كيف يغيّر النموذج الثلاثي الأبعاد فهمنا لتكوين النجوم
اكتشف كيف غيّر نموذج ثلاثي الأبعاد عالي الدقة فهمنا لترتيب الطبقات الكيميائية في سحب تكوين النجوم مثل شريط الجبار. النموذج يفسر تداخل الطبقات ويكشف تأثير البنية الثلاثية على كيمياء وإشعاع الغاز بين النجمي في وورلد برس عربي.

-لا تترتّب الطبقات الكيميائية في السحب الغازية التي تولد فيها النجوم كما تُرسم في النماذج التقليدية، شريحةً فوق شريحة. التلسكوبات ترصد تداخلاً بين هذه الطبقات، والنماذج القديمة لا تفسّره. فريق بحثي بقيادة الدكتور Brandt Gaches من جامعة Duisburg-Essen بنى نموذجاً ثلاثي الأبعاد عالي الدقة يقدّم تفسيراً لهذا التداخل، وينقل السؤال من «ما الطبقات الموجودة؟» إلى «كيف يشكّل الشكل الهندسي للغاز كيمياءه وإشعاعه؟». نُشرت الدراسة في مجلة Astronomy and Astrophysics، وهي عمل نمذجة حاسوبية يحاكي منطقةً مماثلة لـ«شريط الجبار» (Orion Bar)، لا رصداً جديداً.
لماذا تهمّ هذه الطبقات أصلاً؟
الهيدروجين الجزيئي هو المادة الخام لتكوّن النجوم داخل السحب الجزيئية العملاقة. والنجوم تحتاج إلى غاز هيدروجين بارد وكثيف كي تتشكّل، لكنّ النجوم الفتية نفسها تعيد تشكيل السحابة التي وُلدت فيها. فإشعاعها يسخّن الغاز المحيط ويبعثره، فيقيم حاجزاً أمام ولادة نجوم أخرى.
المناطق التي يحدث فيها هذا الصراع بين الإشعاع والغاز تُعرف بمناطق التفكك الضوئي (Photodissociation Regions، واختصارها PDR). وهي مناطق تتسم بكيمياء معقّدة. فهم ما يجري فيها يعني فهم الآلية التي تحدّد وتيرة تشكّل النجوم في المجرات.
ما الذي يجعل «شريط الجبار» مختبراً طبيعياً؟
«شريط الجبار» حافة من الغاز والغبار في سديم الجبار (Orion Nebula)، وتبعد نحو 1350 سنة ضوئية عنا. وقد ظلّ زمناً طويلاً النموذج الأول لمناطق التفكك الضوئي. ويصف مؤلفو الدراسة ذلك بقولهم: «على مدى عقود، كان شريط الجبار المنطقة النموذجية للتفكك الضوئي. ويوفّر، لأنه يُرى من الجانب تقريباً، نافذةً فريدة على البنية الكيميائية الطبقية لانتقال الوسط بين النجمي من الحالة الذرية إلى الحالة الجزيئية».
ويضيف الدكتور Gaches، المؤلف الرئيس: «شريط الجبار مختبر طبيعي مثالي لدراسة هذه العمليات. نراه من الجانب تقريباً، ولذلك يسهل تمييز طبقاته الكيميائية المختلفة. وهذا يجعله معياراً لاختبار نماذج المناطق التي يهيمن عليها الفوتون».
غير أنّ الرصد الدقيق كشف ما لا تتوقعه النماذج. فقد رصدت ALMA وتلسكوب JWST المنطقة، وأظهرت الملاحظات أنّ جبهة التفكك الضوئي لجزيء الهيدروجين (H2) تتداخل مع جبهة إعادة اتحاد الكربون المتأيّن (C+). وعند هذه الجبهة الأخيرة يتحوّل الكربون المتأيّن إلى كربون متعادل (C). أما النماذج أحادية البعد فتفترض طبقات منفصلة، فيما تُظهر الملاحظات طبقات متراكبة.
ويقول المؤلفون: «رغم الجهد النظري الكبير، تواجه مقاربات النمذجة القائمة على افتراضات هندسية مبسّطة صعوبةً في إعادة إنتاج البنية المكانية للانبعاث. ونبحث في استجابة الكيمياء الضوئية في توزيعات كثافة ثلاثية الأبعاد واقعية، مستخدمين شريط الجبار تطبيقاً تمثيلياً». ويتحدث الباحثون كذلك عن الحاجة إلى «تفسير الملاحظات الرئيسية الصادرة عن مناطق PDR الكثيفة».
كيف غيّر البُعد الثالث الصورة؟
بنى الفريق أول نموذج ثلاثي الأبعاد بالكامل وعالي الدقة لنظير لـ«شريط الجبار». ويقول المؤلفون: «يستطيع نموذجنا ثلاثي الأبعاد إعادة إنتاج المورفولوجيا المعقدة لانبعاث H2 المرصود، ولا سيما السمات القوسية والخيطية، ويقدّم تفسيراً فيزيائياً لكيمياء هذا الانبعاث».
أما جوهر التفسير فيلخّصه الدكتور Gaches: «البنية ثلاثية الأبعاد للغاز تُحدث فرقاً حاسماً. فهي تخلق ظلالاً وتحجب أجزاء من السحابة عن الإشعاع الشديد. وهذا يغيّر الكيمياء، ويترك بصمة واضحة في الأطوال الموجية للضوء التي نرصدها، من الأشعة تحت الحمراء إلى الراديو». كما تبيّن أنّ الأبعاد المكانية لجبهة التفكك الضوئي تؤثر في الانبعاثات الصادرة عنها.
وللتداخل بين H2 وC+ نتيجة كيميائية لافتة، فهو يدفع كيمياء الهيدروكربونات في الحالة المثارة. وتفتح هذه الكيمياء مسارات تفاعل تكون محظورة عادةً، وقد تنتج الميثان والأسيتيلين والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAH). وهذه الأخيرة قد تكون لبنات بناء للمادة العضوية، وخزّاناً مهماً للكربون.
ماذا بعد النموذج الأول؟
يتحفّظ المؤلفون على حدود عملهم: «نلاحظ أنّ الهدف الرئيس لم يكن تقديم مطابقة مثلى لشريط الجبار، لكنّ نموذجنا الكيميائي ثلاثي الأبعاد استطاع إعادة إنتاج كثير من السمات الموجودة في رصد الشريط». أي أنّ النموذج لا يدّعي نسخةً طبق الأصل من المنطقة، بل يُظهر أنّ الهندسة الثلاثية تكفي لتفسير ما عجزت عنه النماذج المبسّطة.
ومع ذلك يرى الباحثون في نتائجهم أكثر من تحسين تقني: «تمثّل نتائجنا نقطة تحوّل في الكيمياء الفلكية، إذ تستطيع النماذج ثلاثية الأبعاد في الحالة المستقرة تقديم رؤى جديدة جذرياً حول كيمياء الوسط بين النجمي وبنيته الأساسية».
أما الخطوة التالية فيحدّدونها بقولهم: «يمكن للأعمال المقبلة الآن أن تبحث في المورفولوجيات الغازية الناجمة عن آليات فيزيائية مختلفة، وأن تدرس كيمياءها الضوئية وانبعاثاتها في ثلاثة أبعاد». والسؤال المفتوح هو: إلى أي مدى ستصمد هذه المقاربة حين تُطبَّق على سحب بأشكال مختلفة؟
للاطلاع على التفاصيل، يمكن العودة إلى الدراسة المنشورة حول الجبهات الكيميائية الضوئية ثلاثية الأبعاد والبيان الصحفي للجامعة.
أخبار ذات صلة

تلسكوب جيمس ويب يرصد انفجار نجم عملاق في فجر الكون

نجم نيوتروني مغناطيسي فائق يولد من اصطدام نجمين نيوترونيين

القمر يتقلّص مع تبريده... ومخاطر تهدّد المهام القمرية
