اكتشاف المعادن في الكون المبكر يغير فهمنا لنشأة النجوم
تلسكوب جيمس ويب يكشف أن الكون بدأ إثراء الفضاء بالعناصر الثقيلة مبكراً جداً بعد الانفجار العظيم مما يفسر صعوبة العثور على نجوم الجيل الأول ويعيد رسم خريطة تطور الكون الكيميائي المبكر عبر المجرات وورلد برس عربي

يطرح علم الكونيات سؤالاً قديماً بصيغةٍ جديدة هذا الأسبوع: متى بدأ الكون يتحوّل من مزيجٍ بدائي من الهيدروجين والهيليوم إلى الخليط الكيميائي المعقّد الذي نعرفه اليوم؟ الجواب الذي قدّمه تلسكوب جيمس ويب الفضائي (James Webb Space Telescope) يزيح هذا التحوّل إلى الوراء بشكلٍ لافت: فقد رصدت الأداة عناصر ثقيلة تتناثر حول مجرّات عمرها لا يتجاوز 500 مليون سنة بعد الانفجار العظيم، أي في مرحلةٍ مبكرة من تاريخ الكون كان يُفترض فيها أن يبقى الفضاء بين المجرّات "نقياً" لفترة أطول بكثير.
الدراسة، التي قادها Yongda Zhu وزملاؤه من University of Arizona، نُشرت الخميس 24 سبتمبر في مجلة Nature Astronomy، وهي مجلّة علمية محكّمة متخصّصة في علم الفلك. اعتمد الفريق على بيانات جيمس ويب لتحليل ثلاث مجرّات بدائية كما كانت تبدو قبل نحو 13.3 مليار سنة، أي في حقبةٍ يُطلق عليها الفلكيون "عصر إعادة التأيّن" (Epoch of Reionization)، وهي المرحلة التي أنهت فيها أضواء النجوم الأولى ما يُعرف بـ"العصور المظلمة" للكون عبر تجريد ذرّات الهيدروجين المنتشرة بين المجرّات من إلكتروناتها، ما سمح للضوء بالانتقال بحرّةٍ أكبر عبر الفضاء.
كيف قرأ الباحثون "بصمات" العناصر في ضوء المجرّات؟
منهجية الدراسة تستحقّ التوقّف عندها، لأنها تكشف كيف تُستنبَط معلومات كيميائية دقيقة من مجرّات تبعد عنّا مليارات السنين الضوئية. يشرح Zhu الفكرة بقوله: "استخدمنا المجرّات نفسها كمصادر ضوء خلفية"، مضيفاً: "بينما كان الضوء القادم من المجرّات يسافر باتجاه الأرض، مرّ عبر الغاز المحيط بها، وتمكّنّا من دراسة أنماط امتصاص هذا الضوء لرصد عناصر بعينها". فكل عنصر كيميائي يمتصّ الضوء أو يُصدره عند أطوال موجية مميّزة، ما يترك "بصمة" مميّزة يمكن التقاطها في طيف الضوء العابر عبر سُحب الغاز البينجمي.
وجد الفريق أنّ الغاز المتدفّق من هذه المجرّات إلى الفضاء بين المجرّي، عندما كان عمر الكون لا يتجاوز 3% من عمره الحالي، كان يحتوي بالفعل على الأكسجين والكربون والسيليكون وعناصر ثقيلة أخرى وهي عناصر يجمعها الفلكيون تحت مصطلح "المعادن" (Metals)، في تسميةٍ تشمل كل عنصر أثقل من الهيدروجين والهيليوم. والمفاجئ في النتيجة أنّ بصمة هذا الغاز أشبه بمجرّات العصر الحديث أكثر ممّا كان متوقّعاً لمجرّات بهذا القدم.
لماذا يصعب العثور على نجوم الجيل الأول؟
لفهم دلالة هذا الاكتشاف، لا بدّ من العودة إلى ما بعد الانفجار العظيم مباشرة، حين لم يكن الكون يحتوي سوى على الهيدروجين وكمّية ضئيلة من الهيليوم. من هذا المزيج البسيط تشكّلت النجوم الأولى، المعروفة باسم نجوم الجيل الثالث (POP III)، وهي نجوم افتراضية لم يرصدها الفلكيون مباشرةً حتى الآن رغم بحثٍ طويل عنها. مع تقدّم هذه النجوم في العمر، أنتجت عناصر أثقل عبر تفاعلاتها النووية الداخلية، ثم بعثرتها في الفضاء عبر انفجاراتٍ عنيفة عند نهاية حياتها. من هذا الغاز المُخصَّب تشكّلت أجيال لاحقة أكثر ثراءً بالمعادن نجوم الجيل الثاني (POP II) ثم الجيل الأول (POP I).
يبسّط Zhu هذه العملية بتشبيهٍ بصري: "إذا بدأتَ بمثلّجات فانيليا خالصة لكنك سرعان ما بدأت بإضافة الرشّات الملوّنة إليها، فلن يمرّ وقتٌ طويل حتى لا تجد أي مثلّجات فانيليا نقيّة بعد الآن". وبالمثل: "فكّر في هذه العناصر، التي نشأت من نجوم المجرّات، كصبغة طعامٍ أُسقطت في كوب ماء؛ يبدأ اللون بالانتشار في الماء، وبطريقةٍ مشابهة بدأت هذه العناصر الثقيلة من المجرّات المبكرة بالهروب إلى الفضاء و'إثراء' محيطها".
هذا "الإثراء" المبكر، بحسب الدراسة، قد يفسّر أحد الألغاز المستعصية في علم الفلك: لماذا يصعب العثور على نجوم POP III رغم أنّ النماذج النظرية تتوقّع وجودها؟ استراتيجية البحث التقليدية اعتمدت على رصد ضوء هذه النجوم وهو يُضيء غازاً هيدروجينياً "نقياً" لم تلوّثه بعد أي عناصر ثقيلة. لكن إذا كانت المجرّات، كما يقول Zhu، "تُطلق عناصر ثقيلة هربت منها في زمنٍ كونيٍّ مبكر جداً جداً"، فإنّ هذا الغاز النقي قد يكون اختفى في وقتٍ أبكر بكثير ممّا افترضه الفلكيون سابقاً ما يجعل مهمّة اصطياد الجيل الأول من النجوم أشبه بالبحث عن ماءٍ لم تصله بعد قطرة من صبغة انتشرت بالفعل في كل مكان.
ماذا يعني هذا لخريطة تطوّر الكون؟
يضيف Zhu ملاحظة مهمّة تتجاوز مجرّد رصد العناصر: "لم تكن المجرّات تُنتج هذه العناصر فحسب، بل كانت أيضاً تُبعثرها، وربما تزرعها في مجرّاتٍ أخرى". هذه الفكرة تعيد صياغة السؤال من "متى ظهرت أول العناصر الثقيلة؟" إلى "كيف انتقلت هذه العناصر بين المجرّات لتشكّل الشبكة الكيميائية المتشابكة للكون المبكر؟". فإذا كانت المجرّات الأولى تُصدّر معادنها إلى الفضاء المحيط بها منذ 500 مليون سنة فقط بعد الانفجار العظيم، فإنّ عملية "التلقيح الكيميائي" بين المجرّات بدأت أبكر بكثير ممّا تسمح به النماذج الحالية لتطوّر الكون.
النتيجة لا تُغلق ملف نجوم POP III، لكنها تعيد تعريف الأفق الزمني الذي ينبغي أن يبحث فيه الفلكيون عنها؛ فكلما تقدّمت أدوات الرصد كجيمس ويب في اختراق العصور الكونية الأولى، بدت الصورة أكثر تعقيداً ممّا كانت تقترحه النماذج المبسّطة — وأقرب في تركيبها الكيميائي إلى الكون الذي نعيش فيه اليوم ممّا كان متصوّراً.
أخبار ذات صلة

ذراع الروبوت الضخمة في محطة الفضاء الدولية توقفت عن العمل

مسبار JUICE يحصل على دفعة سرعة من الأرض في طريقه إلى المشتري

صورة عمرها 72 سنة تكشف أسرار «مرتنيت» التي حكمت قبل 5 آلاف سنة
