صعود اليمين المتطرف يهدد استقرار ألمانيا السياسي
حزب يميني متطرف يقترب من حكم ولاية ألمانية للمرة الأولى منذ عقود في اختبار صعب للمستشار Merz والأحزاب الكبرى وسط قلق داخلي ودولي من تأثير هذا التحول السياسي على مستقبل ألمانيا وأوروبا وورلد برس عربي





لم تشهد ألمانيا منذ عقود مشهداً انتخابياً بهذا الثقل الرمزي: حزبٌ تصنّفه أجهزة الاستخبارات الداخلية تنظيماً يمينياً متطرّفاً يكاد يحصد الأغلبية في برلمان ولاية ساكسونيا-أنهالت، ليجد المستشار فريدريش Merz نفسه أمام ما وصفه بـ«أشدّ هزائم الاتحاد المسيحي الديمقراطي (CDU) وطأةً منذ عقود». ما جرى يوم الأحد في هذه الولاية الصغيرة شرقي ألمانيا ليس مجرّد نتيجة انتخابية محلية؛ إنّه اختبارٌ حقيقي لصمود الجدار الذي بنته الأحزاب الألمانية الكبرى بينها وبين اليمين المتطرّف.
على بُعد ثلاثة مقاعد من التاريخ
أفضت نتائج الانتخابات إلى أن حزب Alternative for Germany (AfD) بات يقف على بُعد ثلاثة مقاعد فقط من الأغلبية المطلقة في برلمان ولاية ساكسونيا-أنهالت. هذا يعني أنّ الحزب، الذي تعتبره الاستخبارات الداخلية الألمانية تنظيماً يمينياً متطرّفاً، بات أقرب من أيّ وقتٍ مضى إلى قيادة أول حكومة ولاية ألمانية تقودها قوّة يمينية متطرّفة في العصر الحديث وهو ما يستدعي في ألمانيا، بحكم تاريخها مع النازية، قدراً استثنائياً من التدقيق والقلق.
مرشّح الحزب لمنصب حاكم الولاية، Ulrich Siegmund، لم يُخفِ طموحه؛ إذ صرّح بوضوح: «لدينا تفويضٌ واضح جداً لتشكيل الحكومة»، مضيفاً أنّ هدفه الآن هو «بناء هذه الأغلبية المستقرّة في الأيام والأسابيع المقبلة». وللوصول إلى تلك الأغلبية، قد يلجأ الحزب إلى التحالف مع حزب BSW اليساري المتشدّد الذي فاز بخمسة مقاعد وهو مزيجٌ أيديولوجي غريب، لكنّه يعكس حجم الاستياء الشعبي من الأحزاب التقليدية في هذه الولاية.
Merz بين الهزيمة والإصرار
في مواجهة هذا الواقع، وقف المستشار Merz أمام الكاميرات يوم الاثنين ليقول: «نحن مصدومون بعمق من أشدّ هزيمة انتخابية يمنى بها الاتحاد المسيحي الديمقراطي منذ سنوات، بل منذ عقود». غير أنّه رفض الاستسلام لمنطق التراجع، معلناً بحزم: «التخلّي ليس خياراً بالنسبة لي».
الرجل الذي تولّى المستشارية العام الماضي يقود ائتلافاً يجمع الاتحاد المسيحي الديمقراطي مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، وهو ائتلافٌ يعاني من شعبية متراجعة في ظلّ إصلاحات اقتصادية مؤلمة تشمل تغييرات على نظام التقاعد. ومع ذلك، أكّد Merz أنّه لن يتراجع عن مسار الإصلاح: «نحن بحاجة إلى إصلاحات جوهرية في ألمانيا»، مشيراً إلى أنّ المسألة لا تقلّ عن «مستقبل بلادنا وفرص أبنائنا وأحفادنا».
وحين سُئل عن الضغوط المتصاعدة، ذكّر Merz بالثقل التاريخي الذي تحمله ألمانيا: «نحن نعلم أنّ ألمانيا تحمل مسؤولية خاصة بسبب تاريخها»، مؤكّداً في الوقت ذاته أنّ «مؤسساتنا راسخة ومستقرّة».
أصوات من برلين وموسكو وبرشلونة
النتيجة لم تمرّ دون أن تُحرّك ردود فعل دولية لافتة، بعضها مُقلق وبعضها كاشف.
على منصّة X، كتب Elon Musk ببساطة مُعلّقاً على فوز AfD: «Well done!»، فيما نشر Donald Trump نتائج الانتخابات على منصّة Truth Social دون أيّ تعليق. في المقابل، أبدى المبعوث الرئاسي الروسي Kirill Dmitriev ارتياحه الصريح لنتيجة الاقتراع، وهو ما يتّسق مع المواقف المعروفة لـ AfD المتشكّكة في دعم أوكرانيا وهو الملفّ الذي أكّد فيه Merz موقفه: «لن أتراجع ولو ملّيمتراً واحداً عن قناعتي الراسخة بأنّنا يجب أن ندافع عن حريّتنا في مواجهة روسيا الآن».
أما على الجانب الأوروبي، فقد كان ردّ الفعل مغايراً تماماً. رئيس الوزراء البولندي Donald Tusk لم يُجامل حين كتب: «في بولندا، لا يمكن أن يبتهج بانتصار AfD في ألمانيا إلّا الحمقى أو الخونة». ووصف وزير الخارجية الفرنسي Jean-Noel Barrot برنامج الحزب بأنّه «خيانة للروح الأوروبية».
ما يعنيه هذا لأوروبا أوسع: حزبٌ يعارض دعم أوكرانيا، ويشكّك في بعض ركائز الاتحاد الأوروبي، يقترب من قيادة ولاية ألمانية وهذا وحده يكفي لإقلاق عواصم القارة.
صوتٌ من ماغديبورغ
وسط كلّ هذا الصخب السياسي، كان ثمّة صوتٌ هادئ يستحقّ الإنصات. Horst Walter Boerner، مواطنٌ يبلغ من العمر 86 عاماً من مدينة ماغديبورغ، لخّص ما يشعر به كثيرون بكلمات قليلة: «إنّه أمرٌ مروّع بالنسبة لنا... كان يجب ألّا يحدث هذا أبداً». وأضاف أنّ هذه الانتخابات كانت «مدفوعةً بالخوف» وهو توصيفٌ يعكس حالة من القلق الاجتماعي العميق يصعب اختزالها في نقاشات الأرقام والمقاعد.
ما الذي يأتي بعد ذلك؟
الاستحقاق الانتخابي لا يتوقّف عند ساكسونيا-أنهالت. في العشرين من سبتمبر المقبل، تُجري كلٌّ من برلين ومكلنبورغ-فوربومّرن انتخاباتهما الإقليمية، وستكون مؤشّراً إضافياً على مدى عمق التحوّل الذي يشهده المزاج الشعبي الألماني في الشرق. الأحزاب الكبرى تتمسّك حتى الآن بـ«جدار الحماية» الذي يرفض أيّ تعاون مع AfD، لكنّ ثلاثة مقاعد فقط تفصل هذا الجدار عن اختبار وجوده الأصعب. السؤال الحقيقي لم يعد: هل يمكن أن يحدث هذا؟ بل أصبح: متى سيُختبر هذا الجدار مرّةً أخرى؟
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي في الصحة: اختبار التكامل الحقيقي

لصوص يسرقون 4 لوحات لـ«رينوار» من متحف الريفيرا الفرنسية.. واثنتان منها لا تزالان مفقودتين".

الاتحاد الأوروبي يحذّر من تهديدٍ إرهابي جديد: شباب الإنترنت والبحث عن الإثارة العنيفة
