اكتشاف الأقمار المصغرة فرص جديدة لاستكشاف الفضاء
تعرف على الأقمار المصغّرة وهي كويكبات صغيرة تدور مؤقتاً حول الأرض وتفتح آفاقاً جديدة لبعثات فضائية أرخص وأسهل. اكتشافها وفهمها قد يحل لغز أصل الأجسام القريبة من الأرض ويغيّر مستقبل استكشاف الفضاء مع وورلد برس عربي.

ماذا لو لم تحتج بعثة استكشاف كويكب إلى رحلة طويلة في الفضاء العميق، بل إلى انتظار زائر صغير يمرّ قرب الأرض؟ هذه هي الفكرة التي يعمل عليها فلكيون يراقبون ما يُسمّى «الأقمار المصغّرة» (Mini-moons)، وهي كويكبات صغيرة تأسرها جاذبية الأرض لفترة مؤقتة. ولأنها قريبة وبطيئة نسبياً، قد تصبح أهدافاً أرخص وأسهل منالاً لبعثات الكويكبات وجمع العيّنات، إذا اكتُشف منها ما يكفي.
ما القمر المصغّر، وكم منه نعرف؟
القمر المصغّر، أو «القمر المؤقت»، كويكب صغير تلتقطه جاذبية الأرض ثم يفلت منها ويعود إلى الدوران حول الشمس. وفي المتوسط يبقى القمر المصغّر نحو 9 أشهر يدور خلالها حول الأرض قرابة 3 دورات قبل أن يغادر.
تشير نمذجة الباحث Grigori Fedorets إلى أنّ أكبر قمر مصغّر موجود في أي لحظة يبلغ عرضه نحو 75 سنتيمتراً (30 بوصة). أما كويكب بعرض نحو 3 أمتار (10 أقدام) فيُفترض أن تأسره الأرض مرة كل 10 إلى 20 عاماً.
ورغم هذا الأسر المتكرر، لم يُؤكَّد حتى اليوم سوى قمرين مصغّرين: 2006 RH120 و2020 CD3. واكتشفهما معاً مسح «كاتالينا» للسماء (Catalina Sky Survey) في ولاية أريزونا. وهناك حالات أخرى أقل اكتمالاً: فالكويكبان 2022 NX1 و2024 PT5 أُسرا لفترة وجيزة دون أن يُتمّا مداراً كاملاً. وفي عامَي 2013 فوق جمهورية التشيك، و2016 فوق أستراليا، رُصدت كرتا نار تبيّن أنهما نجمتا عن أجسام كانت سابقاً في مدارات حول الأرض.
ويقول Fedorets، وهو باحث في نمذجة الأقمار المصغّرة بجامعة هلسنكي: «هذا ليس مجرد بناء نظري. هناك دليل رصدي».
وثمة مرشّح ثالث محتمل اسمه Sar2901 رُصد حديثاً، وقد يكون من صنع الإنسان لا كويكباً طبيعياً. خفت الجسم عن الأنظار، ومن المتوقع أن يصبح قابلاً للرصد مجدداً في منتصف نوفمبر أو أواخره. وتتوفر معلومات الرؤية لدى مركز الكواكب الصغرى.
هل تحلّ هذه الأجسام لغزاً في نماذج الكويكبات؟
للقصة بُعد علمي يتجاوز الاستكشاف. فنماذج الكويكبات القريبة من الأرض التي يتراوح قطرها بين 1 و10 أمتار (3.3 إلى 33 قدماً) لا تتفق مع سجلات كرات النار في الغلاف الجوي. والأقمار المصغّرة تقع تحديداً في هذا المدى من الأحجام، حيث يتباعد النموذج النظري عن السجل الرصدي. لذلك فإن العثور على المزيد منها قد يوضح أصول الأجسام القريبة من الأرض.
وإحدى الفرضيات أنّ بعض هذه الكويكبات الصغيرة ليست كويكبات بالمعنى التقليدي، بل شظايا من سطح القمر قذفتها الاصطدامات إلى الفضاء. وجاء دعم هذه الفكرة من دراسة نُشرت عام 2025 بقيادة Theodore Kareta، وهي دراسة للكويكب 2024 PT5، أفادت بأنّ طيفه أقرب إلى صخر القمر منه إلى الكويكبات المعتادة. ووصف Fedorets النتيجة بأنها أقوى دليل حتى الآن على وجود مقذوفات قمرية بين جيراننا الصغار.
وفي الخلفية يقف الكويكب Kamo’oalewa، وهو أكبر بكثير وشبه قمر (Quasi-moon) للأرض. وصلت إليه بعثة Tianwen-2 الصينية في يوليو، ولا يزال أصله، قمرياً كان أم كويكبياً، موضع جدل.
كيف سنجد المزيد؟
يعوّل الباحثون على مرصد Vera C. Rubin ومسحه الكبير «ليغاسي سيرفي أوف سبيس آند تايم» (LSST)، الذي سيستمر 10 سنوات. ويقدّر Fedorets أن هذا المسح وحده يفترض أن يكشف قمراً مصغّراً مرة كل عامين تقريباً.
ويعمل Fedorets وزملاؤه على إعداد نظام إنذار مخصّص للأقمار المصغّرة على خادم افتراضي في مركز الحوسبة العلمية الفنلندي. وسيمرّر النظام تنبيهات Rubin عبر وسيط البيانات الفلكية الفوري ANTARES لفرزها بحثاً عن أقمار مصغّرة محتملة. وبعد الفرز تأتي عمليات رصد لاحقة قد ترفع حصيلة الاكتشافات إلى قمرين أو ثلاثة أقمار مصغّرة سنوياً.
وقدّم Fedorets هذه الخطط في سبتمبر خلال مؤتمر «يوروبلانيت» العلمي (EPSC) لعام 2026 في لاهاي. وقال: «LSST يعمل الآن، وخلال السنوات العشر المقبلة نتوقع العثور على عدد أكبر بكثير من هذه الأقمار المؤقتة».
لماذا قد تكون أهدافاً رخيصة للبعثات؟
الحجة العملية بسيطة: قرب الأقمار المصغّرة من الأرض وانخفاض سرعتها النسبية يقلّصان كمية الوقود الدافع اللازمة للذهاب والعودة. ويتصور Fedorets البدء ببعثات تجريبية صغيرة بتقنية الأقمار الصناعية المصغّرة (Cubesats)، تليها بعثات متوسطة الحجم لجمع العيّنات. ويرى في بعثة Tianwen-2 منخفضة الطاقة لجمع العيّنات خطوة محتملة نحو استغلال الموارد.
لكن الفكرة ليست بلا عقبات. فمهل الإنذار بالأقمار المصغّرة قصيرة، ومداراتها غير مستقرة. أحد الحلول أن تنتظر مركبة في الفضاء بين الأرض والقمر حتى يُكتشف قمر جديد، وهو المنطق نفسه لبعثة «كوميت إنترسبتور» (Comet Interceptor) التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، التي ستُطلق ثم تنتظر المذنب المناسب لدراسته. وهناك مسار آخر هو دفع كويكبات إلى مدارات أكثر استقراراً لتتيح بعثات أوسع مستقبلاً.
هذه الأفكار ليست جديدة تماماً. فقد أُلغيت مبادرة «ناسا» لإعادة توجيه كويكب (ARM)، بينما لدى شركة TransAstra خطط لوضع كويكب يزن 100 طن في مدار مستقر حول الأرض. ويعلّق Fedorets قائلاً: «هذا ليس خيالاً علمياً»، ثم يضيف: «هؤلاء الناس يفكرون فعلاً في أشياء كهذه».
ماذا بعد؟
يتوقع Fedorets أن تُكشف أقمار مؤقتة كثيرة خلال عمر LSST. وإذا جاءت الاكتشافات بانتظام، فقد تتيح الاستكشاف في مطلع ثلاثينيات هذا القرن، تليها بعثات جمع العيّنات في وقت لاحق من العقد نفسه. وما سيحسم الأمر هو وتيرة الاكتشاف الفعلية، وقدرة المركبات على التحرك سريعاً في نافذة إنذار قصيرة.
أخبار ذات صلة

تموجات الفضاء غير المتماثلة تكشف الضغط على الدرع المغناطيسي للأرض

نهاية مهمة مرصد Swift بعد 22 عاماً من رصد أقوى الانفجارات الكونية

ناسا تُنهي مهمة تلسكوب Swift بعد فشل محاولة الإنقاذ
