وورلد برس عربي logo

هل تسقط المادة المضادة بنفس طريقة المادة العادية

فريق فيزيائي يبتكر طريقة لقياس تأثير الجاذبية على جسيمات المادة المضادة الأولى من نوعها الميونيوم عمرها قصير جداً وتشكّل تحدياً جديداً قد يعيد رسم قواعد الفيزياء ويكشف أسرار جديدة عن المادة والمادة المضادة في الكون من وورلد برس عربي

مخطط يوضح تكوين حزمة ذرّات الميونيوم الناتجة عن تفاعل شعاع مضاد الميون مع الهيليوم السائل الفائق لقياس تأثير الجاذبية على المادة المضادة.
تدخل الميونات الموجبة إلى الهيليوم الفائق السيولة، حيث تتكون منها ذرات الميونيوم التي تنبعث في الفراغ على شكل شعاع ضيق وفائق الحرارة. (تانغ وتشاو، فيزياء الطبيعة، 2026)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

هل تسقط المادة المضادة كما تسقط المادة العادية؟ سؤالٌ يبدو بديهياً في ضوء نظرية النسبية العامة لأينشتاين، لكنّه يظلّ في الحقيقة سؤالاً تجريبياً لم يُختبر بالكامل بعد. الآن، يقترب فريقٌ من الفيزيائيين خطوةً جديدة نحو إجابةٍ أكثر دقة، بعد أن نجحوا في إنشاء حزمة شعاع من ذرّات «الميونيوم» (Muonium) وهو نظامٌ ذرّي غريب تُشكّل فيه المادة المضادة الجزء الأكبر من الكتلة بهدف قياس كيفية تأثير الجاذبية عليها. النتائج نُشرت في مجلة Nature Physics وقد تُعيد رسم حدود ما نعرفه عن أحد أعمق مبادئ الفيزياء.

ما هو الميونيوم، ولماذا هو مختلف؟

الميونيوم ليس عنصراً كيميائياً، بل ذرّةٌ غريبة تتألّف من «مضاد الميون» (Antimuon) وهو الجسيم المضاد للميون، أثقل من الإلكترون بنحو 200 مرّة ومن إلكترون سالب الشحنة. المحصّلة: ذرّةٌ متعادلة كهربائياً، جزؤها الأكبر من حيث الكتلة مادةٌ مضادة. وهذا بالضبط ما يجعلها مثيرةً للاهتمام العلمي؛ فلقياس أثر الجاذبية على جسيمٍ ما، تحتاج أوّلاً إلى جسيمٍ متعادل كهربائياً لا تُشوّش الشحنةُ الكهرومغناطيسية مساره.

تقول Anna Soter، الفيزيائية في ETH Zürich والمؤلّفة الرئيسية للبحث: "بعد كل شيء، لكي تجعل شيئاً يسقط، تحتاج إلى شيءٍ متعادل." وتُضيف في سياقٍ أوسع: "أريد ببساطة أن أقيس، للمرّة الأولى، ما إذا كان التكافؤ بين الكتلة الجاذبية والكتلة القصورية ينطبق أيضاً على الجيل الثاني من الجسيمات هذا وحده عملٌ ملهِم للغاية."

مخطط تجريبي يوضح إنتاج حزمة شعاع ذرّات الميونيوم في الهيليوم السائل الفائق لقياس تأثير الجاذبية على المادة المضادة الأولية.
Loading image...
التجهيز التجريبي المستخدم لتوليد واكتشاف شعاع الميونيوم الفائق الحرارة الجديد. (تشانغ وآخرون، فيزياء الطبيعة، 2026)

هنا تكمن نقطة الاختلاف الجوهرية مع التجارب السابقة. في عام 2023، أثبت تجربة ALPHA في CERN أنّ مضاد الهيدروجين يسقط تماماً كما تسقط المادة العادية. غير أنّ مضاد الهيدروجين يتألّف من جسيماتٍ مركّبة البروتونات ومضاداتها. أمّا مضاد الميون، فهو جسيمٌ أوّلي أساسي من الجيل الثاني للجسيمات الأساسية، ولم يخضع قطّ لاختبارٍ مباشر لقياس تفاعله مع الجاذبية.

التحدّي التقني: عمرٌ قصير جداً وسرعةٌ عالية جداً

الميونيوم يُعاني من مشكلةٍ وجودية حرفية: عمره لا يتجاوز 2.2 ميكروثانية. هذه المدة القصيرة للغاية تجعل أي قياسٍ تجريبي أمراً بالغ التعقيد. تشرح Soter هذا التحدّي بوضوح: "بما أنّ ذرّات الميونيوم لها عمرٌ قصير جداً، نحتاج إلى البدء بعددٍ كبير منها حتى يبقى عددٌ كافٍ منها حياً لفترةٍ طويلة بما يكفي لقياسه بعد السقوط لبضعة ميكروثوانٍ."

للتغلّب على هذه العقبة، طوّر الفريق تقنيةً مبتكرة: يُطلقون مضادات الميون داخل الهيليوم السائل الفائق المبرَّد إلى حوالي 0.2 كلفن أي قريباً جداً من الصفر المطلق فتخرج نحو 8% من مضادات الميون الداخلة على شكل ذرّات ميونيوم متعادلة إلى الفراغ. تخرج هذه الذرّات بسرعة تبلغ نحو 2.2 كيلومتر في الثانية مع انتشارٍ ضيّق في السرعة، ما يجعل الحزمة متماسكةً وقابلةً للقياس.

المشكلة الحالية أنّ الحزمة عمودية الاتجاه، في حين يستلزم قياس الجاذبية حزمةً أفقية حتى يمكن رصد الانحراف الرأسي الناجم عن الجاذبية. وهذا ما يعمل الفريق على تحقيقه في المرحلة المقبلة.

مسرّع جسيمات معقد بأجزاء معدنية وزرقاء يستخدم في تجارب الفيزياء لقياس تأثير الجاذبية على المادة المضادة مثل الميونيوم.
Loading image...
مسرّع الجسيمات في معهد بول شيرر في فيليغن بسويسرا، المستخدم لإجراء التجارب. (ماركوس فيشر/معهد بول شيرر)

كيف يُقاس ما لا يُرى بالعين؟

الأداة المقترحة لهذا القياس هي جهاز تداخلٍ كمومي (Interferometer) يعتمد على ثلاثة شبكاتٍ دقيقة متباعدة بمسافاتٍ تُقدَّر بالميليمترات. تعمل هذه الشبكات على رصد أنماط التداخل الموجي لذرّات الميونيوم، وأيّ انزياحٍ في هذه الأنماط يكشف عن تأثير الجاذبية على مسار الذرّات. الدقة المتوقّعة لهذا القياس تبلغ نحو 1% من تسارع الجاذبية.

تقول Soter: "لقد خطونا خطوةً مهمّة نحو تنفيذ تجربةٍ مثيرة حول هذا الموضوع." وتُحدّد هدف المشروع بجلاء: "نريد قياس التفاعل الجاذبي للميون."

ما الذي يمكن أن تغيّره هذه التجربة؟

مبدأ التكافؤ الضعيف، أحد أعمدة النسبية العامة لأينشتاين، يقول إنّ الجاذبية تؤثّر بالتساوي على كل المادة بصرف النظر عن تركيبها. لكنّ هذا المبدأ لم يُختبر قطّ على جسيماتٍ أوّلية من الجيل الثاني مثل مضاد الميون. إذا أظهرت التجربة انحرافاً ولو طفيفاً عن التوقّعات النظرية، فإنّ ذلك سيُشكّل تحدّياً مباشراً لإحدى أكثر النظريات الفيزيائية رسوخاً في تاريخ العلم.

وفق الجدول الزمني المُعلَن، كان الفريق يخطّط لاختبار منهجية التداخل الكمومي مع حزمة الميونيوم بحلول نهاية عام 2024، فيما تُتوقّع التجربة الكاملة لقياس الجاذبية خلال سنتين إلى ثلاث سنوات من الآن. السؤال الذي سيبقى معلّقاً حتى ذلك الحين: هل تسقط المادة المضادة الأوّلية بالطريقة ذاتها التي تسقط بها المادة العادية، أم أنّ الكون يُخبّئ مفاجأةً لم تتوقّعها معادلات أينشتاين؟

أخبار ذات صلة

Loading...
بذلة EuroSuit الأوروبية للطوارئ داخل المركبة الفضائية، بتصميم عصري وعملي لاختبارات رائدة الفضاء على محطة الفضاء الدولية.

بدلة الفضاء الأوروبية الجديدة تحتاج تطويراً أكثر، رائد فضاء فرنسي: «نحن في البدايات»

هل يمكن لرائدة فضاء ارتداء بذلة الطوارئ الأوروبية "EuroSuit" بسرعة في حالات التسرب؟ تجربة صوفي أدونو في محطة الفضاء الدولية تكشف تحديات وفرص تطوير البذلة. اكتشف التفاصيل وكن جزءاً من مستقبل الفضاء!
علوم
Loading...
خلايا عصبية قشرية نادرة Sst-Chodl متفرعة بكثافة، مسؤولة عن إطلاق موجات النوم العميق من داخل القشرة الدماغية.

الخلايا التي تُرسل دماغنا إلى النوم

اكتشف العلماء خلايا دماغية نادرة في القشرة القشرية تتحكم في بدء النوم العميق دون انتظار إشارات من المناطق العميقة. تعرف على أسرار هذه الخلايا وتأثيرها الثوري في فهم النوم. تابع القراءة لتغوص في التفاصيل!
علوم
Loading...
مقارنة بين صور نجم Sakurai's Object في 2015 و2023 تظهر تطور الغلاف الغازي والغبار المحيط به خلال مراحل تطوره النجمية النادرة.

نجمٌ نادرٌ يُولَد من جديد... ويتغيّر مجدّداً

في ظاهرة نادرة، نجم Sakurai's Object تحول جذرياً خلال عقود قليلة، ما يمنح العلماء فرصة فريدة لمتابعة تطور النجوم المحتضرة في الزمن الحقيقي. اكتشف المزيد عن هذا الحدث الفلكي المذهل واستكشف أسرار النجوم المحتضرة.
علوم
Loading...
الأرض محاطة بحقل مغناطيسي يتفاعل مع الرياح الشمسية القادمة من الشمس، مما يسبب ظاهرة الشفق القطبي المرتبطة بالنشاط المغناطيسي الأرضي.

الجميع يتحدثون عن شفق الاعتدالين الخريفي والربيعي، لكن قمر الحصاد قد تكون لديه خطط أخرى.

الشفق القطبي يزداد نشاطه قرب اعتدال سبتمبر 2026 بفضل تأثيرات مغناطيسية فلكية دقيقة. رغم ضوء القمر الساطع، يمكن لعروض الشفق القوي أن تخطف الأنظار. اكتشف كيف تتابع الطقس الفضائي لتحظى برؤية لا تُنسى.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية