وجه الدينيسوفان يكشف أسرار الإنسان القديم في آسيا
اكتشف كيف أعاد باحثون صينيون رسم وجه الدينيسوفان بناءً على بقايا عظام قديمة في آسيا وأكدوا أنها تنتمي لسلالة بشرية واحدة متنوعة. دراسة تكشف أسرار هذا الإنسان القديم وتعيد تشكيل فهمنا لتاريخه وتنوعه عبر وورلد برس عربي.

كيف كان شكل الدينيسوفان؟ ظلّ هذا السؤال بلا جواب مرئي نحو 15 عاماً، لأنّ هذه المجموعة البشرية القديمة عُرفت أولاً من الحمض النووي لا من الهياكل العظمية. دراسة جديدة تقترب من الجواب. فقد حدّد باحثون صينيون هوية 20 بقايا من موقع شوجياياو (Xujiayao) في الصين على أنها كلّها تعود إلى الدينيسوفان، ثم استخدموها لوصف سمات الجمجمة ولرسم وجهٍ جديد لرجلٍ من هذه المجموعة.
وللنتائج أثر يتجاوز الصورة. فهي تدعم احتمال أن يكون الدينيسوفان سلالةً بشرية واحدة متنوعة امتدّت عبر آسيا، لا عدة أنواع منفصلة كما يرى بعض الخبراء.
كيف حُسمت هوية البقايا؟
نُشرت الدراسة في مجلة «نيتشر» (Nature) في 21 أكتوبر، ويحمل استشهادها المرجعي سنة 2026. عنوانها «The proteome of Middle Pleistocene Xujiayao and common Denisovan morphology»، ويمكن الاطلاع عليها عبر المعرّف الرقمي للدراسة. ومن مؤلفيها Xing S. وWu Z. وShao Q. وGe J. وBennett E. A. وRao H. وLin S. وZhao Y. وLiu F. وLiu Y. وZhou K. وFeng X. وJiangzuo Q.، إضافةً إلى عالمة الوراثة تشياوماي فو (Qiaomei Fu) التي تدير مختبر الحمض النووي القديم في معهد علم الحفريات الفقارية والأنثروبولوجيا القديمة التابع للأكاديمية الصينية للعلوم.
اعتمد الفريق على التحليل البروتيومي القديم (Paleoproteomics)، وهو منهج يدرس البروتينات في العظام والأسنان. وتبقى هذه البروتينات مدةً أطول من الحمض النووي، وهذا ما يجعله مفيداً حين يتعذّر استخراج الحمض النووي من الحفريات. ويستطيع الباحثون بهذه الطريقة الاستعانة بمتغيّرات وراثية خاصة بالدينيسوفان لتمييزهم من المجموعات البشرية القديمة الأخرى. وقد أظهر التحليل أنّ البقايا العشرين كلها دينيسوفانية.
والمفارقة أنّ هذه الحفريات ليست جديدة. فقد استُخرجت عظامها وأسنانها في أواخر السبعينيات، وتُنسب إلى فترة تتراوح بين 199,000 و138,000 سنة مضت. وكان يُنظر إليها في البداية على أنها تعود إلى إنسان نياندرتال أو إلى «هومو سابينس» (Homo sapiens) قديم. أما الدينيسوفان فلم يُعرفوا إلا في 2010، حين حُدّدت هويتهم من الحمض النووي لعظمة إصبع عُثر عليها في كهف بسيبيريا. وهم مجموعة عاشت في آسيا واندثرت قبل نحو 30,000 عام.
ماذا تقول الجماجم؟
تجمع جماجم شوجياياو، بحسب الدراسة، سمات ترتبط بثلاث فئات: «هومو إركتوس» (Homo erectus) والنياندرتال والإنسان الحديث. فعلبة الدماغ منخفضة وعريضة، وعظام الجمجمة سميكة. أما الضواحك ثنائية الذرى فتشبه نظيرتها عند النياندرتال والإنسان الحديث. وتبدو مؤخرة الجمجمة أكثر استقامةً وأقلّ استدارةً مما هي عند النياندرتال أو الإنسان الحديث.
وتتضح فائدة هذه السمات حين تُقارن بغيرها. فقد قارن الباحثون بقايا شوجياياو بحفريات من شرق آسيا ينسبها بعض الخبراء إلى أنواع أخرى، منها «هومو جولوينسيس» (Homo juluensis) و«هومو لونغي» (Homo longi). ورأوا أنّ السمات المشتركة قد تعارض تقسيم الدينيسوفان إلى أنواع مختلفة. وجاء في الدراسة:
«هذه التوليفة الفريدة من السمات المورفولوجية، المتميزة عن هومو إركتوس والإنسان الحديث والسلالات القريبة من النياندرتال، تدعم نسبة معظم أفراد جنس هومو القديم في أواخر العصر البليستوسيني الأوسط بشرق آسيا إلى الدينيسوفان». وهذا نص المؤلفين أنفسهم.
ويقترح الباحثون أنّ الدينيسوفان تكيّفوا مع مناطق بيئية متنوعة في أنحاء آسيا على مدى مئات الآلاف من السنين.
وجهٌ بلا لون محسوم
أنتج الفريق كذلك إعادة بناء جديدة لوجه رجل دينيسوفاني. يحدّق الرجل في الناظر مباشرةً، وينساب شعره الداكن إلى الخلف من فوق حاجبين بارزين ضخمين. وتظهر علبة الدماغ المنخفضة العريضة، لكنّ الشعر يحجب معظمها. وكانت أبحاث الحمض النووي السابقة قد أشارت إلى أنّ الدينيسوفان كانوا ذوي بشرة داكنة وشعر بني وعيون بنية.
هل يحسم هذا مسألة السلالة الواحدة؟
ليس تماماً، وأصحاب الدراسة أنفسهم لا يدّعون ذلك. تقول تشياوماي فو: «لا يزال من الممكن وجود سلالات أخرى عاشت في شرق آسيا في الفترة التي يُعرف أنّ الدينيسوفان وُجدوا فيها».
أما كريس سترينغر (Chris Stringer)، عالم الأنثروبولوجيا القديمة في متحف التاريخ الطبيعي بلندن، فلم يشارك في البحث، وهو ينظر إلى التنوع من زاوية وراثية. يقول: «نعرف من الحمض النووي أنّ الدينيسوفان كانوا مجموعةً شديدة التنوع وراثياً، انقسمت مبكراً إلى مجموعات سكانية مختلفة». ويضيف: «قد تكون هذه المجموعات طوّرت قدراً كبيراً من التباين المورفولوجي، وربما يفاجئنا ذلك كلما كبرت عيّنة الحفريات».
وتكشف هذه الجملة الأخيرة عن حدود الاستنتاج. فالدراسة تدعم قراءة تجمع حفريات شرق آسيا تحت اسم الدينيسوفان، وتُبقي السؤال مفتوحاً عن حجم التباين داخل هذه المجموعة. والجواب مرهون بما ستكشفه الحفريات القادمة، وبمدى قدرة التحليل البروتيني على قراءة عظام لم يبقَ منها حمض نووي.
أخبار ذات صلة

Virgin Galactic تكشف عن أبيرون: طائرة الفضاء الجديدة من فئة دلتا

رائد الفضاء الكندي ينفذ أول سير فضائي لكندا منذ 7 سنوات في 29 أكتوبر

مرصد روبين يكتشف أول مرشح لكوكب قزم
