تلسكوب UVEX يكشف أسرار الكون بالأشعة فوق البنفسجية
تلسكوب UVEX الجديد من ناسا سيكشف أسرار السماء في الضوء فوق البنفسجي لمتابعة أحداث الموجات الثقالية والانفجارات النجمية بدقة عالية، ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم تطور المجرات والكون الديناميكي عبر رصد لم يسبق له مثيل. وورلد برس عربي

حين تصل إشارة من اصطدام ثقوب سوداء أو نجوم نيوترونية، تتجه التلسكوبات حول العالم إلى موقع الحدث لترصده بأطوال موجية مختلفة، من الراديو إلى أشعة غاما. أما الأشعة فوق البنفسجية فتكاد تغيب عن هذه المتابعة. هذه الفجوة هي ما يسعى تلسكوب UVEX التابع لوكالة ناسا إلى سدّها، وقد أعلنت الوكالة موعد إطلاقه في عام 2031. تقول مانسي كاسليوال، عضو فريق المهمة وأستاذة علم الفلك في معهد كاليفورنيا للتقنية (Caltech) ومديرة مرصد بالومار: «بفضل UVEX سنتمكن الآن من متابعة أحداث الموجات الثقالية في الضوء فوق البنفسجي».
ما هو UVEX وماذا سيرصد؟
الاسم اختصار لعبارة UltraViolet EXplorer، ويقود Caltech المهمة. سيمسح التلسكوب السماء كلها في الضوء فوق البنفسجي القريب والبعيد. وهذا الضوء خارج نطاق الرؤية البشرية، ولا نراه دون مساعدة التقنية.
وصف مؤلفو ورقة بيضاء عن المهمة برنامجها الأساسي بقولهم: «خلال مهمته الأساسية التي تستمر عامين، سيجري UVEX مسحاً متزامناً متعدد الدورية للسماء كلها بعمقٍ يفوق عمق GALEX بمقدار 50/100 مرة في NUV/FUV، ومسوحاً دورية للسحابتين الماجلانيتين الكبرى والصغرى، ومتابعةً سريعة لأهداف الفرص، إضافةً إلى متابعة طيفية لعيّنات من النجوم والمجرات». والمقصود بالسحابتين الماجلانيتين: السحابة الماجلانية الكبرى والسحابة الماجلانية الصغرى.
ويُتوقع أن يكون التلسكوب أكثر حساسية من GALEX بما يصل إلى 100 مرة. وGALEX تلسكوب فضائي تابع لناسا في الأشعة فوق البنفسجية، انتهت مهمته عام 2013. وتصف المهمة نفسها بأنها أول تلسكوب جديد في هذا النطاق منذ 20 عاماً، وأول مهمة فوق بنفسجية تنتج خرائط للسماء العميقة بهذا الضوء. ويضم التلسكوب مطيافاً يفرّق بين أطوال الموجات الضوئية، ما يساعد على تحديد العناصر الكيميائية في الأجرام البعيدة.
لماذا الأشعة فوق البنفسجية؟ وماذا تخفي السماء الساكنة؟
تبدو السماء الليلية ساكنة، لكن هذا الانطباع يعكس حدود الرصد بالضوء المرئي. فالقمر يتبدل ضوؤه، والكواكب تنجرف عبر القبة، والأقمار الاصطناعية ومحطة الفضاء الدولية تظهر لحظات ثم تختفي. وحتى المذنبات تتفاوت في حضورها: مذنب هالي زائر منتظم، أما مذنب هيل-بوب فلا يعود إلا مرة كل عدة آلاف من السنين.
غير أن الظواهر العابرة (Transients) الأكثر عنفاً أبعد من ذلك، ومنها المستعرات العظمى (السوبرنوفا) والتوهجات النجمية والانفجارات واندماجات النجوم وأحداث التمزق المدّي. وبعض التوهجات النجمية والنجوم المنفجرة لا تكشف عن نفسها بالكامل إلا في الضوء فوق البنفسجي. وقد يخرج الرصد بأطوال موجية جديدة بما لا يُتوقع، كما يقول كريم البدري، الأستاذ المشارك لعلم الفلك في Caltech وعضو فريق UVEX: «في كل مرة تنظر فيها إلى السماء بطول موجي جديد، تتعلم شيئاً جديداً وغير متوقع».
ويضرب المصدر مثالاً على ذلك: رصد تلسكوب جيمس ويب (JWST) لمجرات فائقة الكتلة في الكون المبكر.
كيف يغيّر UVEX متابعة الموجات الثقالية؟
الموجات الثقالية تموّجات في نسيج الزمكان، تنتج عن اندماج أجسام شديدة الكثافة كالنجوم النيوترونية والثقوب السوداء، وقد تنبأ بها أينشتاين. وعند صدور تنبيه عنها تتجه التلسكوبات إلى الحدث في أطوال موجية منها الراديو وأشعة غاما. وسيضيف UVEX متابعة فوق بنفسجية بعد هذه التنبيهات، ويُنتظر أن تكشف أطيافه التفصيلية معلومات أكثر عن هذه الأحداث.
والتلسكوب مصمم ليتجه بسرعة نحو الأحداث العابرة ويرصدها وهي تتكشف. وتحدد الورقة التي تصف المهمة ثلاث «ركائز». الأولى، بحسب المؤلفين: «أولاً، سيستكشف UVEX حدود المجرات منخفضة الكتلة وقليلة الفلزات عبر مسوح التصوير والمسوح الطيفية، التي ستسبر جوانب أساسية من تطور المجرات من خلال فهم كيف يؤثر تكوّن النجوم وتطورها عند فلزية منخفضة في نمو المجرات منخفضة الكتلة والفلزية وتطورها في الكون المحلي».
والثانية، بحسب المؤلفين أنفسهم: «ثانياً، سيستكشف UVEX الكون الديناميكي عبر مسوح المجال الزمني، وستتيح قدرة المتابعة الطيفية الفورية سبر البيئات والطاقيات وعمليات الانبعاث في المراحل المبكرة التي تعقب اندماجات الأجسام المدمجة المكتشفة بالموجات الثقالية، واكتشاف العابرات فوق البنفسجية الحارة السريعة، وتشخيص المراحل الأولى للانفجارات النجمية».
أما الركيزة الثالثة فهي إتاحة بيانات الأشعة فوق البنفسجية، وتفصيلها في ورقة المهمة على arXiv وعلى صفحة المشروع.
المجرات الصغيرة: نصف كتلة الكون
سيرصد UVEX المجرات القريبة منخفضة الكتلة اللامعة في الضوء فوق البنفسجي. وأهميتها أن هذه الفئة تضم نصف كتلة الكون، وأنها نظائر للمجرات الأولى. ومن هنا يأتي اهتمام المهمة بتكوّن النجوم وتطورها عند فلزية منخفضة.
وسيكمّل رصده للمجرات ما يقوم به JWST وتلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي.
كيف يكمّل UVEX المسوح الأخرى؟
لن يعمل UVEX وحده. فتلسكوب رومان سينفذ ثلاثة مسوح بالأشعة تحت الحمراء، ومرصد فيرا روبين سيصوّر السماء الليلية مراراً على مدى عقد. أما تلسكوب Euclid فينفّذ ثلاثة مسوح عميقة بالضوء المرئي ويلتقط أكثر من 10 مليارات مصدر، هي مجرات. ويجري SPHEREx التابع لناسا مسحاً شاملاً للسماء بالأشعة تحت الحمراء القريبة. وسيكمّل مسح UVEX مسوح رومان وروبين وEuclid.
وتصف الركيزة الثالثة قيمة المهمة للباحثين، إذ سيولّد التلسكوب مجموعة بيانات كبيرة متاحة للعموم، تخدم دارسي أجرام وظواهر متنوعة. والمقارنة هنا بمهمة Gaia التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، التي اكتملت حديثاً. فقد استُخدمت بياناتها في مجالات بحثية كثيرة، ويُتوقع أن تبقى مفيدة زمناً طويلاً. وتراهن المهمة على أن تؤدي بياناتها الدور نفسه في الأشعة فوق البنفسجية.
ويرى رأي جاياواردهانا، رئيس Caltech وأستاذ علم الفلك فيه، أن UVEX «قفزة جريئة إلى الأمام في استكشافنا للكون فوق البنفسجي».
يبقى السؤال المفتوح: ما الذي سيظهر في هذه الخرائط الجديدة ولم يخطر على بال أحد؟ أمام الفريق سنوات حتى موعد الإطلاق في 2031، وبعده عامان هما عمر المهمة الأساسية، تُختبر فيهما الوعود المعلنة.
أخبار ذات صلة

تاريخ محاولات التواصل مع الحضارات الفضائية: من الكواكب إلى النجوم

رئيس بعثة أرتيميس الثانية ريد ويزمان نائباً لمدير مختبر الدفع النفاث بـ NASA

لا حاجة للمذنبات، كيف يمكن للأرض أن تكون قد أنشأت مياهها الخاصة
