اكتشاف نظامين عصبيين يبنيان الدماغ البشري منذ البداية
اكتشاف مذهل يكشف أن دماغنا يتشكل من نظامين عصبيين منفصلين منذ بداية التكوين الجنيني وهذا يفتح آفاقاً جديدة لفهم أمراض جذع الدماغ وتطوير علاجات دقيقة مع نمو خلايا دماغ خلفي نشطة في المختبر وورلد برس عربي

منذ اللحظة التي يبدأ فيها الجنين بالتشكّل في الأسابيع الأولى من الحياة، يشرع الدماغ في بناء نفسه بطريقةٍ لم يكن أحدٌ يتوقّعها: لا من مصدرٍ واحد، بل من نظامَين عصبيَّين منفصلَين، يعملان بالتوازي منذ مرحلة التخلّق الجنيني الأولى. هذا ما كشفه فريقٌ بحثي بقيادة جامعة Stanford ونشره في مجلة Nature Neuroscience في أبريل 2024، في دراسةٍ قد تُعيد رسم خريطة فهمنا لتطوّر الدماغ البشري وتطوّره عبر مئات الملايين من السنين.
من أين يبدأ الدماغ؟
الاكتشاف جاء من مكانٍ غير متوقّع: تحليل دقيق لمرحلة «التخلّق المعيدي» (Gastrulation)، وهي مرحلة جنينية مبكّرة تُعدّ من أكثر المراحل حساسيةً في تشكّل الأعضاء. درس الفريق تطوّر دماغ الفأر خلال هذه المرحلة، فاكتشف أنّ الخلايا السلفية العصبية وهي الخلايا التي تُولّد بقية خلايا الدماغ تنتمي في الواقع إلى نوعَين مختلفَين جذرياً: نوعٌ يُنتج الدماغ الأمامي والمتوسّط، ونوعٌ آخر يُنتج الدماغ الخلفي.
ما يُميّز هذين النوعَين ليس فقط ما يُنتجانه، بل ما يحملانه من بصمات جزيئية متباينة. الخلايا السلفية للدماغ الأمامي والمتوسّط تُعبّر عن الجين Otx2، في حين تُعبّر خلايا الدماغ الخلفي عن الجين Gbx2. والأهمّ من ذلك أنّ «بنية التعبئة الكروماتينية» أي الطريقة التي يُعبَّأ بها الحمض النووي داخل هذه الخلايا تختلف اختلافاً جوهرياً بين النوعَين، ما يعني أنّ الفارق بينهما يضرب بجذوره في أعماق الهندسة الجينية لكلٍّ منهما.
يقول Rayyan Jokhai، عالم الأحياء التطوّرية ومشارك أوّل في تأليف الدراسة: "في بيولوجيا الخلايا الجذعية، ينشغل الناس دائماً بإنتاج النوع النهائي من الخلية، كالخلية العصبية... لكنّ المهمّ هو البدء من أبكر مراحل التطوّر الجنيني". ويُضيف: "انتباهنا الدقيق لتلك اللحظة المبكّرة هو ما أتاح لنا اكتشاف هذا الانشطار الجوهري في تطوّر الدماغ".
اكتشافٌ يتجاوز الفأر
ما كان يمكن أن يبقى مجرّد ملاحظة على الفأر تحوّل إلى نتيجةٍ ذات أثرٍ أعمق حين أثبت الباحثون أنّ الخلايا الجذعية متعدّدة القدرات البشرية تسلك المسارات التطوّرية ذاتها التي تسلكها خلايا الفأر. وهذا يعني أنّ المبدأ الذي اكتُشف في القوارض ينطبق على الإنسان أيضاً.
بل ذهب الفريق أبعد من ذلك: نجح الباحثون في تنمية خلايا عصبية حركية للدماغ الخلفي البشري في المختبر، وهي خلاياٌ أظهرت نشاطاً كهربائياً فعلياً وهو مؤشّرٌ على وظيفة عصبية حقيقية. هذا الإنجاز يكتسب أهميةً مضاعفة لأنّ المحاولات السابقة في المختبرات كانت تفشل في الغالب بسبب خطأٍ منهجي: كان الباحثون يستخدمون خلايا سلفية للدماغ الأمامي لمحاولة إنتاج خلايا الدماغ الخلفي، وهو مسارٌ لا يُفضي إلى النتيجة المطلوبة بحكم الاختلاف الجذري بين النظامَين.
550 مليون سنة من الازدواجية
الأكثر إدهاشاً في هذه الدراسة هو امتدادها عبر شجرة التطوّر. وجد الفريق النظام الثنائي ذاته الدماغ الأمامي/المتوسّط من جهة، والدماغ الخلفي من جهة أخرى في أجنّة الفأر والمكّاك والدجاج والسمكة الحمراء (Zebrafish) ودودة الصنّارة (Acorn Worm). هذه الكائنات تجمعها صلة بسلفٍ مشترك يعود إلى نحو 550 مليون سنة مضت، ما يُرجّح أنّ هذا المخطّط الثنائي لبناء الدماغ كان موجوداً منذ مئات الملايين من السنين، وربّما قبل ذلك بكثير.
يُعلّق Jokhai على هذه النتيجة بصراحةٍ لافتة: "فوجئتُ بما توصّلنا إليه، لأنّ كلمة 'دماغ' توحي بعضوٍ متّصل ذي أصلٍ واحد على الأرجح". ثمّ يُضيف: "لكنّ حتى قبل 500 مليون سنة، كانت هناك أنظمة عصبية منفصلة، باتت اليوم تعمل كأنّها واحدة تقريباً، وهذا أمرٌ رائع حقاً".
أمّا Kyle Loh، عالم الأحياء التطوّرية ومضيف المختبر الذي أجرى البحث، فيُقدّم تفسيراً تطوّرياً لهذه الازدواجية: "يُشير بحثنا إلى أنّ التطوّر أخذ نظامَين عصبيَّين قائمَين ودفعهما نحو بعضهما في الفضاء". ويُقرّ بالفارادوكس الكامن في هذا التصميم: "وجود الدماغ كعضوٍ واحد كان على الأرجح سيكون أكثر كفاءةً، لكنّنا نعتمد على هذه الطريقة البدائية لبناء الدماغ كقطعتَين منفصلتَين".
ما الذي يعنيه هذا للطبّ؟
من منظور الصحة العامة والبحث السريري، تفتح هذه الدراسة باباً بالغ الأهمية: فهم أعمق لأمراض جذع الدماغ، تلك الأمراض التي تمسّ الوظائف الجسدية الأساسية كالتنفّس وضربات القلب والبلع. جذع الدماغ ينتمي إلى منطقة الدماغ الخلفي النظام الثاني في هذه الثنائية وقد كان من أصعب المناطق محاكاةً في المختبر تحديداً بسبب الخلط بين النظامَين السلفيَّين.
الآن، وبعد أن أثبت الفريق إمكانية تنمية خلايا عصبية حركية للدماغ الخلفي البشري في المختبر بنشاطٍ كهربائي فعلي، يصبح المسار أكثر وضوحاً نحو نماذج مختبرية أدقّ لأمراض كالتصلّب الجانبي الضموري (ALS) وغيرها من الأمراض التي تُصيب جذع الدماغ.
الدراسة المنشورة في Nature Neuroscience من تأليف Rayyan Jokhai وCarolyn Dundes بوصفهما مشاركَين أوّلَين، تحت إشراف Kyle Loh في مختبر جامعة Stanford. والسؤال الذي تتركه مفتوحاً ليس صغيراً: إذا كان الدماغ قد تشكّل على مدى نصف مليار سنة من نظامَين لا نظامٍ واحد، فكم من الأمراض العصبية التي نُصنّفها اليوم كوحدةٍ واحدة قد تكشف، تحت المجهر الجزيئي، عن جذورٍ في نظامَين مختلفَين جذرياً؟
أخبار ذات صلة

الثقوب السوداء المستحيلة: النسبية تحلّ اللغز، وتكشف سرّاً أعمق

بدلة الفضاء الأوروبية الجديدة تحتاج تطويراً أكثر، رائد فضاء فرنسي: «نحن في البدايات»

الخلايا التي تُرسل دماغنا إلى النوم
