أين الإنسانية في وجه الإبادة الجماعية؟
في ظل الأزمات الإنسانية، تبرز أسئلة وجودية عميقة حول معنى الحياة. يتناول المقال معاناة الشعب الفلسطيني في غزة، ويستعرض كيف أن الإيمان والصمود هما ملاذهم في مواجهة الهمجية، داعيًا لدعم ملموس ووعي إنساني.

الحرب على غزة: كيف يقاوم الفلسطينيون اليأس الوجودي
في أوقات الأزمات الإنسانية الحادة، سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان، تميل الأسئلة العميقة والشكوك إلى الظهور حول معنى الحياة. هذه الأسئلة تلقي بثقلها على الأفراد والمجتمعات، خاصة عندما لا يبدو أن الخلاص يلوح في الأفق.
في أوروبا في القرن التاسع عشر، أدى تقدم الفكر السياسي ومفهوم الحكم الديمقراطي إلى تعزيز جو من التفاؤل والأحلام الطموحة. ولكن لم يمض وقت طويل قبل أن يصطدم هذا التحول بأهوال الحربين العالميتين الأولى والثانية.
فقد أودت هذه الصراعات بملايين الأرواح ودمرت المجتمعات ماديًا وروحيًا. لقد هزّ الدمار الواسع النطاق إنجازات الحداثة بعمق، مما أدى إلى انبعاث الأسئلة الوجودية في الفلسفة والأدب والفن - إعادة النظر في الطبيعة البشرية والروح.
وبعد الحرب العالمية الثانية، أدت عمليات إعادة تقييم واسعة النطاق إلى وضع أسس جديدة للعلاقات الدولية. وصدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جنبًا إلى جنب مع القوانين العالمية المصممة لمنع الإبادة الجماعية في أعقاب الهولوكوست. وأدت مذبحة ملايين اليهود على يد ألمانيا النازية إلى رفع شعار: "لن يتكرر ذلك أبدًا".
إنه لأمر مذهل ومرعب في آن واحد أن نفس الدول والجماعات التي أرست هذه المبادئ تكرر الآن تاريخها المظلم في جميع أنحاء فلسطين. إننا نشهد في غزة إبادة جماعية ممنهجة واستراتيجية متعمدة لمحو شعب بأكمله.
من خلال تواطئها في التطهير العرقي الذي تقوم به إسرائيل، تُذكّر الدول الغربية الأجيال الجديدة بالأسس التي قامت عليها هذه الدول: إبادة ومحو الشعوب الأصلية. إنهم يؤكدون من جديد على عقليتهم التفوقية والعنصرية المتأصلة في نفوسهم.
هذا الواقع المؤلم هو بالضبط ما يدفع الناس إلى دوامة من اليأس الوجودي. كما أنه يثير معضلة عميقة: كيف يمكن للمرء أن يعيش في عالم كهذا، وهل هناك أي إطار أخلاقي قادر على منع الانهيار الداخلي التام؟
وحشية لا يمكن وصفها
بالنسبة للعديد من الناس، يوفر الإيمان حصانة قوية ضد هذا السؤال والشكوك التي قد يثيرها. فالإيمان يوفر المعنى والملاذ؛ وينطبق الأمر نفسه على الأشخاص الملتزمين بالقضايا الإنسانية أو التحررية، سواء كانت دينية أو علمانية.
ومع ذلك، قد تطفو الأسئلة الوجودية على السطح عندما يجد الناس أن مخزونهم الداخلي من المرونة قد استنفد. هذه تجربة طبيعية وإنسانية عميقة.
كان صمود الشعب الذي تحمل سنة ونصف السنة من الإبادة الجماعية التي نفذتها إسرائيل بوحشية في غزة أسطوريًا. عندما يتساءل أهل غزة عن العالم من حولهم، فإن تركيزهم ينصب في المقام الأول على حالة الإنسانية: على أولئك الذين يحكمون الإمبراطوريات الإمبريالية التي تمارس الإبادة الجماعية، وعلى الأنظمة العربية الخاضعة للقوة الغربية.
في هذا العصر الاستهلاكي والجشع والسلطة القمعية، قد لا يوجد شعب على وجه الأرض يتمتع بقدرة مذهلة على التحمل مثل الشعب الفلسطيني. ومع ذلك، فإن العديد من الفلسطينيين يناشدوننا ألا ننظر إليهم كأبطال، بل كبشر عاديين لم يبق لهم ملجأ سوى الإيمان والصمود.
ما يحتاجونه حقًا هو الدعم الملموس. لقد عانى الفلسطينيون من تجارب مروعة لا حصر لها أهلكت أجيالاً بأكملها. وقد أنتجت مواجهتهم الطويلة مع المشروع الاستعماري الصهيوني أدبيات كثيرة بعضها عميق وأساسي، بينما لا تعدو أعمال أخرى أن تكون مجرد خطابات سطحية.
ومع ذلك، فشلت حتى أكثر الانتقادات جذرية وبصيرة في تحويلها إلى خطة استراتيجية ملموسة.
لكن السؤال الوجودي لم يُطرح أبدًا بنفس الحدة والإلحاح كما هو الحال اليوم - سواء بين الفلسطينيين وحلفائهم حول العالم. فالحرب تخلق مآسي لا تنتهي وحكايات من المعاناة. وفي مواجهة هذا الدمار، تبدأ الإنسانية نفسها في الذبول.
هذه الحرب الوحشية على غزة تنفذها أعتى قوة عسكرية على وجه الأرض، الإمبراطورية الأمريكية القاسية وحلفائها، ضد كيان صغير فقير. ويجري بث هذه الوحشية التي لا توصف في الوقت الحقيقي، بينما يتلذذ الجناة بتدمير المنازل وإبادة الأطفال والنساء والشيوخ.
في مواجهة هذه الهمجية، يقف العالم في حالة صدمة ورعب، متسائلاً: كيف يمكن أن يحدث هذا مع الإفلات من العقاب في القرن الحادي والعشرين؟ كيف يعقل أن البشرية، أو أولئك الذين يحكمون العالم، لم يتعلموا شيئًا من التاريخ؟
لقد أدى هذا الرعب من طبيعة النظام العالمي وأساسه الصهيوني إلى تأجيج جبهة مدنية دولية، جبهة تمثل تقاطعًا استثنائيًا للنضال. فكما انتصرت الأجيال السابقة على المأساة، يؤمن جيل اليوم - الذي يعي الظلم بشدة - بإمكانية استعادة الكرامة الإنسانية ومحاسبة الفاعلين العنيفين.
وبهذه الطريقة، يقاوم الشعب الفلسطيني ومؤيدوه في العالم جاذبية اليأس الوجودي، حيث يصوغون رؤية تحررية في مواجهة الهمجية المطلقة.
أخبار ذات صلة

شمال غزة: فلسطينيون بلا مأوى يواجهون شتاء قاسٍ في العراء

زعيم احتجاج مؤيد لفلسطين يعلن "غير مذنب" بعد اعتقاله في لندن

سوريا بعد الأسد: كيفية إعادة البناء من رماد الحرب
