ويندل بيري وصدى الأرض في زمن الانفصال
وداعاً Wendell Berry صوت الأرض والفلسفة الزراعية الذي تحدى الحداثة الصناعية وطرح سؤالاً حارقاً عن الإنسان وصلته بأرضه ترك إرثاً من الكتب والتأملات التي تحثنا على إعادة التفكير في علاقتنا بالطبيعة والحياة المستدامة وورلد برس عربي

رحل Wendell Berry عن عالمنا عن عمرٍ ناهز 92 عاماً، في بيته بـ Port Royal بولاية Kentucky، تاركاً وراءه أكثر من أربعين كتاباً وسؤالاً لم يتوقّف عن طرحه طوال حياته: ماذا يبقى من الإنسان حين يقطع صلته بالأرض التي أنجبته؟ لم يكن Berry مجرّد كاتب ريفي يُغنّي للحقول؛ كان صوتاً فلسفياً نادراً في القرن العشرين، رأى في الزراعة المستدامة وفي الترابط بين الإنسان وأرضه مقاومةً حقيقية لما سمّاه «مسرح» الحداثة الزائف.
أعلنت ابنته Mary Berry وفاته في يومٍ الاثنين، قائلةً بإيجازٍ مؤلم: "لا يكفيني ما أستطيع قوله عنه لأوفيه حقّه."
من Henry County إلى Lanes Landing: حياةٌ لم تبتعد كثيراً عن بدايتها
وُلد Berry عام 1934 في Henry County بولاية Kentucky، وانتقل بُعيد ولادته إلى New Castle القريبة. تخرّج من Millersburg Military Institute في مرحلة المراهقة، ثم التحق بـ University of Kentucky حيث شارك في تحرير المجلة الجامعية "Green Pen". لم تكن تلك مجرّد هواية طالب؛ كانت بداية علاقةٍ مع الكلمة ستمتدّ سبعة عقود.
في عام 1958، نال منحة Wallace Stegner Fellowship من Stanford University، وبقي فيها عاماً كاملاً أستاذاً زائراً. مرّ بعدها بنيويورك في مطلع الستينيات، لكنّ المدينة الكبرى لم تستطع أن تُقنعه بالبقاء. في أواخر الستينيات، عاد إلى جذوره واستقرّ في Lanes Landing، المزرعة التي صارت بيته ومختبره الفكري حتى آخر يومٍ في حياته.
الأرض كفلسفة، لا كمجرّد حقل
كان Berry يقرأ Henry David Thoreau وRobert Penn Warren وT.S. Eliot وEzra Pound، لكنّه لم يكتفِ بالتأثّر بهم بل صاغ من هذه القراءات رؤيةً نقدية متماسكة. في كتابه الأبرز "The Unsettling of America" الصادر عام 1977، كتب بلا مواربة: "المجتمع الحضري الصناعي الحديث يقوم على سلسلة من الانفصالات الجذرية: بين الجسد والروح، بين الزوج والزوجة، بين الزواج والمجتمع، وبين المجتمع والأرض."
لم يكن هذا الكتاب بياناً رومانسياً عن الريف، بل تشريحاً دقيقاً لآليات التفكّك الذي تُنتجه الرأسمالية الصناعية. وأضاف في السياق ذاته: "في كلّ نقطةٍ من نقاط الانفصال هذه، يُقيم تحالف الشركات والحكومات والخبراء مشروعاً ربحياً يُفضي إلى مزيدٍ من تمزيق الخليقة وإفقارها."
ما يجعل هذا الكلام حيّاً حتى اليوم هو أنّه لم يُكتب عن مكانٍ بعينه، بل عن نمطٍ من العيش يتكرّر في كلّ مكانٍ تتراجع فيه الزراعة الأسرية أمام التصنيع والمركزة.
صدىً وصل إلى المطابخ والكتب
تأثير Berry لم يقف عند حدود الأدب. الكاتب Michael Pollan يُشير إلى عبارته الشهيرة "الأكل فعلٌ زراعي" باعتبارها من أكثر الجمل التي شكّلت تفكيره. أمّا الطاهية Alice Waters، رائدة حركة الطعام المحلّي، فقد كتبت مقدّمة مقالته "The Pleasures of Eating" عام 1989 وهو ما يكشف كيف امتدّ فكره من الحقل إلى الطاولة، ومن الفلسفة إلى الممارسة اليومية.
نشر Berry أكثر من 40 كتاباً، من بينها روايات مثل "Nathan Coulter" و*"A Place on Earth"*، وديوان "A Timbered Choir: The Sabbath Poems 1979-1997"، وروايته "Andy Catlett: Early Travels" الصادرة عام 2006، التي ضمّنها هذا التأمّل الثقيل: "تراءت لي بشكلٍ متصاعد على مدى الأربعين سنة الماضية فكرةٌ مفادها أنّ العالم القديم الذي كان أهلنا يعيشون فيه بعمل أيديهم، قريبين من الطقس والأرض والنباتات والحيوانات، كان العالم الحقيقي؛ وأنّ العالم الجديد للطاقة الرخيصة والمال الأرخص، الذي يُكرّم الجشع ويحلم بالتحرّر من كلّ قيد، هو في معظمه مسرحٌ."
ما تعلّمه الغابة
ثمّة مقطعٌ كتبه Berry يصلح أن يكون لوحةً بصرية قبل أن يكون نصّاً مكتوباً. يقول فيه: "وهكذا أدخل الغابة. حين أسير تحت الأشجار، تتساقط الأشياء في مكانها الصحيح تلقائياً، دون أيّ جهدٍ منّي. أدخل نظاماً لا وجود له في الخارج، في الفضاءات الإنسانية. أشعر بأنّ حياتي تجد مكانها بين الأحياء الأخرى."
هذه الجملة وحدها تُلخّص مشروعه الفكري بأسره: ليس نوستالجيا للماضي، بل دعوةٌ للانتباه للأرض، للمجتمع، للتكلفة الحقيقية للأشياء. كتب في مكانٍ آخر: "العالم الذي عرفته صبياً كان معيباً بالتأكيد، لكنّه كان جوهرياً وأصيلاً. كانت بيوت أجدادي تنبض بإحساسٍ بالتكلفة الحقيقية والقيمة الحقيقية للأشياء. كلّ ما جاء، جاء بعمل أحدهم."
في عالمٍ يتسارع فيه التخلّي عن الأرض الزراعية لصالح التوسّع العمراني والاعتماد على سلاسل الغذاء الصناعية وهو واقعٌ لا يخصّ Kentucky وحدها يبقى سؤال Berry مفتوحاً وحارقاً: ماذا نخسر حين نقطع الخيط الرفيع الذي يربطنا بما ننبت منه؟
أخبار ذات صلة

الموسيقار هاري جريجسون-ويليامز عن تعاونه الثامن مع ريدلي سكوت: "الأفضل حتى الآن"

مساعي إعادة تسمية مطار ناشفيل باسم دولي بارتون تحظى بدعم حاكم تينيسي.

أعمال دولي بارتون الخيرية استندت إلى "إيمانها بطيبة الناس"
