تضامن عربي خلف مصر وكأس العالم يتجاوز الرياضة
مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026 لم تكن فقط عن كرة القدم بل عن تضامن عربي واسع مع مصر والقضية الفلسطينية وسط اتهامات بالتحيز والتحركات السياسية التي كشفت عمق الروابط والتحديات داخل المنطقة وورلد برس عربي.

لم تكن الأهداف ولا الإحصاءات هي المحور الأساسي في نقاشات مباراة الأرجنتين ومصر في دور الستة عشر من كأس العالم 2026 بل كانت الاتهامات الموجَّهة إلى FIFA بالتحيّز لصالح الأرجنتين في قرارات التحكيم. غير أنّ ردود الفعل في العالم العربي أخذت منحىً مختلفاً تماماً، إذ عكست السياسة المحلية لكلّ بلد قبل أن تعكس الحسابات الكروية.
وإن كانت منصّات التواصل الاجتماعي مقياساً غير علمي لكنّه دالّ على المزاج العام، فإنّها أظهرت دعماً شعبياً عربياً واسعاً للمنتخب المصري، حتى من الذين يرفضون السجلّ الحقوقي للنظام في القاهرة.
ومثل جماهير كرة القدم في كلّ مكان، ينقسم المشجّعون العرب بين معسكرَين لا تهدأ الحرب بينهما: معسكر Lionel Messi ومعسكر Cristiano Ronaldo. انقسامٌ بات أقرب إلى الولاء الديني منه إلى النقاش الرياضي يقف كلٌّ منهم مع نجمه بصرف النظر عن البطولة أو الفريق. لكنّ مباراة مصر والأرجنتين شكّلت استثناءً نادراً، حين تراجعت هذه الولاءات الفردية، وتوحّدت الجماهير العربية خلف الفراعنة.
ولهذا التوحّد دلالةٌ تتجاوز الملعب. فعلى مدار العقد الماضي، شهد العالم العربي محاولاتٍ متصاعدة لتفتيت الهوية الجماعية، إذ سعت أنظمةٌ عديدة إلى بناء روايات وطنية ضيّقة تعزل شعوبها عن محيطها الإقليمي، وتحجب في الوقت ذاته إخفاقاتها الداخلية. بيد أنّ موجة التضامن التي أبدتها الجماهير من موريتانيا إلى عُمان كشفت عن عجز هذه المحاولات في قطع الروابط التاريخية والثقافية واللغوية والدينية التي تجمع المنطقة.
قضية غزة على أرض الملعب
حتى قبل المواجهة المثيرة للجدل مع الأرجنتين، كان المنتخب المصري قد استقطب اهتماماً عربياً واسعاً ولم يكن ذلك بسبب أدائه اللافت في الدور السابق وحده.
فبعد تأهّل مصر إلى دور الستة عشر على حساب أستراليا، رفع المدرّب حسام حسن العلم الفلسطيني على أرض الملعب، وأهدى الفوز لشعبَي مصر وفلسطين. القرار أثار موجة من الإشادة في الأوساط العربية، ولم يتراجع حسام حسن حين انتقده بعضهم لإدراجه الفلسطينيين في خطابه بدلاً من الاكتفاء بالمصريين.
وفي المؤتمر الصحفي السابق لمواجهة الأرجنتين، طالب حسام حسن العالم بدعم الشعب الفلسطيني وإنهاء معاناته، فأعاد بذلك تسليط الضوء الدولي على الكارثة الإنسانية في غزة.
وفي القطاع المحاصَر، خرج الفلسطينيون ليتابعوا المباراة على شاشاتٍ كبيرة نُصبت قرب ركام منازلهم. وفي مشهدٍ يختصر الفاجعة المستمرة، اغتالت قوات الاحتلال الإسرائيلي محمد الوحيدي، العامل الإنساني الذي نظّم تلك العروض، قُبيل انطلاق صافرة البداية مباشرةً.
أبرزت هذه الأحداث عمق العلاقة الخاصة بين المصريين وفلسطينيي غزة، وأكّدت أنّ القضية الفلسطينية لا تزال في صميم الوجدان العربي الجماعي. وذهب بعض المتابعين إلى أنّ قرار حسام حسن برفع العلم الفلسطيني وإهداء الفوز لشعب فلسطين كان أعمق أثراً من نتيجة المباراة ذاتها.
الظلم في الداخل
إلى جانب ما أفرزته المباراة من تضامن عروبي، كشفت مشاعر الغبن التي أحسّ بها المنتخب المصري وجماهيره عن ظلمٍ من نوعٍ آخر هذه المرة في الداخل المصري.
فقد بادر معتقلون سياسيون سابقون وذوو المعتقلين الحاليين إلى التعاطف مع المنتخب، لكنّهم استثمروا اللحظة في تذكير المصريين بما يعيشونه داخل بلادهم. وفيما كان المشجّعون يُعبّرون عن غضبهم من نتيجة مباراة مصر والأرجنتين، نشر على Facebook جمال عيد، أحد أبرز المحامين الحقوقيين في مصر، تساؤلاً مفاده: لماذا لا يتحوّل هذا الغضب الشعبي إلى ضغطٍ على الانتهاكات المتواصلة داخل السجون المصرية؟
في الوقت ذاته، وجد المصريون في المهجر أنفسهم أمام مفارقةٍ مؤلمة: يحتفلون بمسيرة منتخبهم في كأس العالم، لكنّهم محرومون من حقّ الاحتفال بهذا الإنجاز على أرض وطنهم.
كثيراً ما يُردّد المعلّقون الغربيون مقولة فصل الرياضة عن السياسة. لكنّ الوقائع تقول عكس ذلك؛ فبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، لجأت المنتخبات الأوروبية والهيئات الرياضية إلى كأس العالم 2022 وغيره من البطولات للتعبير عن تضامنها مع الشعب الأوكراني.
بالنسبة لكثيرٍ من العرب، لم تنفصل الرياضة يوماً عن السياسة. وقد منح كأس العالم 2026 فرصةً للتعبير العلني عن الهوية العربية المشتركة، مؤكّداً أنّه رغم سنواتٍ من التشرذم السياسي، لا يزال العرب من المحيط إلى الخليج يتقاسمون هويةً واحدة وقضايا مشتركة في مقدّمتها فلسطين.
أخبار ذات صلة

إنجلترا بعد الخسارة أمام الأرجنتين: اعترافٌ مرّ من توخيل

الرقم القياسي لا يتوقف! بوروك يتجاوز إرث تيريم

كأس العالم 2026: لاعبون مسلمون يعيدون رسم نقاش الهوية الأوروبية
