنّه حين تنتهي الحرب، يجد أطفالنا ما يقرؤونه غير نشرات الموت».
أخبار ذات صلة

الإجهاض في غزة يتصاعد وسط القصف والحصار

اجتماع أمني عاجل في بغداد بعد غارات أمريكية وسعودية

الاتفاق النووي الأمريكي السعودي: الشرق الأوسط يراهن على الردع
