عين حوض بين الذاكرة الفلسطينية والفن المعاصر
قرية عين حوض الحجرية تحولت من موطن فلسطيني أصيل إلى مستعمرة فنية إسرائيلية تحكي قصة النكبة والتهجير عبر بيوتها الحجرية التي أصبحت متاحف وصالات عرض تروي تاريخاً مفقوداً وصراعات ثقافية عميقة في قلبها. وورلد برس عربي

قرية عين حوض الحجرية تقع على سفوح جبل الكرمل مُطلّةً على البحر الأبيض المتوسط. طرقٌ ضيّقة متعرّجة، وأسيجةٌ قديمة من الصبّار، وصالاتٌ للعرض متناثرة بين بيوتٍ فلسطينية محفوظة.
حين وصلت يارا مهاجنة، الفنانة الفلسطينية المستقلّة، ذات مساءٍ حاملةً معدّات معرضها، وجدت بوّاباتٍ وحرّاساً وقيوداً على الدخول تُحيط بهذه القرية الفنية الهادئة.
«ما نوع الحماية التي تحتاجها قرية فنانين سلمية وليبرالية؟» تتذكّر أنها سألت هذا السؤال.
كانت مهاجنة تحضر معرض تخرّجها في متحف Janco Dada في عين هود، القرية الفلسطينية التي عُرفت قديماً بعين حوض، قبل أن تتحوّل لاحقاً إلى مستعمرة فنية إسرائيلية.
«خلال أربع سنوات من دراسة الفن في جامعة حيفا، لم يُعلّمنا أحدٌ تاريخ عين حوض»، قالت مهاجنة. «درسنا الفن الأوروبي والإسرائيلي، لكن لا الفن الفلسطيني ولا قصة القرية ذاتها».
قبل النكبة: عائلة أبو الهيجا وجذور القرية
قبل عام 1948، كانت القرية موطناً لعائلات فلسطينية من عشيرة أبو الهيجا. يقول المؤرّخ وعالم اللغات الفلسطيني مصطفى كبها إنّ التاريخ المحلّي للعائلة مرتبطٌ بالوجود الأوسع لآل أبو الهيجا في فلسطين، وهو وجودٌ تُرجعه الروايات المحلية في الغالب إلى مقاتلين قدموا مع صلاح الدين الأيوبي في عهد الحروب الصليبية.
«كانت القرية مأهولةً في معظمها بعائلة أبو الهيجا»، قال كبها، مضيفاً أنّ تاريخها متّصلٌ بتجمّعات أخرى لآل أبو الهيجا في فلسطين، من بينها كوكب أبو الهيجا القائمة حتى اليوم، وقرية الحدثة المُهجَّرة قرب طبريا.
بحلول عام 1948، كان عدد سكّان عين حوض يتراوح بين 800 و850 نسمة، وفق سمير أبو الهيجا، المؤرّخ الفلسطيني وأحد أحفاد المُهجَّرين في النكبة. كان معظم السكّان يعتمدون على الزراعة؛ يزرعون القمح والشعير والخضروات والزيتون والخرّوب، ويُربّون الأغنام وينتجون الفحم.
غير أنّ القرية سقطت في يوليو 1948، في أعقاب سقوط حيفا إلى الشمال مباشرةً، وعدد من القرى الفلسطينية المجاورة، على أيدي القوات الإسرائيلية. يقول كبها إنّ سقوط حيفا أثّر تأثيراً بالغاً في معنويات المجتمعات المحيطة، فأشعل سلسلة من الردود المتتالية في قرى قضاء حيفا الجنوبي.
ويُشير أبو الهيجا إلى أنّ أهل القرية أصابهم الهلع جرّاء أنباء المجازر في تنطورة ودير ياسين. «خاف الناس على النساء والأطفال والشيوخ»، قال. «وبعد معركتين شرستين مع قوات صهيونية مدجّجة بالسلاح، سقطت القرية وأُجبر أهلها على الرحيل».
فرّ بعض الفلسطينيين باتجاه وادي عارة وجنين، فيما لجأ آخرون إلى دالية الكرمل المجاورة. أمّا العائلات التي حاولت العودة لاحقاً، فقد استقرّت على أراضٍ محيطة بالقرية، لكنّها مُنعت من دخول بيوتها الأصلية. بنى المُهجَّرون في البداية مأوى بسيطة، ثم حلّت محلّها هياكل من الصفيح والطين، قبل أن تُستبدل في نهاية المطاف ببيوت من الخرسانة.
وخلافاً لكثير من القرى الفلسطينية التي أُفرغت خلال النكبة، لم تُهدَم عين حوض كلّياً. بقيت بيوتها الحجرية شامخة، لكنّ سكّانها ظلّوا ممنوعين من العودة إليها.
غرف النوم تتحوّل إلى صالات عرض
في مطلع الخمسينيات، وبعد مرحلة قصيرة سكنها مهاجرون يهود قادمون من شمال أفريقيا، تحوّلت القرية إلى مستعمرة فنية إسرائيلية باتت تُعرف بـ«عين هود». ووفق أبو الهيجا، بدأت هذه التحوّلات حين زار الفنان Marcel Janco القرية ورأى في بيوتها الحجرية المحفوظة وطبيعتها الخلّابة بيئةً مثاليةً للفنانين والكتّاب والنحّاتين.
بعد عقود، باتت قصة القرية تنطوي على بُعدٍ بالغ السريالية. فبينما أعاد المُهجَّرون بناء بيوتهم على تلّةٍ مجاورة، كانت البيوت الحجرية الأصلية التي خلّفوها وراءهم تتحوّل تدريجياً إلى صالات عرض ومتاحف واستوديوهات فنية.
اليوم، تصطفّ المنحوتات على طول المسالك الضيّقة للقرية، فيما تعمل المقاهي وورش العمل وصالات الفن داخل البيوت الفلسطينية المحفوظة. غرف النوم صارت فضاءات للمعارض، وغدت غرف الجلوس العائلية مسارح للعروض والفعاليات الثقافية.
«إنّهم يوظّفون إحدى أرقى أشكال التعبير الإنساني والتوثيق فوق رفات أناسٍ آخرين»، قال كبها.
بالنسبة لمهاجنة، لم يتجلَّ هذا التناقض كاملاً إلّا بعد سنوات، حين دُعيت لعرض مشروع تخرّجها «كاتبة محيلة» الذي يستكشف الصدمة لدى المرأة الفلسطينية، وذلك داخل متحف Janco Dada. خلال العرض، وقفت نساءٌ في صمتٍ يحملن أشياء مثبّتة على أجسادهن، بينما تردّدت في فضاء الصالة شذراتٌ من عبارات مسجّلة: «البيت انهدم. اكوي قميصي».
في البداية، رأت مهاجنة في الدعوة فرصةً عادية لفنانة شابة تسعى إلى الانخراط في عالم الفن. لكنّها لم تلبث أن بدأت تتساءل عن المكان ذاته.
«بدأت أسأل نفسي: لماذا هنا؟» قالت. «ثمّة صالات عرض في كلّ مكان. لماذا هذا المكان تحديداً؟»
وأخذ التناقض يزداد صعوبةً في التجاهل: صدمة الذاكرة الفلسطينية وموروثها يُعرضان داخل بيوت محفوظة لقرية فلسطينية مُفرَّغة من أهلها، فيما يظلّ أحفاد العائلات التي سكنتها يوماً محاصَرين على التلّة المجاورة، عاجزين عن العودة.
«في لحظةٍ ما، شعرت أنّنا نحن أيضاً صرنا أشياء في المعرض»، قالت مهاجنة. «كنّا نؤدّي وظيفةً داخل هذا الفضاء».
شخصي حتى العظم
بالنسبة لأبو الهيجا، لا تبدو قصة تحوّل القرية مسألةً سياسية أو فنية مجرّدة. إنّها شخصية حتى العظم.
«المسجد لا يزال قائماً»، قال. «لكنّ الناس يتجنّبون الاقتراب منه بعد أن حُوِّل إلى مطعم وحانة».
كثيرٌ من البيوت الأصلية لا تزال واقفة أيضاً، أضاف، لكنّها بعيدة المنال عن العائلات التي سكنتها ذات يوم.
«ثمّة أناسٌ هنا يمرّون أمام بيت أبيهم كلّ صباح في طريقهم إلى العمل»، قال. «لكنّهم لا يستطيعون الدخول إليه حتى الآن».
يرى كبها أنّ قصة عين حوض تطرح أسئلةً أشمل حول الذاكرة والملكية والرواية: من يتحكّم في القصة الفلسطينية حين لا تعود الأرض ولا البيوت ولا حتى الفضاءات الثقافية في أيدي الفلسطينيين؟
ويرى أنّ المسألة لا تقتصر على كون القرى الفلسطينية قد هُدمت أو تحوّلت بعد 1948، بل إنّ تواريخ كثيرٍ منها أُقصيت كلّياً من الذاكرة الجمعية.
«مئات من قصص القرى الفلسطينية لم تُروَ حقّاً قطّ»، قال.
وتقول مهاجنة إنّ هذا الغياب يعكس واقعاً أوسع تجد فيه الفلسطينيون داخل إسرائيل منفصلين في الغالب عن تواريخهم الخاصة، حتى داخل فضاءاتٍ تُقدّم نفسها باعتبارها ليبرالية وشاملة. وحتى حين كانت طالبةً للفن في حيفا، محاطةً بطلّابٍ عرب وأساتذةٍ يساريين، تقول إنّ قصة عين حوض لم تكن يوماً جزءاً من المناهج الدراسية.
بهذا المعنى، تتجاوز عين حوض كونها قريةً تحوّلت إلى مستعمرة فنية، لتغدو نموذجاً لكيفية بقاء التاريخ الفلسطيني حاضراً مادّياً في الحجارة والبيوت والمساجد والمقابر بينما يُمحى من الرواية الرسمية المُشيَّدة حوله.
اليوم، لا يزال الفلسطينيون يمرّون أمام بيوت عائلاتهم في طريقهم إلى العمل، فيما يواصل السيّاح والفنانون تجوالهم في صالاتٍ أُقيمت داخلها.
بالنسبة لأبو الهيجا، لم يعد الخوف منصبّاً فحسب على مسألة العودة.
«قالت Golda Meir ذات مرّة: الكبار سيموتون والصغار سينسون»، قال.
لكنّه يتذكّر اللحظة التي طلب فيها حفيده البالغ من العمر 7 سنوات أن يأخذه إلى عين حوض.
«هذا هو جوابي»، قال. «الصغار لم ينسوا».
أخبار ذات صلة

الإجهاض في غزة يتصاعد وسط القصف والحصار

اجتماع أمني عاجل في بغداد بعد غارات أمريكية وسعودية

الاتفاق النووي الأمريكي السعودي: الشرق الأوسط يراهن على الردع
