كيف يؤثر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي على صبرنا ومهاراتنا
تجارب جديدة تكشف أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في حل المشكلات يقلل صبرنا وقدرتنا على المثابرة والتفكير المستقل. هل الإجابة السريعة تضعف مهاراتنا؟ اكتشف كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي على قدرتنا العقلية مع وورلد برس عربي.

بضع دقائق فقط، بين 13 و15 دقيقة، كانت كافية لتغيير سلوك المشاركين في تجارب علمية جديدة. جلس هؤلاء أمام مسائل كسور بسيطة ومعهم مساعد ذكاء اصطناعي، ثم اختفى المساعد فجأة. الذين اعتادوا الإجابات الجاهزة أخطأوا أكثر وتخطّوا مسائل أكثر وتخلّوا عن المحاولة أسرع من زملائهم الذين لم يستعينوا به. هذا ما خلصت إليه دراسة محكَّمة شملت 1,222 شخصاً، وهي تطرح سؤالاً يمسّ كل طالب وكل موظف يفتح نافذة المحادثة عند أول عقبة: ماذا يحدث لصبرنا وقدرتنا المستقلة حين نعتاد أن يفكّر غيرنا عنّا؟
كيف جُرِّب الأمر؟
أجرى الباحثون ثلاث تجارب عشوائية مضبوطة، ولم يتكرر أي مشارك بين تجربة وأخرى. استغرقت كل تجربة بين 13 و15 دقيقة، وتناولت الحساب وفهم المقروء.
في التجربة الأولى شارك 354 شخصاً، وُزّعوا عشوائياً على مجموعتين: مجموعة أُتيح لها الوصول إلى الذكاء الاصطناعي وأخرى بلا مساعدة. تلقّت المجموعتان 12 مسألة كسور. كان بوسع أصحاب المساعد الحصول على الإجابة فوراً أو طلب تلميحات من برنامج المحادثة. وكان بإمكان الجميع تخطّي أي مسألة، وأكّد الباحثون أن الخطأ لا عقوبة عليه، ومن أخطأ عُرضت عليه الإجابة الصحيحة.
ثم جاءت اللحظة الحاسمة. سحب الباحثون الذكاء الاصطناعي دون تنبيه، وطلبوا من الجميع حلّ ثلاث مسائل كسور أخيرة.
ماذا حدث حين غاب المساعد؟
ما دام برنامج المحادثة حاضراً، تفوّقت مجموعة الذكاء الاصطناعي: حلّت كسوراً أكثر واستسلمت أقل. لكن بعد سحبه انقلب المشهد، فتراجع أداؤها وارتفع عدد المسائل التي تخطّتها أو أخفقت فيها.
كرّرت التجربة الثانية الأولى على 667 مشاركاً مع تعديلات في تصميم التجربة. وأُضيف اختبار تمهيدي لاستبعاد من لا يستطيعون حلّ المسائل الأساسية أصلاً، حتى لا تُفسَّر النتائج بضعف سابق في المهارة. جاءت النتائج مشابهة، وكانت الظاهرة أوضح لدى من استعانوا بالذكاء الاصطناعي للحصول على الحلول مباشرة.
تقول Grace Liu، الباحثة الأولى في الدراسة وطالبة الدكتوراه في تعلّم الآلة بجامعة Carnegie Mellon، في تعليقات لموقع Live Science: «أهم ما توصلنا إليه أن من يُفرِّغون قدراً أكبر من التفكير على الذكاء الاصطناعي يشهدون تراجعاً أكبر في المثابرة (ارتفاعاً في معدل التخطّي)، وهي مهارة مهمة تمتد عبر المجالات كلها».
هل يقتصر الأمر على الرياضيات؟
لا يبدو كذلك. شملت التجربة الثالثة 201 مشارك قُسّموا بين مجموعة تستعين بالذكاء الاصطناعي ومجموعة ضابطة. أجاب الجميع عن خمسة أسئلة لفهم المقروء قبل تعطيل المساعد، ثم تلقّى كل مشارك ثلاثة أسئلة إضافية بعد غيابه. جاءت النتائج مطابقة لتجربتَي الحساب، فخلص الباحثون إلى أن تراجع المثابرة ليس خاصاً بمسائل الرياضيات.
ويربط الباحثون ذلك بما يسمّونه «التفريغ المعرفي» (Cognitive Offloading)، أي نقل العمل الذهني إلى برنامج محادثة. وقد ربطت أبحاث سابقة هذا التفريغ بالتعلّم وبـالتفكير النقدي. وتشير الدراسة إلى أن المثابرة في وجه الصعوبة أساسية لاكتساب المهارات والتعلّم، كما تبيّن أبحاث عن المثابرة أمام الصعوبة وعن اكتساب المهارة وعن علاقتها بالتعلّم. وتضيف الورقة أن الأبحاث القائمة تلمّح إلى أن الاتكال المفرط على الذكاء الاصطناعي يُضعف «اللياقة الذهنية» والإتقان في المادة الدراسية.
لماذا تبدو الإجابة السريعة فخاً؟
يقدّم الباحثون تفسيراً مبدئياً: حين تأتي الإجابة الفورية بلا جهد، قد تبدو الطرق الأبطأ غير مجدية. فلماذا نُجهد أنفسنا إذا كان الحل على بعد سؤال؟
تستحضر Liu مفهوم «الصعوبات المرغوبة» وتشرحه قائلة: «القلق يدور حول ما يسمّيه علماء الإدراك "الصعوبات المرغوبة"، أي ذلك الصراع المثمر الذي يبني المهارة مع الوقت». وتتابع: «إذا كان الذكاء الاصطناعي يزيل هذا الصراع باستمرار، فقد يحصل الناس على الإجابة الصحيحة في اللحظة نفسها، لكنهم ينمّون قدرة مستقلة أقل متانة».
قد يُقال إن الآلة الحاسبة أتاحت دائماً تفريغ العمليات الحسابية، ولم ينهَرْ العالم. ينتبه الباحثون إلى هذا الاعتراض، لكن Liu تجيب عنه بقولها: «السبب الذي يجعلنا ندرس الذكاء الاصطناعي تحديداً هو أنه يتيح للناس تفريغ التفكير عبر مهام كثيرة في مجالات عديدة». فالآلة الحاسبة تحمل عنك عملية واحدة، أما المحادثة الذكية فقد تحمل عنك التفكير نفسه.
وهنا يأتي ما تصفه الدراسة بصناعة المعنى وبناء النماذج الذهنية: بناء تمثيلات داخلية للواقع الخارجي. وهذه مهمة تتطلب وقتاً وتعثّراً، ولا يمكن اختصارها بنسخ إجابة.
ما الذي لا تقوله الدراسة بعد؟
للنتائج حدود يحرص الباحثون على ذكرها. فالأدلة الحالية لا تثبت بعد تأثيرات طويلة الأمد في الكفاءة أو القدرة المستقلة، وتجارب بهذا القِصر تقيس لحظة لا مساراً. أما الصورة الكاملة فتحتاج إلى تتبّع طويل الأمد، وإلى قياسات للتعلّم عبر مهام متنوعة.
أما التوصية العملية فواضحة: أن تقدّم أدوات الذكاء الاصطناعي اتجاهات نحو الحل بدل الحل نفسه. أي أن تفعل ما يفعله المعلّم الجيد حين يشير إلى الطريق ولا يمسك القلم.
نُشرت الدراسة في البداية نسخةً أولية (Preprint) هذا العام على arXiv تحت الرقم arXiv:2604.04721 cs.AI، ثم خضعت للتحكيم العلمي. وعُرضت في وقت سابق من هذا الشهر في مؤتمر نمذجة اللغة (Conference on Language Modeling) لعام 2026 في سان فرانسيسكو، ونُشرت ضمن أعمال المؤتمر (COLM) بعنوان «المساعدة بالذكاء الاصطناعي تقلّل المثابرة وتضرّ بالأداء المستقل» (AI assistance reduces persistence and hurts independent performance). المؤلفون الخمسة هم: G. Liu وB. Christian وT. Dumbalska وM. A. Bakker وR. Dubey. وقد أصدرت جامعة كاليفورنيا في بيركلي بياناً عن الدراسة.
وتختصر كلمة Brian Christian، المشارك في تأليف الدراسة والباحث في مركز الذكاء الاصطناعي المتوافق مع الإنسان (Center for Human-Compatible AI) بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، الرهان كله: «علينا أن نعمل من أجل مستقبل تُعزَّز فيه القدرات البشرية قدر الإمكان بدل أن تُستبدَل». يبقى السؤال مفتوحاً لكل طالب ومعلّم وأب: متى يكون العون الذي نطلبه سلّماً نصعد عليه، ومتى يصبح بديلاً عن الصعود؟
أخبار ذات صلة

تموجات الفضاء غير المتماثلة تكشف الضغط على الدرع المغناطيسي للأرض

نهاية مهمة مرصد Swift بعد 22 عاماً من رصد أقوى الانفجارات الكونية

ناسا تُنهي مهمة تلسكوب Swift بعد فشل محاولة الإنقاذ
