وورلد برس عربي logo

تتار القرم بين المقاومة والنضال من أجل الوطن

تتار القرم في أوكرانيا يواصلون نضالهم دفاعاً عن وطنهم رغم الاحتلال الروسي، يشكلون وحدات مقاتلة ويؤثرون في السياسة والثقافة بهدف استعادة القرم وحماية هويتهم من القمع والتهجير عبر دعم مستمر ومبادرات وطنية وورلد برس عربي.

رجل يحمل لافتة زرقاء مكتوب عليها "PUTIN GO HOME!" خلال فعالية في كييف، مع نصب تذكاري بارز في الخلفية.
إحياء الذكرى الخامسة والسبعين لتهجير السكان الأصليين لشبه جزيرة القرم على يد الاتحاد السوفيتي، في ساحة الاستقلال في كييف، 18 مايو 2019 (غينيا سافيلوف/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في أحد أطراف العاصمة الأوكرانية كييف، داخل المركز الإسلامي الثقافي، يُنهي حفنةٌ من التتار القرميين صلاة الجمعة بالتسليم. يخرج عيسى أكاييف آخرَ المصلّين.

رغم تقاعده في ديسمبر الماضي، لا يزال هذا المحارب البالغ من العمر 60 عاماً يرتدي بفخرٍ قميصاً يحمل شعار الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، إلى جانب لحيته وقبّعته (الطاقية).

يقول أكاييف، جالساً على مقعدٍ قرميٍّ تقليدي في ردهة المركز الإسلامي الذي يحتضن أيضاً الإدارة الدينية لمسلمي القرم: "لقد غيّرت الحرب كثيراً، فالاقتحامات المباشرة التي كنّا نشنّها في السابق باتت مستحيلة اليوم".

ويُضيف: "الآن تقوم المدفعيّة وطائرات FPV المسيّرة بمعظم العمل. يمكن أن تمتدّ منطقة الاشتباك حتى 30 كيلومتراً، وعليك السير سيراً على الأقدام تجنّباً للفت الأنظار".

يُدرك هذا المحارب المخضرم أنّه لم يعد مهيّأً لهذا النوع من الصراع عالي الكثافة.

في عام 2014، حين احتلّت القوات الروسية شبه جزيرة القرم، أسّس أكاييف أولَ وحدةٍ تتريّة مقاتلة في صفوف أوكرانيا، وهي "كتيبة القرم"، التي سعت إلى الدفاع عن مصالح الجماعة الأصيلة المسلمة في القرم، والتي كان تعدادها يتجاوز 250,000 شخص آنذاك، معظمهم عادوا إلى شبه الجزيرة بعد عقودٍ من الترحيل القسري في عهد الحكم السوفيتي.

منذ ذلك الحين، واصل تتار القرم قتالهم من أجل وطنهم، حيث نظّمت روسيا استفتاءً على الضمّ في مارس 2014، وأسفر عن تصويت 96% من المشاركين لصالح الوضع الجمهوري الذي منحته موسكو للإقليم، غير أنّ الأمم المتحدة أعلنت عدم مشروعية هذا التصويت.

وعقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، "برزت وحداتٌ وجنودٌ من تتار القرم بشكلٍ لافت" في صفوف الجيش الأوكراني، وفق ما تشرح فيليز توتكو أيدين، أستاذة العلوم السياسية في جامعة العلوم الاجتماعية بأنقرة.

وتشمل هذه الوحدات كتيبة "نومان شلبيجيهان" وفرقة "الذئاب الرمادية"، فضلاً عن كتيبة القرم التاريخية.

وقد خاضت هذه الوحدات، إلى جانب تتار القرم المنخرطين في الجيش النظامي، معاركَ على خطوط المواجهة ودفعت ثمناً باهظاً.

تقول أيدين: "تُعلَن الوفيات داخل المجتمع حين يرحل أحدهم، أي حين يستشهد"، مشيرةً إلى البُعد الروحي العميق الذي يحمله النضال من أجل القرم في وجدان أبنائها.

وقد تقلّد بعض التتار مناصب رفيعة، من بينهم السياسي رستم أوميروف، المستشار المقرّب من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي شغل منصب وزير الدفاع من سبتمبر 2023 حتى يوليو 2025.

يقول أكاييف: "كان ذلك مفاجأةً تامّة"، إذ حمل التعيين دلالةً سياسية بالغة، كونه جعل أوميروف أوّل تتريٍّ قرميٍّ يتولّى منصب وزير.

وإن لم يكن تتار القرم دائماً في قلب المعارك، فإنّ مجتمعهم المقيم في أوكرانيا الرئيسية يبقى فاعلاً في الحياة السياسية والمدنية. ويبلغ عددهم اليوم بين 30,000 و50,000 شخص، ويُمثّلون أقليّةً تركيّة العرق واضحة المعالم بين نحو 30 مليون أوكراني لا يزالون يقطنون البلاد، فيما تُشير الإحصاءات الروسية إلى بقاء أكثر من 200,000 تتريٍّ في شبه جزيرة القرم.

في عام 2023، أسّس تتار البرّ الأوكراني منصّة "الجبهة القرمية"، وهي هيكلٌ يجمع رجال أعمال ومتطوّعين ومنظّماتٍ تدعم جهود الحرب.

يقول لينور مامبيتوف، أحد مؤسّسي الجبهة القرمية: "كان الهدف تذكير الرأي العام بأنّ تتار القرم يُسهمون بشكلٍ دائم ومستمر".

ويُضيف: "لدينا جميعاً هدفٌ مشترك: ليس فقط صدّ العدو، بل استعادة أراضينا والعودة إلى الوطن، إلى القرم".

وقد جعل تشديد روسيا قبضتها على القرم وتصاعد القمع في شبه الجزيرة منذ 2022 قضيةَ التحرير أكثرَ إلحاحاً لدى المجتمع التتري.

تقول أيدين: "انتصار أوكرانيا ربّما يكون أهمّ لتتار القرم منه للأوكرانيين أنفسهم، لأنّهم شعبٌ مُجرَّد من وطنه، وهذه بالنسبة إليهم مسألة حياةٍ أو موت".

إبقاء القرم حاضرةً في الأجندة

"من بين أكثر من 300 معتقلٍ سياسي في القرم، الغالبية العظمى من تتار القرم، وهذا ما يُجسّد موقف مجتمعنا الداعم لأوكرانيا"، يقول أختيم سيتابلاييف، جالساً في مكتبه بكييف.

سيتابلاييف ممثّلٌ بارز وكاتب سيناريو ومخرج، ويترأّس "البيت القرمي"، وهو مؤسسةٌ ثقافية تموّلها الدولة. مهمّتها، كما يوضح، "تقديم الخدمات الثقافية والتعليمية، ولا سيّما للمهجّرين من الأراضي المحتلّة".

منذ التحاقه بالجيش عام 2022، واصل سيتابلاييف مشاركته في مبادرات ثقافية ترفع الوعي بقضية تتار القرم.

تزيّن ممرّات البيت القرمي ملصقاتٌ من أفلامٍ عن القرم، كثيرٌ منها أسهم فيها سيتابلاييف.

ومن أبرزها فيلم Haytarma (2013)، وهو دراما تاريخية تصوّر ترحيل تتار القرم القسري في مايو 1944.

تُعدّ هذه الحادثة من أضخم عمليات الترحيل القسري للسكّان في الحقبة السوفيتية؛ إذ شهدت ما يُعرف بـ"السورغونلوق" أو "المنفى" ترحيلَ أكثر من 190,000 شخص — في معظمهم من التتار، مع إضافة بعض اليونانيين والأرمن وجماعاتٍ غير سلافية أخرى في يونيو — بالقطار إلى آسيا في غضون ثلاثة أيام فحسب، ممّا أدّى إلى محو الوجود التتري من شبه الجزيرة.

يصف كثيرٌ من الباحثين "السورغونلوق" بأنّه تطهيرٌ عرقي، فيما يعتبره تتار القرم إبادةً جماعية.

أسفر الترحيل عن معدّلات وفاة مرتفعة، وحطّم الثقافة التترية القرمية، وشتّت المجتمع في شتى أنحاء المهجر دون أن يعود كاملاً.

كأكاييف ومامبيتوف، وُلد سيتابلاييف في أوزبكستان، حيث نُقل معظم تتار القرم، ولم يعودوا إلى القرم إلا مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991.

يُعرض فيلم Haytarma بانتظامٍ في السفارات الأوكرانية قُبيل الثامن عشر من مايو، يوم إحياء ذكرى الترحيل. وقد حضر سيتابلاييف أحد آخر هذه العروض في برلين في مايو من هذا العام.

يقول: "بعد اندلاع الحرب عام 2014، وبعد 2022 بشكلٍ خاص، تصاعد الاهتمام بالفنّانين التتار القرميين، وهذا لا يسعنا إلا أن يُسعدنا".

للحفاظ على ذاكرتهم الجمعية وروايتهم، يعتمد تتار القرم أيضاً على شبكة مهجرٍ واسعة تمتدّ من آسيا الوسطى إلى الولايات المتحدة.

أكبر هذه الجاليات وأكثرها صوتاً يتمركز في تركيا، حيث استقرّ مئات الآلاف منهم إبّان الحقبة القيصرية قبل 1922، فراراً من الاضطهاد الذي أعقب الفتح الروسي للقرم عام 1783.

قدّمت الأناضول لهم قرباً جغرافياً وبيئةً ثقافية مألوفة، إذ تجمع الأتراكَ وتتارَ القرم قرابةٌ لغوية وتقاليد مشتركة. وقد اتّسعت هذه الجالية بعد 2014، ثم 2022.

يقول رفعت شوباروف، رئيس المجلس (مجلس تتار القرم): "تركيا شريكٌ موثوق لأنّها حافظت على الموقف ذاته منذ 2014: دعم السلامة الإقليمية لأوكرانيا ورفض احتلال القرم".

وبوصفه الهيئة التمثيلية لشعب تتار القرم، غدا المجلس قناةً دبلوماسيةً مهمّة لأوكرانيا في زمن الحرب.

في أبريل، شارك شوباروف وعددٌ من أعضاء المجلس في منتدى أنطاليا للدبلوماسية، حيث التقوا بمسؤولين أتراك.

يقول شوباروف: "ناقشنا أساساً قضية اضطهاد تتار القرم في الأراضي المحتلّة، فضلاً عن دعم أوكرانيا".

وعلى الرغم من أنّ أنقرة لم تقدّم دعماً عسكرياً مباشراً، تحافظ الجبهة القرمية على علاقاتٍ معها منذ انطلاق عملها في المجال الإنساني.

يقول مامبيتوف: "نسعى أيضاً للحصول على دعمٍ من دولٍ أخرى لمشاريعنا: المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات". فمن خلال الجبهة القرمية، قدّمت الرياض مساعداتٍ في أعقاب تدمير سدّ كاخوفكا عام 2023، فيما أمدّت الإمارات المنطقة بالمولّدات الكهربائية.

وتمتدّ شبكات تتار القرم إلى ما هو أبعد من منطقة الشرق الأوسط.

تلاحظ أيدين: "في كندا وعبر أوروبا، تتعاون جاليات تتار القرم بشكلٍ وثيق مع الجاليات الأوكرانية في المهجر"، مضيفةً: "أوكرانيا لا تستثمر هذا التعاون بالقدر الكافي، وإن كانت الأمور قد تحسّنت".

وهذا التقارب نفسه وليدٌ حديث؛ فقد ظلّت العلاقة بين السلطات الأوكرانية وتتار القرم لعقودٍ مشوبةً بشيءٍ من الريبة والتحفّظ.

بروزٌ جديد صنعته الحرب

في أبريل، أصدر زيلينسكي مرسوماً يرمي إلى صون هوية شعب تتار القرم والاعتراف بالمكانة القانونية للمجلس.

رحّب المجتمع التتري بهذه الخطوة باعتبارها علامةً فارقة، تتويجاً لمسيرةٍ من التقدّم المتراكم في مجال الاعتراف بحقوقهم.

وفق شوباروف، فحتى بعد عام 1991، أبقت عقودُ التأثير السوفيتي الأوكرانيينَ ينظرون إلى الروس بوصفهم "إخوتهم الأقرب"، في حين كانوا يكنّون ريبةً تجاه التتار.

يقول شوباروف: "كثيرٌ من الناس كانوا يرون في تتار القرم العائدين من المنفى تهديداً"، مضيفاً: "بل ذهب بعض السياسيين إلى حدّ الادّعاء بأنّنا نسعى للاستيلاء على شبه الجزيرة أو إخضاعها للنفوذ التركي".

منذ ذلك الحين، تحسّنت العلاقات تحسّناً ملحوظاً مع زيلينسكي؛ ففي 2023، أرسى تقليداً جديداً بإقامة إفطارٍ رسمي مع ممثّلي تتار القرم خلال شهر رمضان المبارك.

يقول مامبيتوف: "كان ذلك صدمةً حقيقية؛ أن يُولي الرئيس هذه الأهمية للمسلمين ولتتار القرم كان أمراً غير مسبوق".

وقد امتدّ الاعتراف بهوية تتار القرم ليتجاوز السياسة إلى الثقافة والتاريخ؛ ففي 2024، كشف الرئيس عن نصبٍ تذكاري في كييف يُخلّد ذكرى ضحايا "السورغونلوق".

يقول سيتابلاييف: "منذ 2014، تغيّرت النظرة إلى الفنّانين التتار القرميين وثقافتهم تغيّراً جذرياً نحو الأفضل. بالطبع أسهمت الحرب في ذلك إلى حدٍّ ما، لكنّني أؤمن أيضاً أنّ هذا كان ضمن مشيئة الله".

وبحسب مامبيتوف، بات كثيرٌ من الأوكرانيين يُراجعون تحيّزاتهم تجاه الإسلام. يقول سيتابلاييف: "الناس باتوا يفهمون ديننا بصورةٍ أفضل".

وترى أيدين أنّ الخطوات التي اتّخذتها كييف لضمان اندماج المجتمع التتري واستقلاليّته، والتي باتت "راسخةً في البنية القانونية"، أسهمت في بناء الثقة مع الحركة التترية القرمية.

وتقول: "أوكرانيا ترى أنّ دمج تتار القرم ضرورةٌ لإعادة دمج القرم ذاتها"، مضيفةً أنّ هذا الموقف يُغلق الباب أمام أيّ شكلٍ من أشكال الانفصالية.

ومن ثَمّ، فإنّ الجمع بين السعي إلى الحكم الذاتي واحترام السلامة الإقليمية لأوكرانيا "ليس تناقضاً بالنسبة لتتار القرم"، كما تُقرّر أيدين.

وهذا هو موقف المجلس وغالبية الشخصيات القيادية في المجتمع التتري.

يسأل أكاييف بابتسامة: "الله خلق القرم جزءاً من أوكرانيا، فكيف نخالف إرادته؟".

وعلى الرغم من أنّ فكرة التنازل عن القرم لروسيا طُرحت أحياناً أساساً محتملاً للتفاوض في الحرب الدائرة، بما في ذلك من قِبَل الرئيس الأمريكي Donald Trump، يرفض هذا القائد المخضرم هذا الطرح جملةً وتفصيلاً.

يقول أكاييف: "لا أعلم ما يخبّئه الغيب، لكن ما دام الله يمنحني القوّة، سأواصل النضال بكلّ الوسائل التي يُجيزها الشرع من أجل عودة وطننا إلينا".

وأضاف: "لأنّ رفات أجدادي هناك. لأنّني أريد أن أُدفن هناك. لأنّه بلا القرم، لا وجود لتتار القرم".

أخبار ذات صلة

Loading...
خريطة توضح حدود باكستان مع أفغانستان، مع تمييز لموقع إسلام آباد، تشير إلى التوترات الأمنية والعمليات العسكرية ضد المسلحين.

باكستان تعلن عن عملية برية وضربات على الحدود الأفغانية أسفرت عن مقتل 29 مسلحاً

في تصعيدٍ أمني غير مسبوق، نفذت باكستان عملية عسكرية على الحدود الأفغانية، أسفرت عن مقتل 29 مقاتلاً من جماعة الأحرار. تعرف على تفاصيل هذه العملية وأثرها على الأمن الإقليمي. تابع القراءة لتكتشف المزيد!
Loading...
رفع رجال الإنقاذ حطام طائرة مسيّرة في مدينة أوكرانية، بينما تظهر خلفهم مبانٍ سكنية، بعد الهجمات الأخيرة على المنشآت الروسية.

روسيا: طائرات مسيّرة أوكرانية تشعل النيران في مصفاة نفط كبرى

تتسارع وتيرة الهجمات الأوكرانية على العمق الروسي، حيث استهدفت مصفاة نفط كبرى، مما أسفر عن مقتل شخصين. هل ستؤدي هذه الضغوط إلى مفاوضات سلام؟ تابعوا التفاصيل المثيرة حول تصاعد الصراع وتأثيراته الكبيرة.
Loading...
امرأة تحتضن قطة في منطقة تضررت من الهجوم، بينما يظهر خلفها منزل مدمّر وفرق الإنقاذ تعمل في الموقع.

روسيا تعلن عن أكبر هجوم بدرونات أوكراني على أراضيها والقرم المضمومة

في تصعيد غير مسبوق، اعترضت الدفاعات الجوية الروسية 660 طائرة مسيّرة أوكرانية في هجوم ليلي واسع، مما يعكس تطوراً دراماتيكياً في الصراع. اكتشف المزيد حول تأثير هذه العمليات على موازين الحرب.
Loading...
رجل يرتدي خوذة ويستخدم عصا للبحث بين أنقاض مبنى مدمّر، مما يعكس تأثير الزلازل المدمّرة على البنية التحتية.

أنظمة الإنذار المبكر من الزلازل: ما تحتاج معرفته

في عالم مليء بالزلازل المفاجئة، تبرز أهمية أنظمة الإنذار المبكر كوسيلة حيوية لحماية الأرواح. تعرف على أحدث الابتكارات التي تمنحك الفرصة للنجاة قبل أن يحدث الزلزال. لا تفوت الفرصة، اكتشف المزيد عن هذه الأنظمة الحيوية!
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية