تحديات الإرهاب الجديد في أوروبا وأثر العنف العدمي
بعد سنوات على هجمات سبتمبر تبقى أوروبا تواجه تهديدات إرهابية جديدة من شباب يتبنون العنف العدمي عبر الإنترنت بلا دوافع أيديولوجية واضحة. كيف تتعامل أجهزة الأمن مع هذا التحدي الرقمي المعقد؟ اكتشف التفاصيل مع وورلد برس عربي.




بعد خمسة وعشرين عاماً على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لا تزال أوروبا تعيش تحت وطأة التهديد، غير أنّ طبيعة هذا التهديد باتت تتشكّل من جديد. إلى جانب الجماعات الجهادية التي تُهيمن على المشهد الأمني منذ عقود، ثمّة موجة صاعدة من العنف العدمي (Nihilistic Violent Extremism) تُقلق أجهزة الأمن الأوروبية: شبابٌ في مقتبل العمر، يتشرّبون ثقافة العنف عبر مجتمعات مشفّرة على الإنترنت، ويُنفّذون اعتداءات دون أي دافع سياسي أو أيديولوجي واضح.
أرقام 2026: الجهاديون في الصدارة، لكن المشهد يتغيّر
سجّل الاتحاد الأوروبي خلال عام 2026 ما مجموعه 45 هجوماً إرهابياً موزّعة على 10 من أصل 27 دولة عضو، أسفرت في مجملها عن مقتل 6 أشخاص، فيما أُحبط نحو نصف هذه الهجمات أو باءت بالفشل. وقد كانت الجماعات الجهادية المسؤولة عن 24 هجوماً من أصل 45، فضلاً عن أكثر من 70% من إجمالي حالات الاعتقال البالغة 486 حالة في 21 دولة عضو.
لكنّ الرقم الذي يلفت الانتباه يتعلّق بالمعتقلين أنفسهم: نحو ثلث المشتبه بهم في قضايا الإرهاب كانوا دون سنّ الثامنة عشرة، وغالبيتهم من الذكور. هذا التحوّل الديموغرافي يعكس تحوّلاً أعمق في طبيعة التطرف ذاته.
«عنفٌ من أجل العنف»
يصف Bartjan Wegter، منسّق مكافحة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي، هذه الظاهرة بعبارة مقتضبة لكنّها دالّة: «إنّه عنفٌ من أجل العنف». ويُضيف موضّحاً: «إنّه افتتانٌ بالعنف بالدرجة الأولى. العنف وسيلةٌ لإثبات الذات، ووسيلةٌ لاكتساب المكانة داخل تلك المجتمعات الإلكترونية».
ما يُميّز هذا النوع من التطرف هو غياب الرابط الأيديولوجي. يقول Wegter صراحةً: «لا توجد صلة مباشرة بأي أيديولوجيا». وهذا بالضبط ما يجعل رصده وتصنيفه أمراً عسيراً؛ إذ لا تحتفظ Europol بإحصاءات موحّدة حول العنف العدمي نظراً لتباين تعريفاته من دولة إلى أخرى.
الحوادث الميدانية تُجسّد هذا الواقع بصورة صادمة. في فنلندا عام 2025، طعن مراهق يبلغ 16 عاماً ثلاث طالبات، ونشر بياناً على WhatsApp، وسجّل الهجوم عبر Snapchat، بل سعى إلى إيجاد شخص يحفظ التسجيل بعد إطلاق سراحه. البيان لم يتضمّن أي مطلب سياسي، بل عبّر عن رغبة في فعل شيء «مهمّ» و«مثير». وفي إيطاليا في العام ذاته، خطّط مراهق في الخامسة عشرة لارتكاب جريمة قتل بدافع الشهرة الإلكترونية، وضُبط بحوزته محتوى عنيف وإباحي على هاتفه. أمّا في ألمانيا عام 2025، فقد واجه شابٌّ في العشرين من عمره يُشتبه في انتمائه إلى مجموعة 764 ما يزيد على 123 تهمة تشمل القتل والاغتصاب والاعتداء الجنسي على الأطفال.
الإنترنت: «بيئة مُفرطة في التساهل»
تأسّست مجموعة 764 على يد الأمريكي Bradley Cadenhead، الذي يقضي حالياً حكماً بالسجن 80 عاماً بتهم تتعلّق بإساءة الأطفال والجرائم الجنسية، وهي لا تزال نشطة. وفي يونيو ويوليو 2026، رصدت شرطة تسع دول أوروبية نحو 4,340 رابطاً إلكترونياً مرتبطاً بمجتمع "The COM" الذي يُغذّي هذا النوع من التطرف.
يرى Wegter أنّ البيئة الرقمية باتت «بيئةً خصبة لتلاقي التهديدات المختلفة»، مُضيفاً أنّها «لا تزال مُفرطة في التساهل رغم كل ما تقدّمه من إيجابيات». وما يُفاقم الأمر أنّ 85% من تحقيقات مكافحة الإرهاب تجري اليوم في الفضاء الرقمي، حيث يلجأ المتطرفون إلى الذكاء الاصطناعي لإنتاج الدعاية وتحريرها، بما فيها التزييف العميق (Deepfakes) والميمات والروبوتات الآلية لأغراض التجنيد والتخطيط للهجمات.
يُلخّص Wegter المشهد بقوله: «إنّ المحتوى العنيف، والمحتوى المحرّض على العنف، والدعاية، والأدلّة الإرشادية، والتكتيكات كل ما هو متاح يتضاعف تضاعفاً هائلاً بفعل الذكاء الاصطناعي».
ما يعنيه هذا لمستقبل الأمن الأوروبي
ما تكشفه هذه المعطيات مجتمعةً هو أنّ أجهزة الأمن الأوروبية تواجه تحدّياً مزدوجاً: التهديد الجهادي الكلاسيكي الذي لا يزال يُمثّل الحصة الأكبر من الهجمات والاعتقالات، وتهديدٌ جديد يتشكّل في الظلام الرقمي، يصعب تصنيفه قانونياً ويستعصي على أدوات الرصد التقليدية.
يُؤكّد Wegter أنّ على أجهزة إنفاذ القانون أن «تُجهَّز بالأدوات والوسائل اللازمة للتعامل مع التهديد كما هو قائمٌ اليوم»، مشيراً إلى أنّ ما يجري خارج الحدود الأوروبية «ينعكس مباشرةً على أمننا». والسؤال الذي يظلّ مفتوحاً أمام المشرّعين الأوروبيين هو: كيف يمكن تعزيز الرقابة الرقمية دون المساس بالحقوق المدنية التي يُعدّ صونها في حدّ ذاته ركيزةً من ركائز المشروع الأوروبي؟
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي في الصحة: اختبار التكامل الحقيقي

لصوص يسرقون 4 لوحات لـ«رينوار» من متحف الريفيرا الفرنسية.. واثنتان منها لا تزالان مفقودتين".

الاتحاد الأوروبي يسعى لطمأنة غرينلاند بعد تهديدات ترامب عبر شراكة استثمارية جديدة
