مخاطر الإنفاق الضخم على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي
شركات التكنولوجيا تنفق تريليونات على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي لكن الإيرادات لا تواكب الإنفاق والإنتاجية ضعيفة ما يهدد الاقتصاد بنفق مالي ضخم ومخاطر مالية كبيرة في حال استمرار الفجوة بين الاستثمار والعائد وورلد برس عربي

تُنفق شركات التكنولوجيا الكبرى Alphabet وMicrosoft وAmazon وMeta وOracle ما يقارب 750 مليار دولار على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في عام 2026 وحده، في رهانٍ ضخم يُذكّر الاقتصاديين بفقاعات سبقت انهياراتٍ مؤلمة. والسؤال الذي بات يُقلق المحللين والأكاديميين والمنظمين السابقين على حدٍّ سواء ليس: هل يُنفَق هذا المال؟ بل: هل يُنتج ما يكفي لتبرير وجوده؟
الأرقام وحدها تُصيب بالدوار. فبحلول عام 2027، من المتوقع أن تبلغ نفقات هذه الشركات على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ما يقارب 1.1 تريليون دولار، فيما قد تتجاوز إجمالي استثماراتها في رأس المال المرتبط بالذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأربع المقبلة حاجز 5 تريليونات دولار. وللوضع هذا الحجم في سياقه: يُمثّل هذا الإنفاق ما يقارب 3% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وهو رقمٌ يكفي لأن يُربك الاقتصاد الكلّي إذا سارت الأمور في الاتجاه الخاطئ.
الإيرادات لا تُواكب الإنفاق
المشكلة الجوهرية ليست في الطموح، بل في الفجوة بين ما يُنفَق وما يُكسَب. تتراوح إيرادات الذكاء الاصطناعي المتوقعة في 2026 بين 150 و200 مليار دولار وهو رقمٌ يبدو كبيراً حتى تضعه أمام إنفاق يبلغ 750 مليار دولار في العام ذاته. وقد لخّص غاري غينسلر، الرئيس السابق لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) والأستاذ الحالي في MIT Sloan، هذه المعادلة بصراحة: «التحدي أن الإنفاق لا يقابله حتى الآن إيراداتٌ مماثلة. هذه حقيقة».
وتكشف أرباح Alphabet للربع الثاني من 2026 عن أحد وجوه هذه الحقيقة: إيرادات بلغت قرابة 120 مليار دولار، لكنّ الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أفضى إلى عجزٍ في التدفق النقدي الحر بلغ 5.9 مليار دولار. وهذا ليس استثناءً، بل مؤشّرٌ على اتجاهٍ عام: من المتوقع أن يتحوّل التدفق النقدي الحر لهذه الشركات مجتمعةً إلى أرقامٍ سالبة قريباً.
وحتى تُحقق هذه الشركات نقطة التعادل بحلول عام 2030 بعائدٍ بنسبة 15%، تحتاج إلى تحسين إنتاجيتها بمعامل 2.7 أي ما يزيد على الضعف ونصف الضعف. أما إذا احتسبنا عائداً أكثر تحفظاً بنسبة 10%، فإن الإيرادات السنوية المطلوبة لتبرير الاستثمارات ستبلغ 3.7 تريليون دولار بحلول 2032. وهذا الرقم يُعادل تقريباً ما تُنتجه ألمانيا والمملكة المتحدة مجتمعتَين من الناتج المحلي الإجمالي.
الإنتاجية الغائبة
ما يُقلق الاقتصاديين أكثر من الأرقام المالية هو ما تقوله الشركات نفسها عن تجربتها الفعلية مع الذكاء الاصطناعي. في مسحٍ شمل 6,000 مدير تنفيذي رفيع المستوى، أفاد نحو 90% منهم بأنهم لم يلحظوا أي تحسّن في الإنتاجية جرّاء الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الثلاث الماضية، فيما لا يتوقع هؤلاء المديرون سوى تحسّنٍ بنسبة 1.45% خلال السنوات الثلاث المقبلة ويرتفع هذا الرقم إلى 2.25% لدى نظرائهم الأمريكيين.
وهنا يطرح الاقتصادي داون أسيموغلو من MIT، الحائز على جائزة نوبل عام 2024، السؤال الجوهري: «إذا لم تتحقق مكاسب الإنتاجية، فعند نقطةٍ ما سيُصاب الناس بخيبة أملٍ من الذكاء الاصطناعي، وهذا سيُخفّض الاستثمارات ويُقيّد نمو الإيرادات أيضاً».
وتُشير جيسيكا واكتر، أستاذة التمويل في Wharton School بجامعة بنسلفانيا، في ورقتها البحثية إلى أن حجم هذا الرهان غير مسبوق: «هذا قدرٌ كبير من النمو مُكثَّف في سنواتٍ قليلة». وتُحذّر من السيناريو الأسوأ: «عندها ستتعثّر الشركات في سداد فوائد ديونها، وهذا يُهدّد بالإفلاس».
مشروع Hyperion: نموذجٌ للمخاطرة المُركّبة
لا يُجسّد المشهد برمّته أفضل مما يُجسّده مشروع Meta في لويزيانا. في أواخر عام 2024، أعلنت Meta عن إنشاء مركز بيانات Hyperion في منطقة ريتشلاند بلويزيانا بتكلفة أولية بلغت 10 مليارات دولار. ارتفعت التكلفة لاحقاً إلى 30 ملياراً، ثم في يوليو 2026 أعلنت الشركة توسيع المشروع ليبلغ طاقةً حاسوبية تُقدَّر بـ5 غيغاواط بتكلفة إجمالية تصل إلى 50 مليار دولار.
لكنّ ما يلفت الانتباه ليس الأرقام وحدها، بل الهندسة المالية التي تقف خلفها. في أواخر عام 2025، نقلت Meta حصةً تبلغ 80% من مركز Hyperion إلى شركة Blue Owl Capital، مُشكِّلةً مشروعاً مشتركاً أُطلق عليه اسم Beignet. وتستأجر Meta المركز من Beignet بموجب عقود إيجار مدّتها أربع سنوات وهي المدة ذاتها المتوقعة لعمر شرائح GPU. في الوقت نفسه، تعهّدت شركة Entergy Louisiana بإنشاء 10 محطات توليد كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي بطاقةٍ إجمالية تبلغ نحو 7.5 غيغاواط لخدمة هذا المركز، مقابل ضمان شراء كهرباء من Meta لمدة 20 عاماً.
وهنا يطرح بول أرباجي، المحلل الأول في Union of Concerned Scientists، سؤالاً يُعبّر عمّا يدور في أذهان كثيرين: «بعد أربع سنوات، هل سيكون Mark Zuckerberg لا يزال مهتماً بهذا؟ أم أنه سيرمي المنشفة؟». ويذهب أبعد من ذلك في انتقاده للتداعيات على المستهلكين: «إنهم يُقامرون برهاناتٍ ضخمة على أن هذه المراكز ستستحق ما أُنفق عليها. راهنوا بأموالكم أنتم، لا بأموال دافعي فواتير الكهرباء».
وتُشاطره لوغان بيرك، المديرة التنفيذية لـAlliance for Affordable Energy، هذا القلق: «أن يفعل الجميع ما يقولون إنهم سيفعلونه على مدى العشرين سنة القادمة هذا أمرٌ يصعب تصديقه».
هشاشة البنية المالية
يكشف ستاين فان نيوفيرب، أستاذ التمويل في Columbia Business School، عن البُعد الأخطر في هذه المعادلة. فقد قدّر أن بناء 183 غيغاواط من الطاقة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي بين عامَي 2025 و2032 سيكلّف نحو 41 مليار دولار لكل غيغاواط. والأخطر من ذلك أن أكثر من نصف الـ2.9 تريليون دولار التي ستُنفقها هذه الشركات بين 2025 و2028 ستُموَّل من خلال رأس مال خارجي. يقول فان نيوفيرب: «كثيرٌ من المؤسسات المالية، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، مكشوفةٌ على هذه المراكز إما بوصفها مُقرِضة، أو ضامنةً لبعض الديون، أو داعمةً لصناديق الائتمان الخاص التي تُموّل هذه المراكز». ويُضيف في تحذيرٍ لافت: «وعندها يحتاجون إلى إيجاد مستأجرٍ جديد لمركز بياناتٍ ضخم وحظاً سعيداً في ذلك».
تُشبه هذه الهياكل المالية المعقدة بما فيها مركبات الأغراض الخاصة (SPVs) المستخدمة في تمويل هذه المراكز البنى المالية التي سبقت أزمة 2007 المالية. وتجدر الإشارة إلى أن شرائح GPU تُمثّل نحو 60% من تكاليف مراكز البيانات، فيما تتضاعف قدرتها كل سنتَين تقريباً، مما يعني أن الاستثمار الحالي يتآكل تقنياً بوتيرةٍ متسارعة وتحتاج الشركات إلى إعادة ضخ رأس المال باستمرار.
درسٌ من التاريخ لا يُريد أحدٌ تذكّره
الموازاة التاريخية حاضرةٌ في أذهان الجميع، وإن كان الجميع يتمنّى أن تكون خاطئة. في منتصف التسعينيات، شهدت الولايات المتحدة طفرة تقنية حقيقية في الإنتاجية امتدت قرابة عشر سنوات وهي الطفرة التي يُستشهد بها دائماً لتبرير الإنفاق الحالي. لكنّ ما يأتي بعدها في السرد التاريخي أقلّ إثارةً للحماس: انفجرت فقاعة الدوت كوم في مطلع الألفية الثالثة، وخلّفت ركوداً وخسائر وظيفية واسعة.
يُلاحظ غينسلر: «التاريخ يُخبرنا أنك عند نقطةٍ ما ستشهد تراجعاً، والسؤال هو متى وكم ستكون حدّته». لكنّ المفارقة أن بعض المستثمرين لا يرون في الانهيار المحتمل كارثةً بالضرورة؛ يقول المستثمر الرأسمالي فيجاي بانده: «الانهيار القادم سيكون أفضل شيءٍ يحدث لهذه التكنولوجيا».
الإنفاق الخاص على الذكاء الاصطناعي في مجمله بما يتجاوز الشركات الكبرى يُتوقع أن يبلغ 280 مليار دولار بنهاية 2026. وما يُقلق ليس هذا الرقم وحده، بل أن المؤسسات المالية المُقرِضة والضامنة والمُموِّلة لهذه المشاريع باتت جزءاً من نسيجٍ مالي متشابك يصعب فكّه دون تداعيات تمتد إلى ما هو أبعد من أسهم شركات التكنولوجيا في وول ستريت.
السؤال المطروح الآن ليس إذا كانت هذه الاستثمارات ستُنتج ثمارها بل متى يُقرّر المستثمرون أن الانتظار لم يعد مجدياً، وما الذي سيحدث لشبكة الديون والضمانات والعقود طويلة الأمد — كعقد Entergy لمدة 20 عاماً حين تبدأ الأسئلة بالتحوّل إلى إجاباتٍ لا يريد أحدٌ سماعها.
أخبار ذات صلة

شركات الأقمار الصناعية تحافظ على الطلب على خدمات الإطلاق المتخصصة

تمويل السيارات: لماذا يجب أن تؤثّر كفاءة الوقود على سعر القرض

سعر الفائدة الأمريكي يُنتظر بيان التضخّم القادم
