هل تسقط المادة المضادة بنفس طريقة المادة العادية
فريق فيزيائي يبتكر طريقة لقياس تأثير الجاذبية على جسيمات المادة المضادة الأولى من نوعها الميونيوم عمرها قصير جداً وتشكّل تحدياً جديداً قد يعيد رسم قواعد الفيزياء ويكشف أسرار جديدة عن المادة والمادة المضادة في الكون من وورلد برس عربي

هل تسقط المادة المضادة كما تسقط المادة العادية؟ سؤالٌ يبدو بديهياً في ضوء نظرية النسبية العامة لأينشتاين، لكنّه يظلّ في الحقيقة سؤالاً تجريبياً لم يُختبر بالكامل بعد. الآن، يقترب فريقٌ من الفيزيائيين خطوةً جديدة نحو إجابةٍ أكثر دقة، بعد أن نجحوا في إنشاء حزمة شعاع من ذرّات «الميونيوم» (Muonium) وهو نظامٌ ذرّي غريب تُشكّل فيه المادة المضادة الجزء الأكبر من الكتلة بهدف قياس كيفية تأثير الجاذبية عليها. النتائج نُشرت في مجلة Nature Physics وقد تُعيد رسم حدود ما نعرفه عن أحد أعمق مبادئ الفيزياء.
ما هو الميونيوم، ولماذا هو مختلف؟
الميونيوم ليس عنصراً كيميائياً، بل ذرّةٌ غريبة تتألّف من «مضاد الميون» (Antimuon) وهو الجسيم المضاد للميون، أثقل من الإلكترون بنحو 200 مرّة ومن إلكترون سالب الشحنة. المحصّلة: ذرّةٌ متعادلة كهربائياً، جزؤها الأكبر من حيث الكتلة مادةٌ مضادة. وهذا بالضبط ما يجعلها مثيرةً للاهتمام العلمي؛ فلقياس أثر الجاذبية على جسيمٍ ما، تحتاج أوّلاً إلى جسيمٍ متعادل كهربائياً لا تُشوّش الشحنةُ الكهرومغناطيسية مساره.
تقول Anna Soter، الفيزيائية في ETH Zürich والمؤلّفة الرئيسية للبحث: "بعد كل شيء، لكي تجعل شيئاً يسقط، تحتاج إلى شيءٍ متعادل." وتُضيف في سياقٍ أوسع: "أريد ببساطة أن أقيس، للمرّة الأولى، ما إذا كان التكافؤ بين الكتلة الجاذبية والكتلة القصورية ينطبق أيضاً على الجيل الثاني من الجسيمات هذا وحده عملٌ ملهِم للغاية."
هنا تكمن نقطة الاختلاف الجوهرية مع التجارب السابقة. في عام 2023، أثبت تجربة ALPHA في CERN أنّ مضاد الهيدروجين يسقط تماماً كما تسقط المادة العادية. غير أنّ مضاد الهيدروجين يتألّف من جسيماتٍ مركّبة البروتونات ومضاداتها. أمّا مضاد الميون، فهو جسيمٌ أوّلي أساسي من الجيل الثاني للجسيمات الأساسية، ولم يخضع قطّ لاختبارٍ مباشر لقياس تفاعله مع الجاذبية.
التحدّي التقني: عمرٌ قصير جداً وسرعةٌ عالية جداً
الميونيوم يُعاني من مشكلةٍ وجودية حرفية: عمره لا يتجاوز 2.2 ميكروثانية. هذه المدة القصيرة للغاية تجعل أي قياسٍ تجريبي أمراً بالغ التعقيد. تشرح Soter هذا التحدّي بوضوح: "بما أنّ ذرّات الميونيوم لها عمرٌ قصير جداً، نحتاج إلى البدء بعددٍ كبير منها حتى يبقى عددٌ كافٍ منها حياً لفترةٍ طويلة بما يكفي لقياسه بعد السقوط لبضعة ميكروثوانٍ."
للتغلّب على هذه العقبة، طوّر الفريق تقنيةً مبتكرة: يُطلقون مضادات الميون داخل الهيليوم السائل الفائق المبرَّد إلى حوالي 0.2 كلفن أي قريباً جداً من الصفر المطلق فتخرج نحو 8% من مضادات الميون الداخلة على شكل ذرّات ميونيوم متعادلة إلى الفراغ. تخرج هذه الذرّات بسرعة تبلغ نحو 2.2 كيلومتر في الثانية مع انتشارٍ ضيّق في السرعة، ما يجعل الحزمة متماسكةً وقابلةً للقياس.
المشكلة الحالية أنّ الحزمة عمودية الاتجاه، في حين يستلزم قياس الجاذبية حزمةً أفقية حتى يمكن رصد الانحراف الرأسي الناجم عن الجاذبية. وهذا ما يعمل الفريق على تحقيقه في المرحلة المقبلة.
كيف يُقاس ما لا يُرى بالعين؟
الأداة المقترحة لهذا القياس هي جهاز تداخلٍ كمومي (Interferometer) يعتمد على ثلاثة شبكاتٍ دقيقة متباعدة بمسافاتٍ تُقدَّر بالميليمترات. تعمل هذه الشبكات على رصد أنماط التداخل الموجي لذرّات الميونيوم، وأيّ انزياحٍ في هذه الأنماط يكشف عن تأثير الجاذبية على مسار الذرّات. الدقة المتوقّعة لهذا القياس تبلغ نحو 1% من تسارع الجاذبية.
تقول Soter: "لقد خطونا خطوةً مهمّة نحو تنفيذ تجربةٍ مثيرة حول هذا الموضوع." وتُحدّد هدف المشروع بجلاء: "نريد قياس التفاعل الجاذبي للميون."
ما الذي يمكن أن تغيّره هذه التجربة؟
مبدأ التكافؤ الضعيف، أحد أعمدة النسبية العامة لأينشتاين، يقول إنّ الجاذبية تؤثّر بالتساوي على كل المادة بصرف النظر عن تركيبها. لكنّ هذا المبدأ لم يُختبر قطّ على جسيماتٍ أوّلية من الجيل الثاني مثل مضاد الميون. إذا أظهرت التجربة انحرافاً ولو طفيفاً عن التوقّعات النظرية، فإنّ ذلك سيُشكّل تحدّياً مباشراً لإحدى أكثر النظريات الفيزيائية رسوخاً في تاريخ العلم.
وفق الجدول الزمني المُعلَن، كان الفريق يخطّط لاختبار منهجية التداخل الكمومي مع حزمة الميونيوم بحلول نهاية عام 2024، فيما تُتوقّع التجربة الكاملة لقياس الجاذبية خلال سنتين إلى ثلاث سنوات من الآن. السؤال الذي سيبقى معلّقاً حتى ذلك الحين: هل تسقط المادة المضادة الأوّلية بالطريقة ذاتها التي تسقط بها المادة العادية، أم أنّ الكون يُخبّئ مفاجأةً لم تتوقّعها معادلات أينشتاين؟
أخبار ذات صلة

بدلة الفضاء الأوروبية الجديدة تحتاج تطويراً أكثر، رائد فضاء فرنسي: «نحن في البدايات»

الخلايا التي تُرسل دماغنا إلى النوم

نجمٌ نادرٌ يُولَد من جديد... ويتغيّر مجدّداً
