اكتشاف تحول غير متوقع للجليد تحت ضغط هائل
اكتشف كيف يتحول الجليد تحت ضغوط هائلة تفوق 222 غيغاباسكال ليغير تركيبه وتناظره المكعّب المعروف في ظاهرة قد تفسر سلوك الماء داخل كوكبي أورانوس ونبتون وتفتح آفاق جديدة لفهم الكيمياء الكوكبية في وورلد برس عربي.

ماذا يحدث للماء حين يُضغط إلى ما بعد الحدّ الذي يتشكّل عنده أكثر أنواع الجليد كثافةً وانتظاماً؟ يقول باحثون في الولايات المتحدة إن الجليد عند هذه الضغوط يفقد التناظر المكعّب الذي ميّز طورَ «الجليد-إكس» (ice-X)، وذلك فوق عتبة قدرها 222(12) غيغاباسكال (GPa). النتيجة لا تخصّ الفيزياء النظرية وحدها، إذ تلمّح إلى أن الماء قد يسلك داخل العملاقين الجليديين أورانوس ونبتون سلوكاً لم يكن متوقعاً.
لماذا يبدو سلوك الماء مألوفاً أكثر مما ينبغي؟
نحن نعرف الماء جيداً: يشكّل 50% من جسم الإنسان، وجزيئه يتكوّن من ذرّتي هيدروجين وذرّة أكسجين، ويظهر على الأرض سائلاً أو صلباً أو غازاً. هذه الألفة تجعل خصائصه تبدو قابلة للتنبّؤ. غير أن الجليد وحده يأتي في أكثر من 20 نوعاً، يتكوّن كلٌّ منها عند ضغط ودرجة حرارة مختلفين. وتُسمّى هذه الأنواع بترتيب اكتشافها، لا بترتيب تصاعد الضغط أو الحرارة، ولهذا لا تدلّ الأرقام في أسمائها على موقعها في سلّم الضغوط.
القاعدة العامة أن المواد تنضغط تحت الضغط وتتخذ ترتيبات أعلى تناظراً، والجليد يلتزم بها حتى طور «الجليد-إكس». يتشكّل هذا الطور عند ضغوط لا توجد في أي مكان على الأرض، ولا حتى في وشاحها. ويمثّل انتقالاً بعيداً عن الجليد الجزيئي المائي المعروف: فالأكسجين فيه يقع في منتصف المسافة بين ذرّتي هيدروجين، وشبكته البلورية مكعّبة متناظرة. وقد رصد الباحثون ما يخالف القاعدة بعد هذه النقطة: تناظرٌ يتراجع بدل أن يزداد.
كيف أُجريت التجربة؟
الدراسة بعنوان «Evidence for symmetry-reduction in solid H2O above 222 GPa»، ونُشرت في مجلة «Communications Chemistry». وهي دراسة مخبرية تجريبية، عيّنتها الماء نفسه لا مرضى ولا مشاركون. قاد الفريق أشكان سلامات (Ashkan Salamat)، الفيزيائي في جامعة نيفادا لاس فيغاس (UNLV) ومدير «مختبر نيفادا للظروف القصوى» (Nevada Extreme Conditions Lab).
وضع الباحثون الماء في خلية سندان الماس، وهي جهاز يُخضع العيّنات لضغط شديد. وعرّضوه لضغط بلغ 35 مليون PSI، وتقول الدراسة إنه ضغط يوجد في أورانوس ونبتون. ثم فحصوا ترتيب ذرّات الهيدروجين والأكسجين بالمطيافية والأشعة السينية، فتبيّن أن الجليد يفقد تناظره المكعّب فوق 222(12) GPa. وتعطي الدراسة العتبة أيضاً بصيغة 222 (± 12) غيغاباسكال، أي أكثر من مليوني ضعف الضغط الجوي على سطح الأرض.
يصف مؤلفو الدراسة ما رصدوه بقولهم: «نعرض هنا دليلاً تجريبياً على أن الجليد المائي ينتقل من طور ice-X إلى فقدان التناظر المكعّب فوق 222(12) GPa». ويضيفون: «يمثّل هذا الانتقال بداية نظام جديد من التعقيد البنيوي في H2O عند الضغوط العالية، ويعيد تحديد الحدّ الأعلى لاستقرار ice-X». ويرون أن «هذه التجارب تُبرز تعقيدات ضغط H2O تحت الضغوط العالية...».
ويعلّق سلامات: «من المدهش كيف يمكن للماء أن يتصرّف تحت الضغط». ويقول أيضاً: «للماء خارج الظروف الشبيهة بالأرض سلوكٌ أكثر تعقيداً مما تخيّلنا من قبل».
لكن الاكتشاف لا يقوّض النماذج النظرية. يقول المؤلفون: «معادلة الحالة المقيسة لـ ice-X وتطوّر معاملات الخلية للطور المرصود حديثاً يتّفقان جيداً مع النماذج النظرية». أي أن الطور الجديد غير متوقَّع في سلوكه العام، لكنه لا يخرج عمّا تتنبأ به النظرية.
ماذا يعني هذا لأورانوس ونبتون؟
لا يمكن الوصول إلى هذين الكوكبين. يقول سلامات: «لا نستطيع دخول قشرة هذه الكواكب أو أجوائها بسبب المسافة، لكن لدينا بيانات من برامج مثل فوياجر». ويتابع: «لدينا تصوّر عن تركيبها وضغوطها ودرجات حرارتها الداخلية. وفي مختبرات مثل مختبري، نستطيع محاكاة الكيمياء وتجريب ما قد يحدث داخل هذه الكواكب».
ويقول الباحثون إن بيانات برنامج «فوياجر» (Voyager) تتيح معلومات عن تركيب الكواكب وضغوطها الداخلية ودرجات حرارتها. والمدى المعني هنا واسع: فقد يصل الوشاح الجليدي السائل في أورانوس إلى 700 غيغاباسكال. وهذا يتجاوز عتبة 222 GPa بكثير، ما يعني أن ما يجري في المختبر يقترب من ظروف تلك الأعماق ولا يبلغها كلها.
ولا يقتصر الأمر على الماء. فالفريق يشير إلى الميثان على المريخ والفوسفين المحتمل على الزهرة مثالين على كيمياء كوكبية قد تختلف عمّا ألفناه على الأرض. ويقول سلامات: «فهم آليات منظومتنا الشمسية وكوننا المرصود أمرٌ حاسم لمسعى المعرفة الإنسانية».
يبقى السؤال مفتوحاً: ماذا سنجد حين نصل فعلاً؟ يقول سلامات: «حين نصل أخيراً إلى هذه العوالم، ماذا سنرى؟ نحن حقاً أوائل الرواد في محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة في المختبر». وللتوسّع، يمكن الاطلاع على الورقة البحثية والبيان الصحفي لجامعة UNLV.
أخبار ذات صلة

قرصين في واحد، كيفية تراكم الأقراص، ومحرك الثقب الأسود، والنفاثات

الغربان تتخذ قرارات برقية أسرع من البشر بمرتين، تشير دراسة جديدة

الانفجارات النجمية العملاقة: دورها المعقّد في إعادة تأيين الكون الأول
